الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 58، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الدرس بتعريف القياس في اللغة والشرع وأركانه الأساسية. يُعرَّف القياس في اللغة بالتقدير، وفي الشرع بحمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما، وأركانه هي الأصل والفرع والعلة والحكم.
يتناول هذا الفصل شرح تحقيق المناط بتنوعيه، وتنقيح المناط بتهذيب العلة وتصفيتها من الأوصاف غير الصالحة للتعليل، مما يسهم في فهم أعمق للتطبيقات الفقهية.
يناقش هذا الجزء مفهوم القياس وتطبيقاته، مع التركيز على آراء العلماء في جواز التعبد بالقياس شرعًا وعقلًا، والرد على المعارضين له مثل أهل الظاهر والمعتزلة.
يختتم الدرس بالدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معتبرًا هذا العمل من الأعمال الصالحة والمستحبة في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه "الموافقات في أصول الفقه"، باب القياس. قال القياس في اللغة التقدير، ومنه قسط الثوب بالذراع إذا قدرته به، أو قسط الجراحة إذا جعلت الميل فيها لتعرف غورها. هذا الباب الآن، باب القياس، سيتكلم المؤلف رحمه الله على الدليل الرابع من الأدلة الشرعية، بعد أن تكلم على الكتاب والسنة والإجماع، سيتكلم هنا على القياس، وذكر الدليل على حجيته، وذكر أقسامه ومسائله. فذكر هنا أولا تعريف القياس في اللغة، فقال: هو التقدير، ومنه قسط الثوب بالذراع إذا قدرته به، تقول: قسط الثوب بالذراع، يعني قدرته به، أو قسط الجراحة إذا جعلت الميل فيها لتعرف غورها. ولو قال: التقدير وزيادة، فهو أكمل، لأنه لا تقول: قدرت الجراحة بالميل، قدرت الجراحة بالميل، معناه التقدير من معاني القياس، وتقول: قسط الجراحة بالميل إذا بينهما فرق بينهما شيء من الفرق، فلهذا تقول: القياس في اللغة التقدير وزيادة. قال: هو في الشرع حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما. قالوا: المراد بالحمل هنا الإلحاق، وهذا تعريف القياس الجلي، يعني إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما. قال: فالمراد بالحمل هنا الإلحاق، يعني إلحاق فرع على أصل. قال: فالفرع كالأرز، والأصل كالبر، والحكم كتحريم الربا، والجامع كالكيل، يعني العلة الجامعة هو الكيل. هذا كمثال، يعني البر ورد ذكره في حديث عبادة بن الصامت وغيره في ذكره أنه من أصناف الربوية التي تجري فيه الربا، البر بالبر ربا. وقال: السلام البر بالبر طيب. البر الآن أصل، إذا أردنا أن نقيس الأرز عليه في جريان الربا، فنقول: الأرز فرع، والبر أصل، نلحق الأرز بالبر في حكم جريان الربا بعلة، ما هي العلة الجامعة؟ قال: هو المكيل، كون البر مكيلا، وهكذا الأرز مكيلا، إذن نلحق الأرز بالبر في جريان الربا، فيأخذ حكم البر. قال: ولابد لكل قياس من أصل وفرع وعلة وحكم، وهي تسمى أركان القياس كما سيأتي. قال: كما سيأتي إضاحه إن شاء الله تعالى في أركان القياس. قال: واعلم أن العلة هي مناط الحكم، يعني تعلق الحكم، ولهذا في القاعدة الشرعية يقولون: الحكم يدور مع علته ثبوتا وعدما، فما دار الحكم على العلة، إن وجدت وجد الحكم، وإن انتفت انتفى الحكم. قال: لأنها مكان نوطه، أي تعليقه، وسميت علة لأنها أثرت في المحل كعلة المريض. قال: والاجتهاد في العلة على ثلاثة أضرب: تحقيق المناط، وتنقيحه، وتخريجه. الاجتهاد في العلة يعني إذا أردت الآن أن تلحق فرع بأصل في علة، لابد من تحقيق هذه الثلاثة الأمور في العلة: تحقيقها، وتنقيحها، وتخريجها. قال: وقد علمت أن المناط هو العلة، فمعنى تحقيق المناط تحقيق العلة في الفرع، يعني وجودها في الفرع وجودها في الأصل. قال: وهو نوعان: الأول مجمع عليه في كل الشرائع، وهو أن تكون القاعدة الكلية منصوصة أو متفق عليها، فيجتهد في تحقيقها في الفرع. قال: كوجوب المثل من النعم في جزاء الصيد، يعني يتحقق وجود المثلية في جزاء الصيد كوجودها في هذا الصيد. قال: وكوجوب نفقة الزوجة، فيجتهد في البقرة مثلا بأنها مثل الحمار الوحش، ويجتهد في القدر الكافي في نفقة الزوجة. فوجوب المثل والنفقة معلوم من النصوص، وكون البقرة مثلا وكون القدر المعين كافيا في النفقة علم بنوع الاجتهاد، وهو هذا القسم من تحقيق المناط. قال: ولا يخفى أن في عدّه من تحقيق المناط مسامحة، ولا مشاحة في الاصطلاح، يعني هذا باب التوسع، توسع في إطلاق على هذا تحقيق المناط. قال: نوع الثاني منهما ما عرف فيه علة الحكم بنص أو إجماع، فيحقق المجتهد وجود تلك العلة في الفرع، كالعلم بأن السرقة هي مناط