الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتم تعريف العزيمة بأنها الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي، والرخصة بأنها استباحة المحظور مع قيام الحاضر لعذر شرعي. تطرق إلى تعاريف مختلفة لها من قبل علماء الأصول.
الرخصة هي حكم شرعي يسهل على المسلم في حالة وجود عذر، بينما العزيمة هي الحكم الأصلي. يُشرح شروط الرخصة ومتى تسقط الأحكام الشرعية بسبب زوال سببها أو عجز الشخص عن تنفيذها.
يناقش استثناءات من الأحكام العامة في المعاملات المالية مثل بيع العرايا ورجوع الأب في هبة لابنه، مع توضيح العلل والأدلة وراء هذه الاستثناءات. يُبرر رجوع الأب في الهبة لابنه بحق الأب في مال ابنه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: وأما العزيمة، فقد عرفها المؤلف رحمه الله في اللغة بقوله: العزيمة في اللسان القصد المؤكد، ومنه قوله تعالى: ﴿ولم نجد له عزما﴾ أي قصدا مؤكدا. فإذا عزمت فتوكل على الله، إذا عزمت يعني قصدت. وعرفها أيضا في عرف حملة الشرع بقوله: فالعزيمة الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي. الحكم الثابت خرج الحكم المتغير، ومنه الرخصة؛ لأنها ماذا؟ حكم غير من عسر إلى يسر. وكذلك أيضا يخرج المنسوخ؛ لأن حكم تغير. وقوله: من غير مخالفة دليل شرعي، خرج الدليل العقلي. وقيل: ما لزم بإيجاب الله تعالى. والتعريف الأول أكمل؛ يعني الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي. ومعروف أن نعم؛ لأن العزيمة تشمل الواجب والمندوب، والحرام والمكروه. وكثير من أهل الأصول يطلقوا اسم العزيمة على كل ما ليس برخصة، كما سيأتي؛ يعني يجعلون العزيمة في مقابل الرخصة. وأما الرخصة، فهي في اللغة النعومة واللين، ومنه قول عمر بن كلثوم: «وثديا مثل حق العاج رخصا أو رخصا حصانا من أكف اللامسين». وعرفها المؤلف لغة بأنها السهولة واليسر. قال: ومنه رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء. وعرفها في الاصطلاح أهل الأصول بأنها استباحة المحظور مع قيام الحاضر؛ استباحة المحظور مع قيام الحاضر، يعني مع قيام المنع. فتستبيح هذا المحظور الممنوع، كاستباحة الميتة عند الضرورة، مع أن الميتة محرمة، هذا الحكم باقي وموجود، لكن رخصة في مثل هذه الحالة عند الضرورة أن تأكل من الميتة. قال: وقيل ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض الراجح. ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض الراجح. قال: وهذا التعريف الأخير الذي حكاه بقيل أجود من الأول؛ مع أن قيل من شيء التمريض، لكن مع ذلك هو أجود وأفضل من الأول. قال: ومثاله إباحة الميتة للمضطر؛ ففيها استباحة المحظور الذي هو أكل الميتة مع قيام الحاضر، أي المانع الذي هو خبث الميتة الذي حرمت من أجله. وهو أيضا ثابت على خلاف دليل شرعي الذي هو ﴿حرمت عليكم الميتة﴾؛ حرمت عليكم الميتة، هذا دليل شرعي على تحريم الميتة، لكن الرخصة أثبتت له جواز الأكل منها على خلاف هذا الدليل. لماذا؟ لمعارض الراجح. قال: لمعارض الراجح كقوله: ﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم﴾ الآية؛ هذا هو المعارض الراجح. هذا معنى هذا التعريف: ما ثبت على خلاف دليل شرعي. ما هو دليل الشرعي؟ تحريم الميتة: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾. وهذا الحكم الآن في جواز الأكل منها خلاف هذا الدليل. ما الذي خالفه؟ قال: لمعارض الراجح؛ هناك دليل آخر عرضه أرجح منه، ويدل على جواز ماذا؟ فعل خلاف ما في هذه الآية، وهو قوله: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾. وقوله: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾. قال: ونحوها من الآيات. ومن أجود تعاريف الرخصة معرفها به بعض أهل الأصول من أنها هي الحكم الشرعي الذي غير من صعوبة إلى سهولة لعذر اقتضى ذلك مع قيام سبب الحكم الأصلي. وهذا تعريف ابن السبكي: عبدالوهاب بن علي السبكي. قال: قال هو الحكم الشرعي الذي غير من صعوبة إلى سهولة لعذر اقتضى ذلك مع قيام سبب الحكم الأصلي. قال: فخرج بالتغيير ما كان باقياً على حكمه الأصلي، كالصلاوات الخمس؛ خرج بالتغيير ما كان باقياً على حكمه الأصلي كالصلاوات الخمس؛ أنها لم تغير، فهي في أوقاتها المحددة شرعاً. قال: وخرج بالسهولة نحو حرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله؛ لأنه تغيير من سهولة إلى صعوبة. الرخصة إنما هي تغيير من صعوبة إلى سهولة، وتحريم ما كان مباحاً هذا انتقال من سهولة إلى صعوبة. قال: وكذلك الحدود والتعازير مع تكريم الآدمي المقتضى للمنع من ذلك قبل وروده؛ يعني تكريم الآدمي أنه لا يحد بجلد أو بقاتل، لكن انتقل هذا الحكم وتغير إلى ما هو ماذا؟ أصعب. هذا ليس من الرخصة بالمالعزيمة. قال: وخرج بالعذر ما تغير من صعوبة إلى سهولة لا لعذر؛ أنه قال هنا ما تغير الذي غير من صعوبة إلى سهولة لعذر. خرج ما كان التغير فيه لغير عذر. قال: قال ترك تجديد الوضوء لكل صلاة؛ فإن التجديد لكل صلاة كان لازما، ثم غير إلى سهولة وهي أنه يصلي بوضوء واحد كل الصلوات ما لم يحدث. إلا أن هذا التغيير لا يسمى رخصة إصطلاحا؛ لأنه لم يكن لعذر جديد. ما كان هذا التغيير لعذر جديد، وإنما بيّن فعل النبي عليه الصلاة والسلام أن الأمر في الآية بالوضوء عند دخول وقت الصلاة إنما هو لمن كان محدثا؛ لمن كان محدثا، وأما من لم يكن محدثا فالوضوء له وبالنسبة له على جهة الاستحباب. قال: وخرج بقيام سبب الحكم الأصلي النسخ؛ كتغيير إيجاب مصابرة المسلم الواحد العشرة من الكفار بمصابرة اثنين منهم فقط، المنصوص في أخريات الأنفال؛ لأن الحكم الأصلي الذي هو مصابرة العشرة كان في أول الإسلام لقلة المسلمين وكثرة الكافرين. وفي وقت النسخ زال هذا السبب بكثرة المسلمين. هنا قال: اقتضى ذلك مع قيام سبب الحكم الأصلي. وهنا السبب انتفى؛ يعني سبب مصابرة الواحد العشرة قلة المسلمين، لكن لما كثر المسلمون زال هذا السبب فزال هذا الحكم. فسبب الحكم الأصلي هنا في نسخ المصابرة غير موجود؛ قد تغير السبب وزال السبب. لكن في الرخصة يبقى السبب موجود؛ يبقى السبب موجود. قال: وكذلك ما لو قطع قطع من إنسان بعض أعضاء الوضوء؛ فإن غسله يسقط عنه وجوبه، ولا يسمى رخصة؛ لأن سبب الحكم الأصلي وجود محله، وقد زال هنا بقطعه. مثلا غسل اليد إلى المرفق، إنسان قطعت يده من المرفق من فوق المرفق، هل يجب عليه أن يغسل يده؟ الجواب لا؛ لا يجب عليه. لماذا؟ لأن عدم وجود محل الوجوب؛ المحل الذي يجب عليه غسله غير موجود. طيب ولا يكلف الإنسان بشيء لا محله؛ فيسقط عنه. بعض العلماء يعبر عن مثل هذه الصورة بقوله: لا تكليف بمعجوز عنه؛ لا تكليف بمعجوز عنه. بعضهم يقول: لا تكليف ما لا محل له. قال: وعرف صاحب المراق الرخصة والعزيمة بقوله: للعذر والرخصة حكم غير إلى سهولة لعذر قرر مع بقاء علة الأصلي، وغيرها عزيمة؛ النبي وغيرها يعني غير الرخصة العزيمة. قال: وقد ذكر المؤلف رحمه الله في هذا المبحث ما لا يقول من باب التعبد. نعم؛ هنا ما في يعني حكم الأصل غير موجود؛ الحكم هو في حلق الشعر، ليس حلق الرأس؛ يعني الرأس نفسه، الشعر الذي فيه. نعم؛ فإذا لم يكن عنده شعر، الصحيح أنه يسقط عنه هذا الحكم؛ هذا هو الصحيح؛ لأنه لا فائدة من تمرير الموس؛ هو لا شعر عنده. نعم؛ هذا يكون حكمه حكم ما ذكرنا الآن؛ لا تكليف بما لا محله، أو بما عجوز عنه. قال: وقد ذكر المؤلف رحمه الله في هذا المبحث أن إباحة التيمم إن كانت مع القدرة على استعمال الماء لمرض أو لزيادة ثمن سميت رخصة، وإن كانت مع العجز عنه كعدم الماء فلا يسمى رخصة؛ لأن سبب الحكم الأصلي وهو وجود الماء زائل هنا؛ فلا تكليف بمعجوز عنه. وهو ظاهر. والأكثرون على أن إباحة الميت للمضطر رخصة، وإن وجب عليه الأكل لإحياء نفسه؛ لأن الرخصة قد تجب؛ كما هنا قد تكون واجبة؛ هي في الأصل رخصة من حيث أنه أبيح له ما كان ممنوعا، وفي نفس الوقت واجبة لأجل ماذا؟ إحياء نفسه وعدم حصول الهلاك. قال: وسميت رخصة لما فيها من التسهيل عليه بالإذن في أكل الميتة؛ لأن الأصل أنه محرم، ولم يضيق عليه بإلزامه ترك الأكل منها حتى يموت. وقيل: من جهة التوسيع رخصة، ومن جهة وجوب الأكل عزيمة؛ من جهة التوسيع حيث أنه يباح له أن يأكل من الميتة هذا رخصة، ويجب عليه الأكل منها هذا عزيمة؛ حتى لا يهلك ويموت. قال: والواحد بالشاص له جهتان كما تقدم إلى مانع أن يكون الشيء الواحد له جهتان وحكمان. قال: وذكر المؤلف في هذا المبحث أيضا ما خلاصته أن الصورة المخرجة المخرجة من العموم بمخصص إن كانت توجد فيها علة الحكم العام تسمى رخصة، وإن كانت لا توجد فيها لا تسمى رخصة. مثال ما وجدت فيه علة الحكم العام من صور التخصيص؛ قال: مسألة بيع العرايا. وبيع العرايا هو بيع الرطب بالتمر؛ بيع الرطب بالتمر اليابس، ويكون الرطب في أصول النخل؛ يكون الرطب في أصول النخل. والنبي صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق؛ نعم؛ فما دون. قال: لأن بيع الرطب بالتمر اليابس فيها داخل في عموم أدلة النهي عن المزابنة؛ المزابنة بيع الرطب بالتمر؛ بيع الرطب بالتمر. نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المزابنة؛ لماذا؟ لأن التمر صنف ربوي؛ فيجب فيه التماثل؛ يجب فيه التماثل. فإذا بيع الرطب بالتمر فهنا يختل التساوي؛ لأن الرطب إذا يبس سينقص وزنه؛ سينقص وزنه؛ وهنا يختل التساوي؛ وهذا صنف رابوي يجب فيه التساوي والتماثل في الأجل. ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن... لكن رخصه ببيع العراية. قال: وعلة تحريم المزابنة التي هي عدم تحقق المماثلة الواجب تحققها في التمر بالتمر إجماعا؛ التمر بالتمر ربا؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والبر بالبر، والملح بالملح»؛ نعم؛ مثلا بمثل، سواء بسواء. وبيع الرطب بالتمر لما سوي عليه وسلم أنقص إذا يابس؛ قالوا: نعم. قال: فلا. قال: موجودة في الصورة المخرجة من حكم العام وهي بيع العراية؛ ألا عندنا الحكم العام هو إيش؟ بيع المزابنة؛ بيع الرطب بالتمر؛ هذا حكم عام أنه لا يجوز؛ هذا حكم عام أنه لا يجوز. أخرجنا من هذا الحكم العام صورة وهي بيع العراية؛ وهي بيع العراية؛ والعبية؛ العراية أيضا بيع التمر بالرطب؛ الرطب في أصول النخل، والتمر في الأرض. طيب قال: موجودة في الصورة المخرجة من حكم العام بدليل خاص وهو إباحة بيع العراية المذكور. طيب؛ فهنا الآن عندنا إخراج صورة مخرجة من العموم بمخصص؛ بمخصص مع وجود إيش؟ علة الحكم العام؛ وهو حصول عدم التماثل؛ هذا موجودة في بيع العراية؛ لكن مع ذلك رخص الشرع؛ رخصها بقيود؛ يعني أن تخرص؛ أن تباع بخرصها تمرا؛ يأتي صاحب الخبرة يخرص الرطب التي في النخل ويقول هذه إذا يبست ساوي كذا وكذا من التمر؛ ساوي خمسة أوسق، أربعة أوسق. طيب؛ أن تباع بخرصها تمرا؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وبعض العلم يقول: هذا خاص للفقراء؛ إذا كان فقير ما عنده مال يتفكه مثل ما يتفكه الناس؛ فيأتي يشتري الرطب بالتمر. ومنهم من يقول: عام للفقراء وغير الفقراء؛ نعم؛ لأن النبي رخص ولم يخص الرخص للفقير. قال: ومثال ما لم توجد فيه علة العام إباحة رجوع الأب فيما وهب لابنه؛ فإنه داخل في عموم المنع في حديث «الواهب العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه»؛ نعم؛ نعم؛ كالكلب يقي ثم يعود في قيئه؛ عنده هناك الكلب يعود في قيئه؛ نعم؛ يعني الكلب يقي ثم يرجع يأكل قيئه. والذي يعود في هبته شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بحال هذا الكلب الذي يعطي العطية والهبة ثم يقول: هات؛ عطيني ما عطيتك. طيب؛ هذا يعني فعل قبيح. ومع ذلك استثنى الشرع ما يعطي الوالد ولده؛ ما يعطي الوالد ولده؛ إذا وهب الوالد لابنه هبه؛ هدية؛ أعطاه جوال؛ أعطاه سيارة؛ أعطاه دراجة؛ أعطاه أي شيء؛ ثم قال: هات؛ رد ما عطيتك؛ ليس على أي شيء يجوز له ذلك. قال: ولكنه خرج بدليل خاص هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل للمرء أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده»؛ إلا الوالد فيما يعطي ولده؛ هذا الآن دليل استثنى من هذا الحكم أو حكم التحريم رجوع الواهب في هبته؛ إلا الوالد فيما يعطي ولده؛ لأن الوالد له حق في مال ولده؛ له حق في مال ولده. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أنت ومالك لأبيك»؛ فله حق أن يرجع فيما أعطاه من هبه. قال: وعلة المنع غير موجودة في الأب؛ لأن الأبوة تجعل له من التسلط على ما تحت يد الوالد ما لم يكن لغيره. قال: وناقش بعض العلماء في الفرق بينهما؛ وقال: لا فرق بين المسألتين؛ يعني في بين العراية وبين الصورة الثانية. لماذا؟ قال: لأن رجوعه في الحقيقة يعني العلة موجودة؛ يعني نسلم مثل من رجع في هبته كالكلب يقي ثم يعود في قيه؛ لكن الشيء رخص في رجوع الأب فيما أعطى ولده مع وجود النهي؛ وهذا التمثيل مثله مثل بيع العراية؛ يعني نهى عن المزابنة ثم أجاز بيع العراية مع وجود علة الحكم وهي عدم التماثل؛ وهي عدم التماثل. كذلك أيضا في الصورة الثانية؛ قالوا: كذلك علة موجودة؛ وهو يعني الرجوع في الهبة والعطية؛ لكن القول بأن للأب له حق في مال الاب، هذا له وجه. وليكن هذا في غير الأب مع ابنه؛ يعني مثلا الصديق مع صديقه؛ ليس له حق في ماله؛ يعطيه شيء ثم يرجع إليه؛ ليس فيه حق. بخلاف رجوع الأب وأخذ ما أعطى لابنه؛ لأنه له حق في مال الابن؛ كما سمعنا في قول الله سلم: «أنت ومالك لأبيك»؛ فيدل أن الأب له حق؛ فله حق في الرجوع؛ كأنه يرجع في شيء حقه؛ يرجع في شيء هو حقه. والله أعلم. صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد، وأهله، وصحبه أجمعين.