الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يوضح أن الكتاب والقرآن يشيران إلى نفس المصدوق مع اختلاف في المفهوم بين الكتابة والقراءة، ويشير إلى تواتر قراءات القرآن. القراءات السبعة والعشرة متواترة.
اختلف العلماء في البسملة هل هي آية من أول كل سورة أو من الفاتحة فقط أو ليست آية مطلقًا. أرجح الأقوال أن سبب عدم ذكر البسملة في سورة براءة أنها كانت تتبع لسورة الأنفال.
يتناول شرحًا لكيفية الجمع بين أقوال العلماء حول البسملة مستندًا إلى اختلاف القراءات. البسملة قد تُعتبر آية في بعض القراءات وليست كذلك في أخرى.
القراءة التي هي من القرآن تعتبر منه، أما التي ليست من القرآن فلا تعتبر منه. الحكم يتوقف على كون القراءة جزءًا من القرآن أم لا.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: والكتاب هو القرآن بلا شك، ومن ادعى أنه غيره - كما نسب المؤلف لقوم - فإن مقصودهم بالتغاير تغاير المفهوم، لا تغاير المصدوق. فإن ما يصدق عليه القرآن هو ما يصدق عليه الكتاب، وهو هذا القرآن العظيم. وإن كان التغاير حاصلًا في مفهومهما، فإن مفهوم الكتابة هو اتصاف هذا القرآن بأنه مكتوب، ومفهوم القرآن هو اتصافه بأنه مقروء. والكتابة غير القراءة بلا شك، ولكن ذلك الموصوف بأنه مكتوب هو بعينه الموصوف بأنه مقروء، فهو شيء واحد موصوف بصفتين مختلفتين. ومن هنا ظهر لك أن القرآن والكتاب واحد باعتبار المصدوق، وإن تغاير باعتبار المفهوم. الكتاب هو القرآن، يعني سمي كتابًا، سمي قرآنًا. كما قال الله عز وجل: ﴿حَمِيمٍ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، فسماه قرآنًا وسماه كتابًا. نعم، فلم يفرق بين الكتاب والقرآن. ومن فرق بينهما، فالمراد به التفريق والتغاير في المفهوم، لا في المصدوق. التغاير في المفهوم يعني مفهوم الكتابة يختلف عن مفهوم القراءة. سمي القرآن قرآنا لأنه يقرأ، وسمي كتابًا لأنه يكتب، فهنا حصل التغاير. أما في المصدوق، يعني حقيقة الشيء، فهو واحد. حقيقة الشيء فهو واحد، فهو المكتوب وهو المقروء. قال: وكتاب الله هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا. ولا خلاف بين العلماء في قراءة السبعة، يعني القراءة السبعة: نافع المدني، وهو المقدم في هؤلاء القراء، وابن كثير المكي عبد الله، وابن عامر أيضًا عبد الله عامر الشامي، وأبي عمرو البصري، وعاصم من أبي النجود، وحمزة، وابن حبيب الملقب بحمزة الزيات، والكسائي، والكسائي وهو علي بن محمد الكوفيين. وكذلك على الصحي قراءة الثلاثة: أبي جعفر يزيد بن القعقاع، وخلف، ومن هشام، وأخذ قراءته من حمزة، ويعقوب وهو الحضرمي، هؤلاء الثلاثة تمت العشرة. قال في المراقي: مثل الثلاثة ورجح، ورجح، ورجح النظر تواترا لها لدى من قد غبر. تواتر السبع عليه أجمع، ولم يكن في الوحي حش يقع. وأما ما نقع الإمام أحمد رحمه الله من إنكاره على حمزة، فليس هو إنكارًا لأصل القراءة، وإنما إنكار للأداء. كان ينكر على حمزة ما يذهب إليه من إطالة المد. نعم، لأن قراءة حمزة أيضًا على طريقة الفرش، وهي أحرف مختلفة بخلاف غير من القراء. لكن الصحيح أنها قراءة صحيحة، إلا أن الإنكار كما قلنا في بعض الأداء أو الغلو كذلك ببعض مسائل التجويد. والإمام أحمد رحمه الله كان يفضل قراءة نافع، وبعده عاصم. قال: تنبيه، اختلف العلماء في البسملة: هل هي آية من أول كل سورة، أو من الفاتحة فقط، أو ليست آية مطلقًا؟ قال: أما قوله في سورة النمل: «إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم»، فهي آية من القرآن إجماعًا. وأما سورة براءة، فليست البسملة آية منها إجماعًا، ولم تذكر البسملة في أولها، ولم تكتب في المصحف. اختلف العلماء في العلة في ذلك، ذكروا أقوالًا. وأرجح هذه الأقوال ما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما أن ابن عباس سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه عن ذلك: كيف كتبتم البسملة في الأنفال، وهي من المثاني، وتركتم ذكرها في براءة، وهي من المئين؟ فقال عثمان رضي الله عنه: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا نزلت عليه الآيات من القرآن، قال: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وهذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا». ولما نزلت براءة، لم يذكر - يعني أين توضع - قال: فظننا أنها تابع لما قبلها، فتركنا البسملة. فتركنا ذكر البسملة. والأثر هذا صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله، ورجح الشنقيطي رحمه الله في تفسير أضواء البيان هذا القول: أن هذا هو السبب في عدم ذكر البسملة في سورة براءة. وذكر الأقوال الأخرى في مقدمة تفسيره لسورة براءة. قال: اختلف فيما سوى هذا - يعني في غير البراءة - هل البسملة من السور أو ليست من السورة، أو هي من القرآن، ليست من القرآن؟ قال: فذكر بعض أهل الأصول أن البسملة ليست من القرآن. وقال قوم: هي منه في الفاتحة فقط. وقيل: هي آية من أول كل سورة. ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى. وذكر هذه الأقوال القرطبي رحمه الله في تفسيره عند سورة الفاتحة. ذكر القول أنها ليست بآية منها الفاتحة، وهذا قول إمام مالك: أن ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها. والقول الثاني: أنها آية من كل سورة. وقول من مبارك. والقول الثالث: أنها آية في الفاتحة، ومرة قال: آية من كل سورة، ومرة قال: ليست بآية إلا في الفاتحة، هذا قول الشافعي. يعني تردد: مرة قال: هي آية في الفاتحة فقط، ومرة قال: آية من كل سورة. قال مقبل - عفا الله عنه - يعني الشنقيطي رحمه الله: ومن أحسن ما قيل في ذلك الجمع بين الأقوال بأن البسملة في بعض القراءات - كقراءة من قرأ كثيرًا - آية من القرآن، وفي بعض القراءات ليست آية. ولا غرابة في هذا، يعني أن تكون البسملة آية في بعض القراءات - كقراءة من كثير - وليست بآية في بعض القراءات الأخرى. وهذا الذي رجحه شيخنا مقبل رحمه الله. وقول - قول أكثر الفقهاء والأصوليين - والأمة الثلاثة غير الشافعي: أنها ليست بآية. قال: فقول «في سورة الحديد: فإن الله هو الغني الحميد»، لفظة «هو» من القرآن في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، وليست من القرآن في قراءة نافع وابن عامر؛ لأنه ما قرأ «فإن الله الغني الحميد» - يعني بغير لفظة «هو» - وبعض المصاحف فيها لفظة «هو»، وبعضها ليس فيها. ومع ذلك في قراءة صحيحة، ولا تنافي أن تكون «هو» - يعني هذه الكلمة - من القرآن في هذه القراءة، وليست منه في القراءة الثانية. وبعضها ليس فيها. وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، نعم، في بعض القراءات «فإن الله» بذكر الفاء، وفي بعضها بدون ذكرها. وقالوا: «اتخذ الله ولدًا»، الآية، فالواو من قوله «وقالوا» في هذه الآية من القرآن على قراءة السبعة غير ابن عامر، وهي في قراءة ابن عامر ليست من القرآن - يعني الواو - لأنه قرأ «قالوا اتخذ الله ولدًا» بغير واو، وهي محذوفة في مصحف أهل الشام. وقس على هذا. وبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف ودون بعض. وبذلك تتفق أقوال العلماء، وإشارة إلى هذا الجامع في المراقي، قوله: «وليس للقرآن تعز البسملة وكونها منه الخلاف نقلة، وبعضهم إلى القراءة نظر». عندكم: القراءة أو القرآن، الصواب: القراءة. «وبعضهم إلى القراءة نظر، وذاك للوفاق رأي معتبر إلى القراءة»، يعني نظر باعتبار القراءة. إن كانت آية في هذه القراءة، فعدت آية، وإن كانت ليست بآية في هذه القراءة، فليست بآية. صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. «وليس للقرآن تعز البسملة»، يعني اسم القرآن، وكونها منه - يعني من القرآن - الخلاف نقلة، فيه خلاف. وبعضهم من القراءة جعل الاعتبار: البسملة من القرآن، واسم من القرآن باعتبار القراءة. إن كانت في القراءة من القرآن - كقراءة من كثير - فهي منه، وإن كانت في القراءة ليست من القراءة، فليست منه. الله تعالى أعلم.