الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 39، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ المؤلف بتوضيح كيفية الرواية عن غير النبي صلى الله عليه وسلم، مشيراً إلى وجود أربع مراتب رئيسية للرواية. يتناول تفاصيل كل مرتبة وأحكامها.
يتناول المؤلف مراتب الإجازة في الرواية، ويصنفها إلى أربعة أنواع، ويستعرض آراء العلماء حول جواز الرواية بالإجازة، حيث أجازها الجمهور بينما منعتها بعض الطوائف.
يناقش المؤلف ترتيب مراتب الرواية وطرقها، مشيراً إلى أن المناولة مع اللفظ أقوى من اللفظ وحده، ويشرح شروط الرواية بالإجازة والمناولة والوجادة.
يناقش المقطع آراء المذاهب الفقهية حول رتبة السماع والمناولة، حيث يذكر اتفاق أبي حنيفة والشافعي وأحمد على أن المناولة دون السماع في الرتبة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: فصل في كيفية الرواية، وهي على أربع مراتب إلى آخره. قال: خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن كيفية الرواية، يعني الرواية عن غير النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل ما تقدم، على أربع مراتب. الأولى، وهي أعلاها عند المؤلف، قراءة الشيخ عليه في معرض الإخبار ليروي عنه، يعني يقرأ الشيخ على التلميذ، قال ذلك يسوغ للراوي أن يقول: حدثني، وأخبرني، وسمعته يقول، وقال كذا، ونحو ذلك من صيغ الأداء. هذه أعلى المراتب عند المؤلف: قراءة الشيخ على التلميذ، فيقول: حدثني، أو أخبرني، أو سمعت قال. ونرتب الثاني أن يقرأ على الشيخ، أي تلميذ يقرأ على شيخه، فيقول: نعم، أو يسكت، فتجوز الرواية به، خلافا لبعض أهل الظاهر القائل بأنه لا بد من إقرار الشيخ نطقا، ولا يكفي سكوته، لأن الساكت لا ينسب إليه قول عندهم. واستدلوا أيضا بظاهر قوله تعالى: ﴿قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري﴾ الآية، يعني قوله: ﴿قالوا أقررنا﴾. والجمهور على قبول الرواية ولو سكت، لأن عدالته تمنعه من أن يسكت ما علمه بعدم صحة ما يقرأ عليه، ما لم تكن هناك مخيلة إكراه، أو غفلة، ونحو ذلك، فلا يكتفى بسكوته. وهذا هو الصحيح، أنه إذا قرأ عليه وهو يسمع، فحينئذ معناه مقر لما يسمع من مروياته. قالوا: هذه المرتبة الثانية تستسوغ للراوي أن يقول: أنبأنا، وحدثنا فلان، قراءة عليه. وهل يجوز الاقتصار على: حدثنا فلان، دون ذكر قراءة عليه؟ فيه روايتان: أحدهما يجوز ذلك، وعزاه المؤلف لأكثر الفقهاء، والأخرى لا يجوز ذلك، كما لا يجوز: سمعت من فلان في ذلك، يعني كما أنه لا يجوز أن يقول: سمعت، وهو ما سمع منه، إنما قرأ عليه. كذلك قوله: حدثنا مطلقا، يعني غير تقييد قراءة عليه. وهذا لعله أقرب، والله أعلم، لأنه لم يخبره، ولم يعني لم يحدثه، أو يسمع منه، وإنما قرأ عليه، وهو أقر بما سمع من ما قرأ عليه من مروياته. فإذا قال: حدثنا، أو أخبرنا، فيكون مقيدا بالقراءة. قال: هل يجوز للراوي أن يبدل قول شيخه حدثنا بأخبارنا، أو عكسه؟ فيه روايتان أيضا بالجواز والمنع. ووجه القول بجواز ذلك اتحاد اللفظين في المعنى لغة. ووجه المنع من ذلك اختلاف مقتضى اللفظين عند المحدثين، لأنهم يخصون حدثنا بما سمع من لفظ الشيخ، وأخبرنا يصبح عندهم ذلك أيضا. ولما قرأ على الشيخ فأقر به، فالإخبار عندهم أعم من التحديث. وعلى هذا التفريق، فلا يطلق أخبرنا على حدثنا، لأن حدثنا عندهم خاص بالسماع من الشيخ، بخلاف الإخبار: أخبرنا، فيكون بما قرأ به الشيخ على التلميذ، أو بما قرأ عليه بما قرأ عليه الشيخ، وهو يسمع. قال: المرتبة الثالثة الإجازة، وهي أربعة أنواع. الأول: الإجازة لمعين في معين، فقوله: أجزت لك، أو لكم، أن تروي، أو تروي عني الكتاب الفلاني. إذا قال الشيخ لتلميذ مثلا: أجزت لك، يا محمد، أن تروي عني هذا الكتاب، هذه إجازة معين لمعين، إجازة معين، يعني الشخص معين لمعين، أي لشيء معين. وهذه أعلى مراتب الإجازة. والثاني: الإجازة لمعين في غير معين، كقوله: أجزت لك، أو لكم، أن تروي عني جميع مروياتي. هذه الآن إجازة لمعين، لكن في غير معين: لك، أو لكم، أن تروي عني جميع مروياتي، لم يعين كتابا بعينه. وهذه أجازة الجمهور. قال: الثالث: الإجازة لغير معين في معين، كأن يقول: أجزت للمسلمين أن يروي عني الكتاب الفلاني. هذه إجازة لغير معين في معين، أجزت للمسلمين، هذا غير معين، يعني مطلقة في معين: الكتاب الفلاني، كتاب معين. والرابع: الإجازة لغير معين في غير معين، وهذه أقل الأنواع رتبة، أجازة بعض المحدثين، كالإمام الخطيب، والطبري، ومن منده الرابعة، قال: كان يقول: أجزت للمسلمين أن يروي عني جميع مروياتي. قال: وجمور أهل العلم على جواز الرواية والعمل بالإجازة، واستقر عليه عمل عامة أهل العلم. وحكى الإجماع على ذلك أبو الوليد الباجي، وعياض من المالكية. ومنع الرواية بالإجازة والعمل بها جماعة من الطوائف، ممن روي عنه ذلك: شعبة من الحجاج، قائلا: لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة، يعني في طلب العلم، وإبراهيم الحربي، وأبو نصر الوائلي، وأبو الشيخ الأصبهاني. وممن قال بذلك من الفقهاء: القاضي حسين، والماوردي، وأبو بكر الخجندي الشافعي، وأبو طاهر الدباس الحنفي. وهذا هو إحدى الروايتين عن الشافعي، وحكاه الآمدي عن أبي حنيفة، وبيوسف. ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك. وقال ابن حزم: أنها بدعة غير جائزة. وفيها أقوال أخرى غير ما ذكرنا، بالتفصيل بين أنواع الإجازة، مذكورة في الأصول وعلوم الحديث. فالحق جواز الرواية بالإجازة، كما عليه الجمهور. وقال صاحب المراقي: وعمل بما عن الإجازة، روي إن صح سمعه، يظن قد قوي. قال: تنبيه، فإن قيل: ما الدليل على جواز الرواية والعمل بالإجازة؟ فالجواب أن بعض أهل العلم استدل لذلك بما يأتي. قال صاحب تدريب الراوي: قال ابن الصلاح: وفي الاحتجاج لتجويزها غموض. ويتجه أن يقال: إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته، فقد أخبره بها جملة، كما لو أخبره بها تفصيلا. وإخباره بها غير متوقف على التصريح قطعا، كما في القراءة. وإنما الغرض حصول الإفهام والفهم، وذلك حاصل بالإجازة. وقال الخطيب: الكفاية، احتج بعض أهل العلم جوازها بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب سورة براءة في صحيفة، ودفعها لأبي بكر، ثم بعث عليا من أبي طلال، فأخذها منه، ولم يقرأها عليه، ولا هو أيضا حتى وصل إلى مكة، ففتحها وقرأها على الناس. فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز له أن يروي عنه ما في تلك الصحيفة من غير سماع منه. والحديث الصحيح، فيكون هذا فيه معنى الإجازة. قال: المرتبة الرابعة: المناولة، قال: وهي أن يناوله كتابا، ويقول له: يروي عني ما فيه، فهو كالإجازة. لأن مجرد المناولة