الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 57، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
ذكر المؤلف أربعة أقوال في دلالة صيغة الأمر على الوجوب أو الإباحة، واستدل الجمهور على الوجوب بأدلة من القرآن والسنة ولغة العرب. ذهب الجمهور إلى أن صيغة الأمر للوجوب بينما ذهب آخرون إلى الإباحة أو الندب أو الوقف حتى يرد دليل.
يناقش آراء الفقهاء حول دلالة الأمر بعد الحظر على الوجوب أو الإباحة، ويستعرض أدلة كل قول، كما يتناول مسألة تكرار الفعل بناءً على الأمر المطلق. يرى أكثر الفقهاء أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار.
يناقش دلالة تكرار الأمر على التكرار، وعلاقة الشرط بتكرار الفعل، وتأثير تكرار العلة على الحكم الشرعي، مع تقديم أمثلة مختلفة. يظهر الخلافات الفقهية حول هذه المفاهيم وتأثير العلة على تكرار الحكم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: مسألة، قال المؤلف رحمه الله تعالى: إذا ورد الأمر متجردا عن القرائن اقتضى الوجوب في قول الفقهاء إلى آخره. خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أربعة أقوال. أولا، أن الصيغة المذكورة للوجوب، يعني الصيغة «افعل» إذا تجردت عن القرائن فهي للوجوب، هذا قول الجمهور. الثاني، أنها للإباحة، وحجته أن رأينا الأمر قد يأتي لها، كقوله ﴿فاصطادوا﴾، فنحمله على أدنى الدرجات وهو الإباحة. والثالث، أنها للندب، وهذا قول المعتزلة، وحجته أن صيغة «إفعل» تقتضي طلب الفعل، وأدنى درجات الطلب الندب، فنحمله عليه. الرابع، الوقف حتى يرد الدليل ببيانه، هذا قول الأشعر والقاضي. والحق أنها للوجوب إلا بدليل صارف عنه، لقيام الأدلة، كقوله ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾، فالتحذير من الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر يدل على أنه للوجوب. نعم، ولا يترتب مثل هذا الوعيد والعقاب إلا على ترك واجب، فدل على أن الأمر الأصل فيه أنه للوجوب. قال: وقوله ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾، فإنه جعل أمر الله ورسوله مانعا من الاختيار، وذلك دليل الوجوب. نعم، فإذا كان الأمر لغير الوجوب للاستحباب، فكان الإنسان فيه مخيرا أن يفعل أو لا يفعل، فلما لم يكن له اختيار دل على أن أمر الله ورسوله للوجوب، وأن هذا هو الأصل. قال: وقوله ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾، فهو ذم على ترك امتثال الأمر بالركوع، وهو دليل الوجوب، ولو كان الأمر بالركوع ليس بواجب لم يكن هناك ماذا محل الذنب والمؤاخذة. قال: وقوله ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾، فقرعه على مخالفة الأمر، وهو دليل الوجوب، ولو كان الأمر للاستحباب لم يكن هناك لوم عليه بترك الاستجابة. قال: وذلك دليل الوجوب، وقوله ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾، وهو دليل الوجوب، وقوله ﴿أفعصيت أمري﴾، فهو دليل على أن مخالفة الأمر معصية، وذلك دليل الوجوب. وقوله ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ إلى غير ذلك، والشاهد من الآية أن ترك الأمر معصية، ولا يكون