الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في القرآن الكريم، ويستدل على ذلك بقول الله تعالى 'واسأل القرية'. كما يتناول دلالة الاقتضاء ودلالة الالتزام في تفسير الآيات القرآنية.
يناقش إثبات الإرادة للجمادات استنادا إلى أدلة من القرآن والسنة، ويبين أن الجمادات لها إرادة بمفهوم معين. كما يتناول مسألة المجاز في اللغة العربية وتطبيقاتها في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
يناقش تعريف المجاز والمشاكلة في اللغة العربية، ويبين أن المشاكلة هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته. كما يوضح أن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير موضعه الأصلي على وجه يصح.
يختتم الدرس بالدعاء للنبي محمد وآله وصحبه، ويعد بمتابعة الدروس القادمة بإذن الله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: وقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ فيه حذف مضاف، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوب من أساليب اللغة معروف. يعني الآية استدل بها من قال بالمجاز، قالوا: «واسأل القرية» والقرية المراد بها المساكن، والمساكن لا تسأل، والمراد بالسؤال سؤال أهلها، فاستعملت القرية على أن المراد بها الأهل. قالوا: هذا مجاز، وإلا ففي الأصل لأن القرية هي المساكن، فبين رحمه الله أن هذا من باب حذف المضاف، فإقامة المضاف إليه مقامه، والأصل: «أسأل أهل القرية»، فأهل مضاف، والقرية مضاف إليه، فأقيم المضاف إليه مقامه. قال: «أسلوب من أساليب اللغة معروفة عقده في الخلاصة بقوله» -الخلاصة يعني الألفية، ألفية ابن مالك، سميت بالخلاصة لأنها خلاصة من الكافية الشافية، وهي أكثر من 2700 بيت، فاختصرها في ألف بيت- قال: «بقوله وما يلي المضاف يأتي خلفا عنه في الإعراب إذا ما حذفا»، قال: «والمضاف المحذوف مدلول عليه بدلالة الاقتضاء»، وهي عند جماهير الأصوليين دلالة التزام، وليست من المجاز عندهم. دلالة الاقتضاء هي: دلالة اللفظ على محذوف يدل عليه صحة الكلام وصدقه. مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكره عليه»، رفع أي شيء؟ الاثم، اثم الخطأ، هذا الاثم لم يذكر، لكن هو المراد بدليل صحة الكلام. دلالة اللفظ على محذوف يدل عليه صحة الكلام وصدقه، هذا يسمى دلالة الاقتضاء ودلالة الالتزام. دلالة الالتزام: دلالة اللفظ على خارج عنه. ويقولون: دلالة الاقتضاء من دلالة الالتزام. يعني إن صح الكلام بوجودها صار وجودها لازم، إن صح الكلام بوجودها صار وجودها لازم. قال: «المضاف المحذوف مدلول عليه بدلالة الاقتضاء»، المضاف المحذوف: الأهل، «واسأل أهل القرية»، هذا المحذوف، الآن به يستقيم الكلام ويصح الكلام. هذا المحذوف مدلول عليه بدلالة الاقتضاء، وإذا صح الكلام بوجوده فوجوده لازم، فلابد من تقدير حذف هذا المضاف وهو الأهل. ورد آخر يقال لهم: أن القرية تطلق ويراد بها المساكن، ويراد بها الأهل، وهي في ذلك حقيقة، تطلق على هذا وعلى هذا. فقول الله جل على: ﴿واسأل القرية﴾ مراد بها أهلها، ليس المساكن، فالمساكن جمع ذات لا تسأل، لكن المراد بالقرية الأهل. وأكثر ما ورد ذكر القرية في القرآن يراد به الأهل أكثر من المساكن، وكذلك: ﴿وأخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة﴾ يعني أهلها، ﴿أفأمن أهل القرى﴾، هذه بذكر الأهل. وكذلك الآيات، إلا في قوله جل وعلا: ﴿كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها﴾ هنا مراد بالقرية المساكن، وإلا فغالب إطلاقات القرآن على القرية يراد بها الأهل، فيكون