شرح أصول السنة للإمام أحمد 6

الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 6، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

النهي عن الجدال في العقيدة وبيان صفات أهله

يشرح المقطع نهي الإمام أحمد عن الجدال والخصومة في مسائل العقيدة مستدلاً بآيات وأحاديث تصفه بصفات الكفار، ويبين أن أهل السنة يكتفون ببيان الحق والدليل دون جدال إلا مع من يطلب الحق بعلم وحسن قصد. ويُترك الجدال مع المعاندين الظالمين لكونه غير مثمر ومخالف لهدي السلف.

ضوابط الجدل والمناظرة في المنهج السلفي

يحذر النص من مجادلة من لا ينصف لأنهم يستفيدون من الحجة ويبقون على عداوتهم، وينقل عن الأئمة كابن المديني وأحمد ومالك النهي عن الجدال إلا بضوابط محددة. ويقرر أن الجدال في أصول العقيدة مكروه إلا لأهله مع رعاية ولي الأمر وضبط المناظرة وعلم المناظر.

أهمية صحة المنهج والسبيل في التلقي والاستدلال

يؤكد المتحدث أن اتباع منهج أهل السنة والجماعة في السبيل والطريقة شرط لقبول العمل، فمن وصل إلى حق عبر طريق باطل لا يعد من أهل السنة. والخطأ في المنهج أخطر من الخطأ في النتيجة، وفرق كالأشاعرة والمعتزلة ضالة لفساد مناهجهم.