معصية إلا إذا كان واجبا. قال: إلى غير ذلك من أدلة الكتاب والسنة، ولا خلاف بين أهل السنة، بين أهل اللسان العربي، أن السيد لو قال لعبده «افعل»، فلم يمتثل فأدبه لأنه عصاه، أن ذلك واقع موقعه، مفهوم من نفس صيغة الأمر. وأشار في المراق إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله: «وفعل لدى الأكثر للوجوب، وقيل للندب أو المطلوب، وقيل للوجوب أمر الرب وأمر من أرسله للندب». والحق أن دليل اقتضاء «فعل» للوجوب الشرع واللغة، يعني يدل على أنه للوجوب الشرع وكذلك اللغة كما ذكرنا. وقيل: العقل، يعني يدل على أن صيغة «تفعل» للوجوب العقل، كما أشار إليه في المراق بقوله: «ومفهم الوجوب يدري الشرع أو الحجاء» أي العقل «أو المفيد الوضع» أي اللغة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، إذا ورد صيغة الأمر بعد الحظر اقتضت الإباحة، وهو ظاهر قول الشافعي. خلط ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن صيغة «افعل» إذا وردت في أمر كان ممنوعا، ففيما تفيده ثلاثة أقوال، يعني مجيء الأمر بعد الحظر، أي بعد المنع، فيه ثلاثة أقوال. الأول، أن الإباحة، وعزاه لظاهر قول الشافعي، يعني أن الأمر بعد الحظر للإباحة. الثاني، أنها كالتي لم يتقدمها حظر، قد قدمنا أنها للوجوب عند التجرد من القرائن. الثالث، إن ورد الأمر بصيغة «افعل» فهي للجواز، وإن ورد بمثلي «أنتم مأمورون»، فكالتي لم يقدمها حظر، يعني التفصيل: إن ورد الأمر بصيغة «افعل» فهي للجواز، وإن ورد بمثل «أنتم مأمورون»، يعني مجيء الأمر بغير صيغة «افعل». قال: وحجة القول بالوجوب هو ما قدمنا من أدلة كون «افعل» للوجوب. وحجة القول بالإباحة، وهو اختيار المؤلف، أن عرف الاستعمال في الأمر بعد الحظر بالإباحة، بدليل أن أكثر أوامر الشرع بعد الحظر بالإباحة، كقوله تعالى ﴿فإذا حللتم فاصطادوا﴾، وقوله ﴿فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض﴾، والاستياد مباح، والانتشار في الأرض مباح، ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، وهو مباح، إلى غير ذلك من الأدلة. وحجة القول الثالث، أن الجملة الإسمية قد تفيد من الثبوت والدوام ما لا تفيده صيغة «افعل»، ولا يخفى ضعف هذا القول. صعب القول الثالث، قالوا: من جملة الإسمية تفيد من الثبوت والدوام ما لا تفيده صيغة «افعل»، فصيغة «افعل» تدل على الفعل، يعني فعل هذا الأمر أو هذا الشيء في وقت الأمر، لكن صيغة الجملة الإسمية «أنتم مأمورون» تدل على استمرار هذا الأمر. قال: وحاصل معنى اختيار المؤلف أنه للإباحة، هو أن الحضر الأول قرينة صارفة للصيغة عن الوجوب إلى الإباحة. قال: مقيد، عفى الله عنه، الذي يظهر لي في هذه المسألة هو ما يشهد له القرآن العظيم، وهو أن الأمر بعد الحضر يدل على رجوع الفعل إلى ما كان عليه قبل الحضر، فإن كان قبله جائزا رجع إلى الجواز، وإن كان قبله واجبا رجع إلى الوجوب. فالصيد مثلا كان مباحا، ثم منع للإحرام، ثم أمر به عند الإحلال، فيرجع لما كان عليه قبل التحريم. وقتل المشركين كان واجبا، ثم منع لأجل دخول الأشهر الحرم، ثم أمر به عند انسلاخها في قوله تعالى ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾، فيرجع إلى ما كان عليه قبل التحريم. وقتال المشركين قبل التحريم واجب، وأما الاستياد قبل الإحرام مباح، فلما جاء المنع وهو الإحرام امتنع الاصطياد، فلما انتهى وتحلل رجع الحكم إلى ما كان عليه قبل التحريم، وهو الحل. قالوا: هكذا، وهذا الذي اخترنا، قال به بعض الأصوليين، واختاره كثير في تفسير قوله تعالى ﴿فإذا حللتم فاصطادوا﴾. الصواب: وإذا حللتم فاصطادوا، وهذا القول هو الصحيح بين الأقوال، وبه تجتمع الأدلة كما رأينا. قال: وإلى هذه الأقوال في هذه المسألة أشار في المراق بقوله: «والأمر للوجوب بعد الحضر، وبعد سؤال قد أتى للأصل عندك سؤال أو سؤل، وبعد سؤال قد أتى للأصل» في نسخة «سؤل»، وبعد «سؤل أو يقتضي إباحة للأغلب إذا تعلق بمثل السبب يصح سؤال أو سؤل»، وبعد «سؤل قد أتى للأصل»، عندي هنا سؤال، في نسخة «سؤال إلا فذي»، إلا فذي المذهب، والكثير له إلى إيجابه مصير. قال: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، الأمر المطلق لا يقتضي التكرار في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو اختيار أبي الخطاب، وقال القاضي وبعض الشافعية: يقتضي التكرار إلى آخره. خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن الأمر المطلق، أي غير المقيد بمرة ولا تكرار ولا صفة ولا شرط، فيه أربعة أقوال. الأول: لا يقتضي التكرار، وهو الحق، أن الأمر لا يقتضي التكرار، هذا هو الحق، فإذا فعله من أمر مرة واحدة سقط عنه الطلب. قال: الثاني: يقتضيه، يعني يقتضي التكرار، وهذا قول القاضي وبعض الشافعية. الثالث: إن علق على شرط اقتضى التكرار، وإلا فلا، يعني مثل «إن غربت الشمس فصلي»، هذا معلق على شرط، فيكون يقتضي التكرار، وإلا معلق على شرط فلا يقتضي التكرار. الرابع: إن كرر لفظ الصيغة اقتضى التكرار، وإلا فلا، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ومنهم من قال بالوقف، منهم من قال بالوقف كالآمدي. قال: اعلم أولا أن ذكر القول بأنه إن علق على شرط مكرر سهو من المؤلف رحمه الله، لأن الكلام في الأمر المطلق خاصة، والمعلق على شرط غير مطلق. والحق أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، بل يخرج من عهدته بمرة واحدة، فلو قال لوكيله «طلق زوجتي»، فليس له إلا تطليقة واحدة، يعني لا يكرر، يطلق الأولى والثانية مثلا والثالثة. فالأمر يقتضي فعل المأمور به مرة واحدة. قال: ولو قال لعبده «اشتري متاعا»، لم يلزمه ذلك إلا مرة واحدة، وهذا لا شك فيه، يعني لو قال «اشتري متاعا»، فذهب العبد واشترى المرة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، هنا يستحق أن يلام، لأن أمره بالشراء المتاع يحصل بمرة واحدة. قال: سواء قلنا باقتضائه المرة أو مطلق الماهية، لأن معناهما يئول إلى شيء واحد، فالدعوى اقتضاء التكرار لا وجه له البتة. وكذلك تكرير الصيغة، فكونه للتأكيد أظهر، يعني إذا كرر الصيغة، هنا عندنا قول أبي حنيفة: إن كرر الصيغة اقتضى التكرار، إن قال «افعل»، «اذهب أو اشتري»، «اشتري»، كرر الصيغة، فعلى قول بأنه لا يقتضي التكرار، وهو الصحيح، نقول: تكرير الصيغة يفيد