حقيقة في استعمال القرية على الأهل، كذلك أيضا في استعمالها على المساكن. قال: «وقوله: ﴿جدارا يريد أن ينقض﴾ لا مجاز فيه»، يعني استدلوا بهذه الآية على وجود المجاز، قالوا: فنسبة الإرادة للجدار هذا مجاز، أن الجدار جماد، والجماد لا إرادة له. قال: «لا مجاز فيه، إذ لا مانع من حمل الإرادة في الآية على حقيقتها، لأن للجمادات إرادات حقيقية يعلمها الله جل وعلا ونحن لا نعلمها». ويوضح ذلك حنين الجذع الذي كان يخطب عليه صلى الله عليه وسلم لما تحول عنه إلى المنبر، والحديث في صحيح مسلم، قال: «وذلك الحنين ناشئ عن إرادة يعلمها الله تعالى»، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لعرف حجرا كان يسلم علي في مكة»، وسلامه عليه عن إرادة يعلمها الله ونحن لا نعلمها، كما صرح تعالى بذلك في قوله جل وعلا: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾، فهذه الآية تدل على أن ما من شيء إلا له إرادة، لكنها لا نفقهها ولا نعلمها. قال: «فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم، يعني لا تعلمونه ولا تدركونه ولا تفهمونه». قال: «وأمثال ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، إذن لا مانع من إثبات الإرادة للجمادات، فالجماد له إرادة كما أن الحيوان له إرادة». والله عز وجل يقول: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾، هذه السماء والأرض وهي مخلوقة جماد. قال: «وكذلك لا مانع من كون الإرادة تطلق في اللغة على معناها المعروف وعلى مقاربة الشيء والميل إليه، فيكون معنى إرادة الجدار ميله إلى السقوط وقربه منه». هذا معنى آخر بتوجيه الآية أن المراد بالإرادة بمعنى الميل، المقاربة، الشيء والميل إليه. قال: «فيكون معنى إرادة الجدار ميله إلى السقوط وقربه منه، وهذا أسلوب عربي معروف». ومنه قول الراعي: «فلقت به هاماتها فلق الفؤوس إذا أردنا نضولا»، نضولا بمعنى سقوطا، وهذا كناية عن فرار رؤوس الأعداء. وهكذا الفأس إذا لم يكن ثابتا في خشبته فإنه يريد أن يفر. قال: «وقول الآخر: يريد الرمح صدر أبي براء ويعدل عن دماء بن عقيل»، فأثبتا للرمح إرادة، يميل، يميل الرمح إلى صدر أبي براء. قال: «وكذلك قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ لا مجاز فيه»، وهذه الآية استدلوا بها كذلك على إثبات المجاز. قال: «الغائط يطلق على الخارج من الإنسان، فاستعمل في المكان المنخفض من الأرض». قال: «بل إطلاق اسم المحل على الحال فيه وعكسه كلاهما أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية، وكلاهما حقيقة في محله». يعني أنه يطلق على ما يخرج من الإنسان، ويطلق أيضا على المكان المنخفض، يطلق على المكان المنخفض من الأرض. قال: «كما قر بنظيره في أن النسخ في أن نسخ العرف للحقيقة اللغوية لا يمنع من إطلاق اسم الحقيقة عليه، فيسمونه حقيقة عرفية». وهذا على التعريف الثاني، الذي ذكرنا التعريف: المجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له من المخاطبة، يشمل الحقائق الثلاث: الشرعية واللغوية والعرفية. فنسخ العرف للحقيقة اللغوية لا يمنع من إطلاق اسم الحقيقة عليه، يعني على الحقيقة اللغوية. يعني مثلا في العرف أن الدابة تطلق على الحيوان ذات القوائم الأربع. هذه حقيقة عرفية، تنسخ معنى الدابة في اللغة: كل ما يدب على الأرض من ذوات الأربع والاثنتين والزواحف إلى آخره. كون في العرف استعمال الدابة على هذا المعنى: ذات القوائم الأربع، هل ينسخ اسم الحقيقة اللغوية ويرفعها؟ الجواب: لا، هو أيضا في اللغة على هذا المعنى: أن الدابة في اللغة على معنى كل ما يدب على وجه الأرض. فهو حقيقة في هذا الموضع لغة، وحقيقة عرفية كذلك. يقال في استعمال لفظ الغائط: هو حقيقة في ما يخرج من الإنسان، وحقيقة في المكان المنخفض. قال: «وكذلك قولوا تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾، وقولوا: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ الآية»، قالا: «مجاز فيه». وبذلك اعترف أكثر علماء البلاغة، حيث عدوا هذا النوع من البديع، وسموه باسم المشاكلة. والمشاكلة: أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته. نعم، هنا الآن: سيئة، سيئة، اعتداء، فاعتدوا، هي مشاكلة لصحبته. ذكر الآن الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، هذا يسمى مشاكلة. قال: «ومعلوم أن المجاز من فن البيان، لا من فن البديع». أن البلاغة أقسام، منها: البيان والبديع، والمجاز القول به يجعلونها من قسم البيان. يجعلونها من قسم البيان، والمشاكلة من فن البديع. وكيف بعد ذلك يعد من المجاز؟ والمجاز إنما هو من فن البيان. قال: «فأكثرهم قالوا: إن المشاكلة من البديع، كقوله: قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخة، قلت: «اطبخوا لي جبة وقميصا»، هذا من باب المشاكلة». وأول هذه الأبيات: «أصحابنا قصدوا الصبوحة بسحرة وأتى رسولهما إلي خصوصا قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخة قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا»، طبخوا لي يعني خيطوا لي جبة وقميص، أتى بلفظ الطبخ من باب المشاكلة لما قالوا: «نجد لك طبخة» قال: «اطبخوا»، أتى بنفس اللفظ على معنى آخر. قال: «والحق أن هذا أسلوب من أساليب اللغة، واللغة واسعة». نعم، فمن أساليب اللغة استخدام اللفظ نفسه بمعنى آخر. وكذا أيضا في قوله جل وعلا: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ المراد بذلك من باب التحذير، يعني كما تسوء الناس فإنه سيسوءك، نعم، وكما تعتدي على الناس فإنه سيعتدى عليك. قالوا: «منه الآيتان»، يعني المذكورتان. زعم قوم من علماء البلاغة أن المشاكلة من علاقات المجاز المرسل، فسموا ما استعمل في غير معناه عندهم للمشاكلة مجازا. قال: «أما تفسيره يؤذون الله بقوله: ﴿يؤذون أولياءه﴾ فليس بصحيح». قال: «بل معنى إذاؤهم الله كفرهم به، كفرهم به وجعلهم له الأولاد والشركاء وتكذيبهم رسله». ويوضح ذلك حديث: «ليس أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، إنهم يدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم»، والحديث في الصحيحين. هذا معنى إذاءهم لله، أن الله يرزقهم ويعافيهم وهم ينسبون له النقائص والعيوب، نسبة الولد والانداد. قال: «وأكثر المتأخرين على أن في الآيات التي ذكرها المؤلف مجازا كما هو معروف». وقد بينا منع القول بالمجاز في القرآن في رسالتنا التي ألفناها في ذلك. وقول المؤلف: تعريف المجاز: هو اللفظ المستعمل في غير موضعه الأصلي على وجه يصح. يعني بقوله: «على وجه يصح» أن تكون هناك علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، علاقة، يعني ارتباط بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، وأن تكون ثم أيضا قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي. نعم، هذا التعريف لا بد من علاقة وقرينة، علاقة تربط المعنى الأصلي بالمعنى المجازي، وقرينة تمنع من حمل اللفظ على ظاهره حتى يصح القول بالمجاز. نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في الدرس القادم بإذن الله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.