التعليق على مذكرة أصول الفقه 41

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 41، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شروط رواية الحديث بالمعنى وآراء العلماء

يناقش هذا الفصل شروط رواية الحديث بالمعنى للعالم المميز، وآراء الجمهور وأصحاب الحديث في جواز أو منع الرواية بالمعنى. يشترط الجمهور أن يكون الراوي عالما باللسان العربي وجازما بمعنى الحديث.

حجج الجمهور واستثناءات الرواية بالمعنى

استعرض هذا الفصل حجج الجمهور الذين أجازوا رواية الحديث بالمعنى، واستدلالهم بأن المقصود هو المعنى وليس اللفظ، كما تطرق إلى بعض الاستثناءات مثل ألفاظ الأذكار.

نقل الحديث بالمعنى وضوابط الترجمة

يناقش هذا الفصل مسألة نقل الحديث بالمعنى، والفرق بين إبدال اللفظ بمرادفه ونقل الحديث، كما يتناول آراء العلماء في الاحتجاج بألفاظ الحديث على مسائل اللغة العربية وحكم استخدام لفظ المراد في الترجمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله: تنبيه التحقيق أن الرفع والوصل من نوع الزيادة، فلو روى بعض الرواة حديثا موقوفا، ورواه ثقة آخر مرفوعا، أو رواه بعض الرواة مرسلا، ورواه ثقة آخر موصولا، فذلك الرفع، وذلك الوصل يقبل؛ لأنه من زيادة الثقات، وهي مقبولة، ولا تكون الطريق الموقوفة أو المرسلة راجحة على الطريق المرفوعة أو الموصولة، خلافا لمن زعم ذلك. وللأصوليين أقوال كثيرة في زيادات العدول، منها عدم القبول مطلقا، ومنها عدم القبول إن علم اتحاد المجلس، ومنها التعارض إذا غيرت الزيادة الإعراب، إلى غير ذلك من الأقوال. وأشار إلى بعضها في المراقب. قوله: والرفع والوصل، وزيادة اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ، إن أمكن الذهول عنها عادة، وإلا فلا قبول للزيادة. وقيل: لا إن اتحد المجلس، والوفق في غير الذي مرسوما. والأظهر في هذا أنه يقال في الرفع والوصل ما قيل في قبول رواية الثقة، فينظر إلى الأحفظ والأكثر والأضبط، فإن كان الذين رفعوا هم الأحفظ والأضبط والأكثر، قبل رفع الحديث، وإن كان العكس، أخذ بقول من أوقف. وهكذا أيضا في الوصل والإرسال، ينظر إلى الأكثر والأحفظ والأضبط، وترجح روايته. هذا الذي عليه العمل عند أهل الحديث. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، وتجوز رواية الحديث بالمعنى للعالم المميز بين المحتمل وغير المحتمل، والظاهر والأظهر، والعام والأعم، عند الجمهور، فيبدل لفظا مكان لفظ فيما لا تختلف الناس فيه، كالألفاظ المترادفة، مثل القعود والجلوس، والصب والإراقة، والحضر والتحريم، إلى آخره. خلاصة ما ذكره رحمه الله في هذا الفصل أن نقل الحديث بالمعنى جائز عند الجمهور بشروط، وأن بعض أصحاب الحديث قال بمنعه مطلقا، وأنه لا بد من أداء الحديث بنفس اللفظ لا بمعناه. والصحيح أنه يجوز نقل الحديث بالمعنى عند الجمهور بشروط. وشروط جوازه عند من أجازه: الأول منها أن يكون ناقل الحديث بالمعنى عالما باللسان العربي، لا تخفى عليه النكتة الدقيقة التي يحصل بها الفرق الخفي بين معاني الألفاظ، عارفا بالمحتمل وغيره، والظاهر والأظهر، والعام والأعم، ونحو ذلك، يعني مما تختلف فيه الألفاظ، فتختلف به المعاني، فيكون عالما بما تحيله المعاني، أي تغيره من الألفاظ. الثاني أن يكون جازما يقينا بمعنى الحديث، لا إن كان فهمه للمعنى بنوع استنباط واستدلال يختلف فيه، أو يظن لعدم وضوح الدلالة، خلافا لمن زعم الاكتفاء بالظن الغالب. هذا واضح أن يكون جازما بمعنى الحديث، لا يكون مجرد استنباط قد يصيب، قد يخطئ فيه. الثالث أن لا يكون اللفظ الذي نقل به الراوي معنى الحديث أخفى من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أظهر. أما منع نقله بما هو أخفى منه فواضح، وأما منعه بما هو أظهر منه، فقد علله المؤلف بأن الشارع ربما قصد إيصال الحكم باللفظ الجلي تارة، وبالخفي أخرى. والمعروف عند أهل الأصول تعليله بأن الظهور من المرجحات عند التعارض، فقد يتعارض مع الحديث الذي رواه الراوي بأظهر من معناه حديث آخر، فيرجحه المجتهد عليه بالظهور، ظنا أن اللفظ لله صلى الله عليه