التأكيد، تأكيد الأمر. قال: تنبيهان: الأول، إذا علق الأمر على شرط، فالظاهر أنه يكون بحسب ما يدل عليه ذلك الشرط لغة، فإن كان يفيد التكرار تكرر، وإلا فلا. مثال الأول، يعني ما يفيد التكرار، «كلما جاءك زيد فأعطه درهما»، فهذا يفيد التكرار، أنه كلما جاء زيد يعطى درهما. ومثال الثاني الذي لا يفيد التكرار «إن جاءك زيد فاعطه درهما»، هذا ما يفيد أنه إذا جاء يعني مرة واحدة تعطيه درهما، فما يفيد أنه إذا جاء مرة أخرى تعطيه كذلك درهما. قال: الثاني، قول المؤلف، وقولهم: «إن الحكم يتكرر بتكرر العلة»، فكذا الشرط، قلنا: العلة تقتضي حكمها، فيوجد بوجودها، والشرط ليقتضي إلى آخره. معناه أنه قائل بأن الحكم يتكرر بتكرر علته، وكذلك كلام محشيه، والظاهر أن ذلك لا يصح على الإطلاق، لأن تكرر العلة قد يتكرر معه الأمر، وقد لا يتكرر، إما إجماعا وإما على قول. فمثال ما لا يتكرر فيه الأمر بتكرر علته قولا واحدا: من بال مرات متعددة أو جامع كذلك، فعليه وجوب الوضوء والغسل، فعليه وجوب الوضوء والغسل متكررة، والأمر بهما غير متكرر، بل يكفي فيهما واحد. من بال مرات متعددة، معلوم أن البول ناقض الوضوء، ومن بال فعليه أن يتوضأ، طيب إذا بال مرات متعددة، والبول علة لوجوب الوضوء، إلى أن أراد الصلاة، فإذا بال مرات متعددة، هل يلزمه أن يتوضأ عدة مرات أو يلزمه أن يتوضأ مرة واحدة؟ الجواب: يتوضأ مرة واحدة، إذا هنا وجدت العلة، ولم يتكرر الأمر، وجدت العلة وهو البول، ولم يتكرر الأمر. وكذلك أيضا الجماع، إذا جامع أكثر من مرة، هل يلزمه عن كل جماع غسل أو يلزمه غسلا واحدا؟ الجواب: غسل واحد، مع أن الجماع علة لوجوب الغسل، فوجدت العلة ولم يتكرر الأمر. هذا باتفاق. قال: وكذلك من زنى مرات قبل أن يحد، أقيم عليه حد واحد، إذا زنى عدة مرات، ثم قبض في إحدى المرات، وقيم عليه الحد، ويقام عليه حد واحد، مع أن الحد علة، أي الزنا علة لوجوب الحد. قالوا: مثال ما يتكرر فيه إجماعا: أن يضرب امرأة حاملا فتسقط جنينين، فعليه غرتان، يعني دية الجنين، عن كل جنين غرة. قال: ومن ولد له توأمان فعليه عقيقة. ومثال مختلف فيه: تعدد صاع المصرّة بتعدد الشياه، يعني إذا اشترى شاة مصرّة، معلوم أن الشاة المصرّة أنه إذا حلبها فهو بالخيار، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها، وصاع من تمر، طيب إذا كان اشترى أكثر من شاة، هل لكل شاة صاع أو يكفي عن الجميع صاع واحد؟ نعم، الظاهر أنه لكل شاة صاع. قال: «فليردها وصاعا من تمر»، جعل صاع التمر مقابل حلب هذه الشاة. قال: وتعدد كفارة الظهار إن ظاهر من زوجات، يعني أكثر من زوجة، ظاهر من هذه ومن هذه، هل يكفي كفارة واحدة عن الظهار أو لكل واحدة كفارة؟ قال: وتعدد غسل الإناء بتعدد ولوغ الكلب أو كلاب، وتعدد الحمد بتعدد العطس، وحكاية أذان المؤذنين إلى غير ذلك، هذه أمور وقع فيها الخلاف. وهو يوجب بهذا أن ليس كل، يعني علة توجب تكرر الحكم، فبالعلة تفصيل، منها هو واجب إجماعا، ومنها هو لا يتكرر إجماعا، ومنها هو محل خلاف بين أهل العلم. طيب: يتفي بهذا القادر إلى هنا، وصلى الله وسلم على أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.