التعليق على مذكرة أصول الفقه 59

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 59، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في أدلة وجوب العمل بالقياس

المقطع الأول يشرح أدلة وجوب العمل بالقياس في الفقه الإسلامي، ويستعرض أربعة أدلة رئيسية على وجوب القياس. يبدأ المقطع بعبارة 'أدلة وجوب العمل بالقياس'.

استدلال العلماء على جواز الاجتهاد والقياس

المقطع الثاني يستدل على جواز الاجتهاد والقياس من خلال أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم، ويستشهد ببعض الأحاديث. يبدأ المقطع بعبارة 'استدلال بعض العلماء'.

أدلة إثبات القياس من خلال القصص النبوية

المقطع الثالث يناقش أدلة إثبات القياس من خلال استعراض قصص ومواقف نبوية، مثل قصة معاذ بن جبل. يبدأ المقطع بعبارة 'المقطع يناقش أدلة'.

أدلة شرعية إضافية على القياس من القرآن الكريم

المقطع الرابع يشير إلى استخدام القياس في استنتاج الأحكام الشرعية، ويستدل على ذلك بوجود أمثلة في القرآن الكريم. يبدأ المقطع بعبارة 'المقطع يشير إلى'.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال اليوم الشقيق رحمه الله في كتابه مذكرة في أصول الفقه: قال وذكر المؤلف أدلة الوجوب لوجوب العمل بالقياس منها أولاً: إن عدم العمل به يفضي إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام، لقلة النصوص وكون الصور لا نهاية لها. يعني القول بعدم مشروعية القياس ستخل كثير من الحوادث من أحكام؛ لأن ما من زمن إلا وتأتي فيه حوادث ويقع فيه مسائل تجدد تحتاج إلى حكم، فلابد أن يقاس هذه المسائل وهذه الحوادث بما يماثلها ويشابهها مما ورد في الشريعة، فتلحق بها وتأخذ أحكامها، وهذا هو القياس. مثلاً جاءت الشريعة بتحريم الخمر، وظهرت بعد ذلك في الأزمنة التي بعد زمن النبوة وزمن الصحابة في الأزمنة القريبة ما يسمى بالمشروبات الروحية، ما حكمها؟ فينظر فيها، إذا كانت تسكر وتزيل العقل ألحقت بالخمر وأخذت حكمها، وهذا هو القياس. وهكذا غيرها من المسائل والصور. قال ثانياً منها: أن العقل يدرك حكم العلل الشرعية، إذ مناسبتها للحكم عقلية مصلحية يدرك العقل طلب تحصيلها وورود الشرع بها. يعني يقول: إن العقل يدرك حكم العلل أو حكم العلل الشرعية؛ يعني الأحكام التي عللها الشرع بعلل، فالعقل يدرك هذه العلل، إذا وجدت هذه العلل في غير هذه الأحكام ألحقت بها وأخذت أحكامها، والعقل يدرك ذلك. والمقصود من ذلك هو حصول المصلحة التي يراد تحصيلها مما ورد الشرع في الحكم بتلك الأحكام التي عللت بعلل هي إما لمصلحة حصول نفع أو دفع ضرر، فكذلك يقال في غيرها من الأحكام والصور والمسائل التي تقع وعرفت علتها، فإنها تلحق بما كان مثلها. قال ثالثاً منها: أننا نستفيد بالقياس ظنًا غالبًا، والعمل بالظن الراجح متعين. نعم، إن لم يحصل اليقين، فإننا أقل شيء أن نتحصل على غلبة ظن الراجح، والعمل بالظن الراجح أو غالب الظن معمول به في الشريعة. قال رابعًا منها: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على الحكم بالرأي في الوقائع الخالية من النص، كقياسهم العهد على العقد في الإمامة العظمى. هذا في الحقيقة ليس يعني بمجرد الرأي، بل هو مستند إلى نص؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام عهد بالإمامة والخلافة إلى أبي بكر. أما في الصلاة مثلاً عهد إليه بالإمامة نصًا، قال: «إن لم يقل أميرًا أبا بكر فليصل بالناس». فكون عهد إليه بالإمامة الصورة فيه إشارة إلى أنه هو الأهل لخلافة العظمى. قال: وكاجتهادهم في مسألة الجد والإخوة، وتمثيلهم في ذلك بالغصنين والخليجين كما هو مذكور في كتب الفرائض. قالوا: كقولهم في المشركة أيضًا؛ يعني في تشريك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم عند وجود الزوج وإخوة لأم وإخوة أشقاء؛ فالزوج هنا يأخذ النصف، والأم تأخذ السدس، والإخوة لأم يأخذون الثلث، وحينئذ تنتهي التركة ولا يبقى للأشقاء شيء. فاجتهد بعض الصحابة -كما هو مشهور عن عمر- أنه شركة الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم؛ قال: لكونهم يتفقون ويشتركون في الأم، قال: إذن يشتركون في الثلث. سمى هذه المسألة بالمشركة، وكان الصواب فيها أن الإخوة الأشقاء يسقطون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألحق الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر». قالوا: كقول أبي بكر رضي الله عنه في الكلالة: أقول فيها برأيي. والكلالة هو: إذا مات الميت وليس له أصل ولا فرع. قالوا: كقول عمر رحمه الله لأبي موسى الأشعري: اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور برأيك. والأثر الصحيح ومشهور. قالوا: كقولهم في السكران: إذا سكر هذا وإذا هذا افترى، فحذوه حد الفرية؛ يعني حد القذف. قال: قول معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه يجتهد حيث لا كتاب ولا سنة، فصوبه النبي صلى الله عليه وسلم. يعني لما قال له: كيف تحكم؟ قال: أنظر في كتاب الله، فإن لم أجد في سنة رسول الله، فإن لم أجد قال: فأجتهد رأيي ولا آل. فضرب النبي في صدره، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله. لكن هذا الأثر أو الحديث ضعيف جدًا؛ معاذ هذا ضعيف لا يصح وإن كان معنى صحيح. قالوا: أمثال هذا كثيرة جدًا، إن لم تتواتر أحدها حصل بمجموعها العلم الضروري أنهم كانوا يجتهدون فيما لا نص فيه، ومن ذلك ما يتعلق بالقياس وإلحاق الأشياء الشبيه بما يشبهها ويماثلها. قال خامسًا: وقد استدل على إثبات القياس بقوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾. فالتبصر في العلل له علاقة للوصول إلى الأحكام. قال: وحقيقة الاعتبار مقايسة الشيء بغيره؛ مقايسة الشيء بغيره كقولهم: اعتبر الدينار بالصنجة. نعم، هنا الاعتبار بمعنى الفحص؛ افحص الدينار بالصنجة، والصنجة يعني شيء يوضع في الميزان في كف الميزان. وهذا الاعتبار هو القياس؛ يعني أخذ هذا المعنى ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ بمعنى المقايسة؛ مقايسة الأشياء بعضها ببعض، وإلحاق المثيل بمثيله. قال سادسًا: وقوله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله». الأثر هذا كلنا ما سمعنا ضعيف لا يصح، لكن معناه صحيح؛ فالاجتهاد في الجملة مما جاءت الشريعة بتقريره من قول النبي صلى الله عليه وسلم ومن إقراره. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «لذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجره». الحمد لله؛ حديث عمرو بن العاص في الصحيحين. وهذا يعني مما يدل من قول النبي صلى الله عليه وسلم على صحة الاجتهاد، ومن الاجتهاد القياس؛ القياس إلحاق النظير بنظيره والمثيل بمثيله، هذا من الاجتهاد. ومن إقراره بقصة بني قريضة، ما قالوا: «سلّم لا تصلِّ العصر إلا في بني قريضة»، فصلى بعضهم في الطريق وبعضهم صلى في بني قريضة، فأقر الجميع ولم ينكر على من صلى في الطريق ومن صلى حتى وصل إلى بني قريضة. قال ثامنًا: قوله صلى الله عليه وسلم: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه؟» قالت: نعم. «أرأيت إذا لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه؟» قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى». فهو تنبيه على قياس دين الله على دين المخلوق. وهذا هو قياس؛ إذا كان سداد دين الإنسان -دين أبيه- ينفعه ذلك، فكذلك القيام بالوفاء بدين الله جل وعلا في ذمة الميت؛ فإنه أحق أن يوفى به. قال تاسعًا: أن قوله صلى الله عليه وسلم لعمر حين سأله عن القبلة للصائم: «أرأيت لو تمضمض؟» فهو قياس للقبلة على المضمضة بجامع أن الكل مقدمة الفطر. وأمثال هذا كثيرة جدًا، وهذا حيث حسنه بعض أهل العلم؛ يعني سؤاله النبي صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم، قال: «رأيت لو تمضمض»؛ يعني هل يضرك ذلك؟ هل يبطل الصيام؟ فوضع الماء في الفم هو مقدمة للفطر؛ لأنه هل يحصل به الفطر؟ الجماع وكذا القبلة هو مقدمة للجماع، لكن ليس بجماع، فليس يحصل به الفطر. قال تنبيه: هذه الأدلة ذكر المؤلف منها ما هو أعم من محل النزاع؛ لأن مطلق الاجتهاد أعم من القياس؛ لأن القياس نوع من أنواع الاجتهاد وليس كل الاجتهاد. فالاجتهاد يشمل القياس وغيره. قال: ومنها ما يدل على محل النزاع؛ فقصة معاذ؛ فإنه صرح فيها بأن اجتهاده فيما لا نص فيه، وذلك إنما يكون بالإلحاق بالمنصوص؛ يعني إلحاق غير المنصوص بما نص عليه. قال: وكحديث الدين والمضمضة؛ يعني هذا فيها معنى القياس. قال: ومن أصلح الأدلة على إثبات القياس ما ثبت في الصحيحين من قصة الذي ولد له ولد أسود يخالف لونه لون أمه وأبيه، فقاسه صلى الله عليه وسلم على أولاد الإبل الحمر؛ يكون فيها الأورق. وقال فيه عليه الصلاة والسلام: «فلعله نزعه عرق». والقصة صحيحة مشهورة؛ الحديث في الصحيحين أن رجلاً ولد له ولد أسود، وكان أبوه وأمه بيضًا، فكأنه جاء يسأل عن هذا الولد كيف جاء أسود وأصوله بيض؟ فقال له: «نسألك عن إبلك؟» قال: نعم. قال: «ما ألوانها؟» قال: حمر حمراء. قال: «هل فيها من أورق؟» الأورق يعني الذي فيه سواد يخالف شيء من البيض يميل اللون إلى الرصاصي. قال: «هل فيها من أورق؟» قال: نعم. قال: «من أين أتاه ذلك؟» يعني إذا كانت الإبل كل أصولها حمراء من أين جاء هذا الأورق؟ قال: «لعله نزعه عرق»؛ يعني أحد الأجداد كان كذلك. فقال: «نعم» سلم. وهذا لعله نزعه عرق؛ يعني أحد الأجداد كان كذلك. فوجد ومحتجًا وجد أن أحد الأجداد كان كذلك. وهذا قياس؛ نعم سلم نصدق هذا الولد بوجود الأورق من بين الإبل الحمر. وكما ذكر ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: أن كل مثال ضربه الله عز وجل في القرآن فهو يدل على القياس.