وسلم، والواقع أن موجب الترجيح من تصرف الراوي، لا من النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه العلة ظاهرة، كما ترى، تمنع من وقوع ذلك، فلا يكون اللفظ الذي نقل به الراوي مع الحديث أخفى من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أظهر، يعني يكون مساويا. قال: وحجج جواز نقله بالمعنى المذكور في هذا الفصل منها الإجماع على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال كلمة عربية بكلمة أعجمية، فإبدالها بكلمة عربية أولى. يعني إذا جاز شرح الكلام العربي للعجم بلسانهم، يعني بالكلام الأعجمي، يشرح لهم بلغتهم حتى يفهم المعنى والمقصود، فإذا جاز ذلك بلغة أعجمية، فجوازه باللغة العربية أولى، باب أولى، يعني إبدال اللفظ بلفظ آخر يؤدي المعنى الذي في هذا اللفظ. قال: ومنها أن سفراء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يبلغون أوامره بلغتهم، يعني بلغة القوم الذين يرسلهم إليهم، ويأمرونهم بالإسلام، فيذكرون لهم المعنى بلغتهم. قال: ومنها أن الخطبة المتحدة والوقائع المتحدة رواها الصحابة بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد، يعني وقعة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواها الصحابة، تجد أن هناك بعض الاختلاف في بعض الألفاظ، لكن معناها واحد، مؤداها واحد، فهذا يدل على جواز رواية الحديث بالمعنى. قال: ومنها أن من سمع شاهدا يشهد بالعجمية، جاز أن يشهد على شهادته بالعربية، والشهادة آكد من الرواية، يعني إذا جاز ذلك في الشهادة، ففي الرواية من باب أولى؛ لأن الشهادة آكد أن يؤتى بها على وجهها، الشهادة لابد فيها من العلم، وأن يؤتى بها كما هي، فإذا جاز أن يؤتى بما دل عليها بنفس المعنى بلفظ آخر، فجواز ذلك في الرواية من باب أولى. قال: ومنها أن الرواية بالمعنى عن غيره صلى الله عليه وسلم جائزة، فكذلك الرواية عنه، بجامع حرمة الكذب فيهما معا. هذا من باب القياس، رواية المعنى عن غيره عليه الصلاة والسلام، يعني من البشر، جائزة، إذا قال إنسان قولا، ثم ذكرت معنى هذا القول بلفظ آخر يؤدي هذا المعنى، فإذا جاز ذلك، فإنه يجوز في كلام النبي عليه الصلاة والسلام. والجامع هو حرمة الكذب، الكذب حرام على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى غيره، وإن كان على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم إثما، لكن إذا أدى المعنى المقصود من هذا اللفظ بلفظ آخر، كان ذلك جائزا. قال: وحجة من قال بالمنع في هذا الفصل حديث: «نظر الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها». هذا هو خلاص ما ذكره في هذا الفصل. قال مقيد - عفا الله عنه -: التحقيق في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز نقل الحديث بالمعنى بالشروط المتقدمة؛ لأنه غير متعبد بلفظه، والمقصود منه المعنى، فإذا أدى المعنى على حقيقته، كفى ذلك دون اللفظ. ومن أتى بالمعنى بتمامه، فقد أداه كما سمعه، فيدخل في قوله: «فأداها كما سمعها». ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي صُحُفِ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ والذي في تلك الصحف إنما هو معنى ما ذكر، لا لفظه. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، يعني إخبار الله سبحانه وتعالى عن أشياء وقعت، ومحادثات حصلت، ومع ذلك يؤتى ربما بمعناها، تحكى عن طريق المعنى. قال: فإن قيل: ما الجواب عن حديث البراء بن عازب المشهور الصحيح؟ ومحل الشاهد منه أن البراء سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن جملته: «آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت»، فقال البراء: «ورسولك الذي أرسلت»، فأبدل لفظ النبي بلفظ الرسول، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت»، فأنكر عليه إبدال لفظ النبي بلفظ الرسول. وهذا يدل على منع نقل الحديث بالمعنى. هكذا احتج بعضهم على ذلك، على المنع، بنقل الحديث بالمعنى بهذا الحديث؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه حين قال: «ورسولك الذي أرسلت»، قال: «قل: ونبيك الذي أرسلت». قال: قلنا: قد أجيب عن هذا بأجوبة متعددة، ذكر الحافظ رحمه الله منها جملة في الفتح: من أن ألفاظ الأذكار توقيفية، فيوقف عليها كما وردت، لا يغير فيها شيء من ألفاظها. ومن أن أوحي إليه بهذا اللفظ، فرأى أن يوقف عنده. وهذا فيه معنى الأول، أنه توقيف. وقيل: احترازا ممن أرسل من غير نبوة، احترازا ممن أرسل من غير نبوة، كجبريل وغيره من الملائكة. قال: والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أن وجه إنكار النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور لكونه تفاوت معنى الكلمتين. فإنك لو قلت: «ورسولك الذي أرسلت»، كان قولك: «الذي أرسلت» لا حاجة له مع قولك: «ورسولك»، لأنه معلوم أن الرسول مرسل، فما هو الحاجة والداعي أن تقول: «ورسولك الذي أرسلت»؟ فهو تكرار ظاهر، وتأكيد لا حاجة إليه. بخلاف لفظ النبي، فإن النبي قد يكون غير مرسل، فصرح بأنه مرسل، فيكون قوله: «الذي أرسلت» تأسيسا لا تأكيدا. ومعلوم أن التأكيد لا يساوي التأسيس. قال: تنبيهات: الأول، حكى قوم الإجماع على جواز نقل الحديث بالمعنى في الترجمة، أعني إبدال اللفظ العربي بلفظ أعجمي؛ لإفهام أهل ذلك اللسان الأعجمي. وحكى قوم الإجماع أيضا على إبدال لفظ بمرادفه، إبدال لفظ بمرادفه، الألفاظ المترادفة، يعني التي تؤدي نفس المعنى، يختلف اللفظ والمعنى واحد، مثل قعدة وجلس، يقال: هذه ألفاظ مترادفة. وإن كان هناك يعني بعض قد يفرق بفرق دقيقة، لكن في الجملة هي تؤدي معنى واحد. قال: وأدخل ذلك في الخلاف قوم آخرون. والفرق بين إبدال اللفظ بمرادفه وبين مسألة نقل الحديث بالمعنى: أن إبدال اللفظ بمرادفه لا بد فيه من بقاء التركيب الأول على حالته، من غير تقديم ولا تأخير، ولا إبدال فعل باسم، مثلا، ولا عكسه. فلو فرضنا مثلا أن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد: «أريق على بوله سجلا من ماء»، فقال الراوي: «أريق على بوله دلوا ملأ أو ذنوبا من ماء»، فهذا إبدال لفظ بمرادفه؛ لأنه لم يغير فيه شيئا من تركيب الكلام، يعني من حيث الإعراب، أو إبدال الاسم بفعل. قال: التنبيه الثاني: اعلم أن الخلاف في جواز نقل الحديث بالمعنى إنما هو في غير المتعبد بلفظه، أما ما تعبد بلفظه، كالأذان والإقامة والتشهد والتكبير في الصلاة، ونحو ذلك، فلا يجوز نقله بالمعنى؛ لأنه متعبد بلفظه. قال: التنبيه الثالث: اختلف أهل العلم في الاحتجاج بألفاظ الحديث على مسائل اللغة العربية. فقال قوم: لا يجوز ذلك؛ لأن الغالب الرواية بالمعنى دون اللفظ، وكثير من الرواة الذين يروون بالمعنى لا يحتج بهم في اللغة؛ لأن أصلهم عجم، أو عرب لا يحتج بقولهم. واستدل لهذا بكثرة اختلاف ألفاظ الرواة في الواقعة الواحدة؛ إذ ليس كل تلك الألفاظ المختلفة من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم. وممن قال بهذا القول الدماميني، زاعما أن علماء عصره كالبلقيني، ومن خلدون وغيرهم، فوافقوه في ذلك، كما ذكره العبادي في الآيات البينات عن شهاب الدين عميرة. قال مقيد - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي في هذه المسألة - والله أعلم - هو التفصيل فيها. فما غلب على الظن أنه من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، كبعض الأحاديث التي اتفق فيها جميع الرواة، أو معظمهم على لفظ واحد، فإنه حجة في اللفظ. وما غلب على الظن أنه من لفظ الراوي بالمعنى، لا يحتج بقوله في العربية. قال: وأشار صاحب المراقب إلى ما في هذه المسألة من الأقوال بقوله: «والنقل للحديث بالمعنى منع، ومالك عنه الجواز قد سمع، لعارف يفهم معناه جزم، وغالب الظن لدى البعض حتم، والاستوى في الخفاء والجلي لدى المجوزين حتما حصل، وبعضهم منع في القصار، دون التي تطول، للطرار، منع في القصار، يعني قصار الأحاديث، فلابد أن ينقلها بلفظها. وأما الطويلة، فلا بأس بالتصرف فيها، يعني أن يذكرها بالمعنى، للمشقة في نقلها بلفظها». قال: «وبالمراد يجوز قطع، وبعضهم يحكون فيه المنع، وجوزت وفقا بلفظ عجمي، ونحوه الإبدال للمترجمي». صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.