دون اللفظ لا يكفي، واللفظ وحده يكفي. وكلاهما تجوز الرواية به. لأن مجرد المناولة دون اللفظ لا يكفي، يعني إذا ناوله الكتاب، ولم يقل له: اروي عني. قال: واللفظ وحده يكفي، لو قال: اروي عني الكتاب، ولم يناوله إياه، كفى. فإذا اجتمعا: الكتاب مع المناولة، مع الإجازة له، تكون حينئذ أقوى. قال: وكلاهما تجوز الرواية به، فيقول: حدثني إجازة، أو أخبرني إجازة. فإن لم يقل: إجازة، لم يجوز، على الصحيح من القولين، وهو قول الجمهور. في المناولة لا بد أن يقيد التحديث والإخبار بالإجازة. قال: فإن قال: هذا الكتاب سماعي، ولم يأذن في روايته عنه، فلا تجوز الرواية بذلك، لأنه يمكن أن لا يجيز رواية عنه لخلل يعلمه فيه. وكذلك لو قال: عندي شهادة، لا يشهد بها ما لم يقل: أذنت لك أن تشهد على شهادتي. وكذا لو وجد شيئا بخطه، لا يرويه عنه، لكن يجوز له أن يقول: وجدت بخط فلان كذا وكذا. وهذا ما يسميه علماء بالوجادة، إذا وجد كتابا فيحدث به، لكن بشرط أن يتيقن أن هذا خط فلان، فيقول: وجدت بخط فلان، أو أخبرني وجادة مثلا. ولولا يقول: وجدت في خط فلان، أو قال فلان في كتابه. قال: وكذا إن قال العدل: هذه نسخة من صحيح البخاري، أو مسلم مثلا، فليس له أن يرويه عنه ما لم يأذن. وهل يلزمه العمل به؟ فيه خلاف، يعني العمل بما في هذا الكتاب. قال: فيه خلاف. وأظهره لزوم العمل به، أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحملون صحف الصدقات إلى البلاد، وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حامليها بصحتها، دون أن يسمعها كل واحد منهم. فإن ذلك يفيد سكون النفس وغلبة الظن، يعني بصحتها وثبوتها. وإلى ذلك أشار في المراقب، قوله: والخلف في أعلامه المجرد، وأعملا منه صحيح السند. قال: هذا وخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث، مع زيادات إضاح، واستدلال، واستظهار. وهذا الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله من ترتيب هذه المراتب الأربعة المذكورة قول بعض أهل العلم. وفيه أقوال أخرى غير ما هذا، منها أن المناولة والسماع والعرض، الذي هو القراءة على الشيخ، فيقول: نعم، في مرتبة واحدة. على فرق بين المناولة والسماع والعرض. وأن الإجازة المجردة عن المناولة مرتبة ثانية دونها، يعني أقل من المناولة إذا ناوله وأجاز له أن يروي عنه. هذه أرفع من أن يقول: أجازت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو تروي عني مروياتي، هذه أدنى. قال: مرتبة ثانية دونها. وهذا والمشهور عند المالكية، وعليه درجة في مراق السعود، بقوله: للعرض والسماع والإذن استوى، متى على النوال ذا الإذن احتوى. ومراده بالإذن الإجازة، وبالنوال المناولة، يعني أن الإجازة المجتمعة على المناولة في مرتبة السماع، في مرتبة السماع، كان سماعه من الشيخ، والعرض، يعني قرأ عليه. وكون المناولة المذكورة تساوي السماع، هو ما ذهب إليه الشهاب، وربيع، ومالك، وخلق كثير. قال: في نشر البنود: وكونها دون السماع هو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والصحاح النووي، قاله في نشر البنود أيضا، يعني جمهور على أنها دون السماع، وأن السماع أرفع، والمناولة أقل دونها في الرتبة. وهذا أظهر، والله أعلم، أنها دونها في الرتبة. طيبت إن شاء الله. لعنى صلى الله ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.