القطع، فيحقق المجتهد وجودها في النباش لأخذه الكفنة من حرز مثله. قال: الضرب الثاني تنقيح المناط، إذا حققنا المناط نحتاج بعد ذلك إلى تنقيح المناط، أي تنقيح العلة. قال: والتنقيح في اللغة التهذيب والتصفية، فمعنى تنقيح المناط تهذيب العلة وتصفيتها بإلغاء ما لا يصلح للتعليل واعتبار الصالح له. قال: ومثاله قصة الأعرابي المجامع في نهاية رمضان، في بعض رواياتها أنه جاء يضرب صدره وينتف شعره ويقول: هلكت ووقعت أهلي في نهاية رمضان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعتق رقبة. فكون أعرابيا وكونه يضرب صدره وينتف شعره وكون الموطوءة زوجته مثلا، كلها أوصاف لا تصلح للعلية، يعني هل هي العلة في وجوب الكفارة؟ كونه أعرابي وكونه يلطم صدره وينتف شعره، هل هذه الأوصاف تصح أن تكون علة لهذا الحكم وهو الوجوب بإعتاق الرقبة إلى آخره؟ الجواب لا. قال: فتلغى تنقيحا للعلة، أي تصفية لها عند الاختلاط بما ليس بصالح، يعني هذه الأوصاف لا عبرة لها. كونه يقول أنه أعرابي جاء وأنه يضرب صدره وينتف شعره وأنه يقول هلكت إلى آخره، هذه كلها ليست ماذا؟ صالح لي علة هذا الحكم وهو الكفارة. إذن ما هي العلة؟ العلة هو الوقاع، كونه وقع على مراتي في نهار رمضان، هذه العلة التي أوجبت هذا الحكم وهو الكفارة. إذن ننقح هذه العلة فنزيل الأوصاف التي لا تصلح للتعليل بها، هذا يسمى تنقيح المناط. قال: وعلم أن تنقيح المناط تارة يكون بحذف بعض الأوصاف لأنها لا تصلح، وتارة بزيادة بعض الأوصاف لأنها صالحة للتعليل. وقد اجتمع مثالهما في قصة الأعرابي المذكورة. فقد نقح فيها المناط الشافعي وأحمد مرة واحدة، وهي تنقيحه بحذف الأوصاف كما قلنا. ونقحه مالك وأبو حنيفة مرتين، الأولى في هذه التي ذكرنا، والثانية هي تنقيحه بزيادة بعض الأوصاف، وهي أن مالك وأبا حنيفة ألغيا خصوص الوقاع، وأناط الحكم بانتهاك حرمة رمضان، فأوجب الكفارة في الأكل والشرب عمدا. فزاد الأكل والشرب على الوقاع تنقيحا للمناط بزيادة بعض الأوصاف، يعني جعلوا العلة ليس مجرد الجماع، بل انتهاك حرمة رمضان، فقالوا: كل من انتهك حرمة رمضان بالفطر متعمدا فعليه الكفارة. قال: والضرب الثالث تخريج المناط، تخريج المناط أي تخريج العلة. قال: وهي استخراج العلة بمسلك المناسبة والإلحاق بعينه، وسيأتي إن شاء الله في استنباط العلة بالمناسبة. قال: فصل في إثبات القياس على منكريه. قال: بعض أصحابنا يجوز التعبد بالقياس شرعا وعقلا، لقول أحمد رحمه الله: لا يستغني أحد عن القياس، وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين. قال: يجوز التعبد بالقياس شرعا وعقلا، شرعا أنه ثبت من جهة الشرع، ذكر ما يدل على ذلك، وعقلا أي أن العقل لا يمنع من ثبوت القياس وإلحاق النظير بنظيره والمثيل بمثيله فيأخذ حكمه. وقول الإمام أحمد رحمه الله: لا يستغني أحد عن القياس، لأن بعض الأحكام وبعض المسائل لا تجد لها نصا في كتاب ولا في سنة ولا إجماع، لكن يكون لها نظير ومثيل في الشرع، فتلحق هذه المسألة بما يماثلها. قال: وذهب أهل الظاهر والنظام -هم المعتزلة- إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلا ولا شرعا، لا يجوز التعبد به عقلا يعني من حيث إمكانية استعماله، ولا شرعا أي من جهة الشرع. قال: وأومى إليه أحمد رحمه الله فقال: يجتنب المتكلم في الفقه المجمل والقياس، وأراد بهذا الإمام أحمد رحمه الله الرد على من يتوسع في استعمال المجمل والقياس كأهل الرأي الذين يغلب عليهم استعمال القياس والقول بالرأي مع وجود النصوص، فيقعون في القياس الفاسد. قال: وحمله القاضي على قياس يخالف نصا، كما ذكرنا أن هذا يحمل على القياس الذي يخالف النص. قال: واعلم أولا أن ما ورد عن الصحابة من ذم الرأي والتحذير منه، يعني من القول بالرأي، وفي ذلك آثار كثيرة عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. قال: إنما يعنون به الرأي الفاسد، يعني الرأي المجرد عن الأدلة الذي لا يوافق النصوص، وإنما مجرد ماذا؟ رأي مجرد وهوى، وليس رأي مأخوذ من نصوص الكتاب والسنة. قال: كالقياس المخالف للنص، وهذا يعتبر من الرأي الفاسد، ويسمى قياس فاسد الاعتبار، أو المبني على الجهل أو على أمر ضعيف، لإجماعهم على العمل بالرأي والاجتهاد فيما لا نص فيه. فسلف عملوا بالرأي المستند إلى دليل، الرأي المستند إلى دليل عملوا به، ليس رأي مجرد، فهذا هوى، وهكذا أيضا في باب الاجتهاد فيما لا نص فيه، فإنهم عملوا في الاجتهاد عند عدم وجود النصوص. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.