خاتمة الدرس والدعاء بالهداية والثبات

يعترف المتحدث بإمكانية الخطأ ويستغفر الله محذراً من الانحراف عن السبيل، ويؤكد أن الرسالة تبين أصول أهل السنة والجماعة. ثم يختم بالدعاء بالهداية والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لا زلنا في هذا الكتاب النافع الذي أملاه الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة والجماعة، على تلميذه عبدوس بن مالك العطار، رحمهم الله تعالى أجمعين. والعقائد السلفية من أولى الأولويات لطالب العلم أن يعتني بها؛ فإنها نجاح، وهي حسن فهم لكتاب الله، ولما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولما سار عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. قال رحمه الله تعالى: «وأن لا يخاصم أحدا ولا يناظره ولا يتعلم الجدال؛ فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغير ذلك من السنن مكروه منهي عنه، ولا يكون صاحبه وإن أصاب بكلامه السنة من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم ويؤمن بالآثار». هذه الجملة كررها الإمام أحمد في هذه الرسالة في مواضع عدة، وذلك أن الجدل هو من علامات أهل الباطل. الأصل في الجدل أنه من خصائص أهل الباطل. قال جل وعلا: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ [غافر: 4]، فجعل الله جل وعلا الجدال صفة لهؤلاء. وقال عز وجل: ﴿وَيُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ [الرعد: 13]، أي الكفار والمشركون، ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: 13]، الآيات في هذا كثير في بيان أن الجدال من علامات أهل الباطل. قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: 35]، فالجدال -عياذا بالله- صفة ذميمة، وصف الله بها المبطلين. قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ [الشورى: 35]، الآيات كثيرة في بيان أن الكفار يجادلون في آيات الله، كما قلنا في أول الآيات: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، هذه صفة مذمومة في الكفار. قال جل وعلا في الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج: 8]، هذا أيضا من علامات أهل الباطل أنهم يجادلون، وهذا الجدال الذي يجادلون فيه بغير علم وهو أيضا على غير هدى ولا كتاب منير، فهذا جدل مذموم، عياذا بالله تعالى. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ [الحج: 3]، فوصف الجدال أنه بغير علم. فالحاصل أن الجدال من علامات أهل الباطل. وقد ثبت في سنن الترمذي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، حديث من حديث أبي غالب حزور عن أبي أمامة الباهلي، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». ثم تلا قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: 58]، أي كفار قريش لما استدلوا على عبادة غير الله من الأصنام ونحوها، وأن عيسى يعبد، قال الله جل وعلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾، أي هذا المثل إلا جدل، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58]، أي شديد الخصومة، كثير الخصام، هذه من صفتهم. ولهذا ينبغي للمسلم أن يترك هذه الصفة، يترك هذه الصفة وهي الجدل؛ فإنه كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». فالجدل شدة الخصومة وحب النقاشات، والبناء على المقدمات الجدلية من النقض والاعتراض ونحو هذا مما يدرس في علم الكلام، ويدرس أيضا في علم مستقل اسمه علم الجدل. الإمام أحمد ينهى عن ذلك كما هو ثابت في كلام الله عز وجل وكلام رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو يصف السنة بأنها لا تجادل ولا تخاصم، إنما تبين الحق. أما أن تجلس في مهاترات وفي مجادلات وفي مناظرات وفي خصومات، فإن هذا ليس من صفة أهل السنة. بعض الناس يقول: تعالوا نناظركم، نجادلكم. يقال كما قال الإمام مالك رحمه الله: «أما أنا فعلى بينة من ديني، وأما أنت فاذهب إلى شاك مثلك». في بعض المرويات: قال: «أناظرك وأجادلك»، قال: «فإن غلبتك؟»، قال: «اتبعتك»، قال: «فإن غلبتني؟»، قال: «اتبعتني»، قال: «فإن جاء ثالث فغلبنا؟»، قال: «اتبعناه»، قال: «إذن يصير دينك عرضة للخصومات كل يوم، أنت في دين كل يوم، أنت في لون من الألوان، يتقلب كلما جاء أجدل وأقوى لسانا وأحد جدلا تبع، ثم يأتي آخر فيرد عليه وينقض كلاما فيتبع، يكون الدين ألعوبة». لهذا قال مالك: «اذهب إلى شاك مثلك، أما أنا فعلى بينة». فلذا جاء النهي عن الجدال. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: 3-4]، هذه صفة أهل الباطل، ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله، هذه صفة أهل الباطل، عياذا بالله. السني يبين الحق، يشرح الحق، ينتصر للحق، يقرر الحق، يبين أدلة هذا الحق من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن احتاج إلى الجدل جاز له الجدل، وقد يجب. قد يجوز الجدل وقد يجب، كما قال الله عز وجل في اليهود: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: 46]، ثم قال بعدها ربنا عز وجل: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]، ثم قال بعدها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46]. ثلاث مقامات: الأولى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، ثم قال بعدها: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، هذه صورة من صور الجواز، فالجدال يكون بعلم وبالتي هي أحسن. الجدال يكون بعلم وبالتي هي أحسن. ثم قال جل وعلا بعدها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، فمن كان متعنتا صاحب هوى متعصبا، فإنك كالذي يخاطب الجدار، ما في فائدة. هذه صفة المتعنت المتعصب، لو تأتيه بالدليل يخاطبه ما يسمع، تأتيه بالحجة لا يراها، لا يبصرها، وإنما يعترض، كلما ذكرت شيئا اعترض. فمثل هذا لا يجوز الجدال معه؛ لأنه ليس بطالب حق، ولا الجدال معه فيه إحسان، بل هذا ظالم معتدٍ مسرف في الظلم واتباع الباطل، صاحب هوى وصاحب عصبية، فمثل هذا لا يزيده الجدل إلا عتوا ونفورا. لهذا يقول الإمام علي بن المديني كلمة حسنة، ذكر الإمام السخاوي في فتح المغيث في كتاب الجرح والتعديل، الباب الثالث والعشرون: «وقال علي بن المديني: لا تجادل من لا ينصف فيستفيد منك ويعاديك، لا تجادل أو تخاصم من لا ينصف فيستفيد منك ويعاديك، ما في فائدة، هو يستفيد منك ويعاديك، بس يطور نفسه شوية في الكلام بسبب ما أعطيته أنت من حجة، يروح يدور لها ويروح يقلبها، يستفيد منك والعداوة باقي، إذن ماذا استفدت؟». من لا ينصف تقول له: واحد زائد واحد يساوي كم؟ يقول: ثلاثة؟ كيف تتفاهم مع هذا الصنف؟ يعني أنت ضيعت وقتك مع هذا الصنف. يعني هذا نوع جدل عقيم لا فائدة منه، أصحاب هوى، أصحاب هوى. ولهذا يقول الله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، هذه سمة من سماتهم. قال جل وعلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾، ما هو القصد اتباع الحق. المناظرات الأصل تركها، كما قال إمام أحمد: «وأن لا يخاصم أحدا ولا يناظره»، إلا في حالات: كأن يكون تحت رعاية ولاة الأمر، وأن تكون مضبوطة، ينصر فيها الحق ويرد فيها الباطل، وأن تكون بعلم من عارف. أما أن يكون الشخص ضعيف الحجة، فلا ينبغي الدخول في هذا الباب. قال مالك رحمه الله، وقد كلمه بعض تلامذته: «يا فلان لا ترج، يا فلان لا ترج». والسبب كما قال الشاطبي: أنه لا يحسن الجدال. فمثل هذا قد يغلب، فإذا غلب ظن الناس أن هذا لقوة الباطل، وإنما هذا لأجل ضعف المناظر، فيفتتح على نفسه وعلى أهل السنة لسان أهل الباطل، ليس لأجل قوة حجتهم، وإنما لأجل ضعفه في الجدل. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إلي»، أي في أموركم الدنيوية، «فيكون بعضكم ألحن بحجته من بعض»، ألحن يعني أقوم وأولى بالكلام، كلامه قوي، «فمن قضيت له من حق أخيه شيئا»، يعني أنا أقضي بالظاهر، أقضي بالظاهر، فلان عندك شاهد على كلامك؟ قال: لا، ما حجتك يا فلان؟ قال: لم أصنع ذلك، عندك دليل؟ عندنا هكذا تتركب القضايا، يمينك، الشاهد إلى آخره، «فمن قضيت له من حق أخيه شيئا»، هو يعلم أنه مبطل، ويعلم أنه ما أحد شاف، ويعلم أن هذا صاحب حق، «فإنما أقضي له من جمر جهنم»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم. شاهد أن بعض الناس ألحن بالحجة، عنده الحجة، حتى قال القائل: يعني يأتي فيريد أن يمدح عسل النحل، يقول: «أنا أقدر أخلي عسل النحل هذا حاجة طيبة، وأقدر أخليه حاجة مو طيبة للسان». يقول: «تقول هذا مجاج النحل تمدحه، وانت ساء قلت ذاقي الزنابير مدحا وقدحا، وما جاوزت وصفهما، والحق قد يعتريه سوء تعبيري». يعني أنا أقول هذا ما هو إلا هذا مجاج النحل، يعني هذا صنعته النحل بأفواهها، صنعته النحل بأفواهها، فهي تأخذ تمص الرحيق من الزهرة ثم ترمي به، نفس الرحيق داخل المربع الذي أو المثمن الذي تضع فيه العسل، فيتجمع قليلا قليلا، هذا شيء طيب. وانت ساء قلت: ذاقي الزنابير، هذا ما هو إلا طراش الزنابير، يعني أنا الآن حولت وسميته طراش، فواحد يقول: أعوذ بالله، إيش الطراش؟ أنا أقول: طراش، أعوذ بالله، وهو عسل. يعني بكلمة خلاه حاجة طيبة، وبكلمة ثانية خلاها إيش؟ خلاها حاجة ما هي طيبة، وهو شيء واحد. هذا من الجدل المذموم. يقول هذا القائل: «تقول هذا مجاج النحل تمدحه، وانت ساء قلت ذاقي الزنابير مدحا وقدحا، الزنابير يعني الدبر، هذا الذي يحفر في الخشب، الزنبور هذا الذي يحفر في الخشب، الدبور هذا الذي... صلى هكذا، وانت ساء قلت ذاقي الزنابير مدحا وقدحا، وما جاوزت وصفهما، والحق قد يعتريه سوء تعبيري، الحق قد يعتريه سوء تعبيري». فهذا الجدل مذموم، هذا الجدل مذموم. فمن كان غير مقتدر عليه لم يجز له أن يناظر، لم يجز له أن يناظر. لكن انظر إلى أهل العلم كيف يناظرون غيرهم. يعني الإمام ابن القيم، ذكرنا قصة أنه يناظر بعض الفقهاء المتعصبين للمذاهب، يعني يقول له: «قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذا وكذا، ومذهبك أن هذا ما يجوز، تأخذ بالمذهب ولا بقول الرسول؟»، قال: «آخذ بالمذهب». المذهب، قل: «أنا مذهبنا كذا، طيب». قال له: «أعيدك المسألة، أرأيت لو أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان حيا يخاطبك، حي يخاطبك، فحدثك بهذا الحديث، أكنت تأخذ به أم بالمذهب؟»، قال: «بل آخذ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم، بل آخذ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم». قال: «فقلت له: فما الذي نسخ هذا بعد موته؟»، قال: «فوضع أصبعه على فيه وقال: ها، وضع أصبعه على فيه وقال: ها»، يعني ما عنده جواب. يعني إذا كان الرسول حاضر موجود حي يخاطبك تأخذ قوله، طيب بعد موته إيش الفرق؟ وضع أصبعه على فيه وقال: ها، ها. هذه مناظرة علمية، ابن القيم مقتدر على المناظرة. لكن تجيء عند بعض الناس ما يكون عنده تلك القدرة على المناظرة. وذكرنا قبل يومين أيضا، يعني القدري مع المعتزلي، المعتزلي مع المعتزلي، لما قال القدري مع هذا، قال المعتزلي: «سبحان من تنزه عن الفحشاء»، العالم السني يفهم الكلام، قال: «سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء»، قال القدري: «أيشاء ربنا أن يعصى؟»، قال السني: «أيعصى ربنا قهرا؟»، قال القدري: «أرأيت إن منعني الهدى وأورثني الردى، أحسن إلي أم أساء؟»، قال: «إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فالله يصنع في ملكه ما يشاء»، فانتهت، انتهى هذا الرجل، انتهى. فبعض الناس يحسن الجدل، وبعض الناس لا يحسن الجدل. قال رحمه الله: «وأن لا يخاصم أحدا ولا يناظره ولا يتعلم الجدال». الجدال تعلمه ذموم، إذا كان كذا، رأيت كذا، إذا كان كذا، ضيع نفسه في العبرة بالحجج والأدلة. قال: «فإن الكلام في القدر»، أي مسائل القدر، «والرؤية»، مسائل رؤية الله عز وجل، «والقرآن»، سيأتي الكلام على هذه المسائل. انتهينا من القدر، ولعلنا لنا عود إليه، «وغيرها من السنن»، يعني من الأصول، قوله: «من السنن» يعني من أصول العلم وأصول العقيدة، «مكروه منهي عنه، ولا يكون صاحبه»، يعني صاحب الجدل، «وإن أصاب بكلامه السنة»، حتى لو كان نتيجة الكلام نصر للتوحيد ونصر للسنة، فهذا لا يجعله سنيا. يقول الإمام أحمد: «وإن أصاب، ولا يكون صاحبه وإن أصاب بكلامه السنة من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم ويؤمن بالآثار». فأهل السنة لهم منهج يسيرون عليه، يصلون به إلى الحق، وأهل البدع لهم منهج يسيرون عليه. فمن سار بطريق أهل البدع ثم وصل إلى النتيجة التي وصل بها أهل السنة فليس من أهل السنة. هل عرفنا هذا؟ من وصل إلى مسألة حق ولكن الطريق اللي مشى عليه باطل، يقال: هو من أهل الباطل. فلابد من صحة الطريق وصحة النتيجة، لا بد من الأمرين، لا بد أن يكون المسلك والطريق صحيحا، ولا بد أن تكون النتيجة صحيحة. وإذا أخطأ صاحب المسلك الصحيح فإنه معذور عند الله، لكن إذا أخطأ صاحب المسلك الباطل فإنه مأزور عند الله. هل فهمتني يا أستاذ؟ أعلم، فلابد من صحة الطريق. هذا الذي يقرره الإمام أحمد رحمه الله تعالى. لا، هذا غير صحيح، لا بد من صحة المسلك والسبيل. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 108]، أولا سبيل، ثم دعوة، لا بد من سلوك السبيل، ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. فمن دعا إلى الله بغير سبيل المؤمنين فإنه لم يتبع الرسول، اتبع شخصا آخر، وإن كان دعا إلى الفضائل وإلى مكارم الأخلاق وإلى صلة الأرحام وإلى أشياء من الحق التي لا ننكرها، لا ننكرها. الآن ربما يوجد في بعض الأديان أمور طيبة، لكن الدين باطل، ما يجعله طيبا. في البوذية مثلا فيها بعض الأمور من مكارم الأخلاق، وفي اليهودية بعض الصفات من الحق، وفي النصرانية أمور من الحق، وفي الإسلام كل ذلك الحق. لكن طريقة اليهود باطلة، وطريقة البوذيين باطلة، وطريقة النصارى باطلة، وإنما العبرة بطريقة الحق وأهله هي التي من سار عليها ولو أخطأ فإنه معذور، وقد يؤجر كما في حال المجتهد. ولكن الخطر العظيم في من لا يتبع سبيل المؤمنين. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي﴾، أي طريقي، فهناك طريق وسبيل، وهناك نتائج. ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، كل من اتبع الرسول يمشي على خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]. ويقول عز وجل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 115]، فهناك سبيل لأهل الإيمان يجب اتباعه. من هنا نعرف أن الأشاعرة، المعتزلة، والقدرية، والخوارج ضلال، لأن طريقهم التي يمشون عليها باطلة. الطريق التي يمشي عليها هؤلاء باطلة. منهم من يقول: لا أقبل السنة، فهذا إذا أمر بمعروف قلنا: الذي أمرت به معروف، ولكن أنت مبطل، أنت مبطل لأنك تمشي على طريق خطأ، الطريق التي تمشي عليها خطأ، فلا يجعل الطريق... لابد من صحة السبيل وصحة النتائج، لابد من الأمرين. هذا الذي يقرره الإمام أحمد. قال: «ولا يكون صاحبه»، أي صاحب الجدل، «وإن أصاب بكلامه السنة»، حتى لو أصاب في النتيجة، «من أهل السنة»، لا يكون من أهل السنة، هو من أهل البدع، لأن الجدل ليس طريقة أهل السنة، فقد سلك سبيلا غير سبيل أهل السنة، سلك طريقا غير طريقهم، وسبيلا غير سبيل المؤمنين، فهو ممن شاق الرسول، عياذا بالله، وإن أصاب بكلامه السنة. «ولا يكون صاحبه وإن أصاب بكلامه السنة من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم ويؤمن بالآثار». واليوم الناس في كثير من الأبواب على هذا الباب يخطئون أخطاء عظيمة لخطأ مسالكهم وسبولهم. فمن سلك طريقة الخوارج قيل: إنه خارجي، ومن سلك طريقة المرجئة قيل: هو مرجئ، ومن سلك طريقة المعتزلة قيل: معتزلي، ومن سلك طريقة الجهمية قيل: جهمي، ومن سلك طريقة القدرية قيل: قدري. لأن هذا المنهج والسبيل، سبيل القدرية أو سبيل المعتزلة أو سبيل طوائف البدع، هو من ما يشاقق سبيل المؤمنين، ومما يشاق سبيل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلابد من صحة السبيل والطريق، ولابد كذلك من صحة النتيجة. قد يخطئ الإنسان، ويطّلع بخطئه، لأن الله عز وجل يقول في خطأ من سار على سبيل المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]. في الصحيح، صريح مسلم عن أبي هريرة وابن عباس: «قال الله: قد فعل»، وفي رواية: «قال الله: نعم». فأخطاء المؤمنين مغفورة، أخطاء المؤمنين مغفورة، وأخطاء غير المؤمنين مأزورة. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فالخطأ الذي يقع فيه السني وهو مجتهد معذور فيه، إما مأجور وإما معذور. وأما أهل البدع والباطل ومسالك الهوى والضلال، فلا. اليوم سبيل القاعدة مثلا باطل، وإن دعوا إلى كلمة حق، قال: هذه الكلمة اللي قلتموها حق، أمرتم بالصلاة حق، نقبل الحق، ولكن أنتم مبطلون لأن المنهج والسبيل والطريق الذي تمشون عليه باطل. وهكذا يقال في سائر أهل البدع. الأشاعرة يقال: أنتم لستم من أهل السنة، أنتم مبطلون، لأن الطريق الذي تمشون عليه باطل، وإن وافقتم على مسائل الصحابة، مثلا ما بين خلاف الصحابة، لكن أنتم عندكم العقل مخدم على النقل، ونحن نقول: الكتاب والسنة، وإن خالفت العقول يجب أن تؤمن بها. أنتم تقولون: لا، إذا خالفت الآية العقل أو الحديث العقل، فالعقل مخدم. فكيف تكونون من أهل السنة؟ وعلى هذه الطريقة العوجاء، عياذا بالله. وهكذا أيضا من يأتي وخالف منهج أهل السنة من هذه الفرق الحادثة، فإن خطأهم في السبيل أعظم من خطائهم في النتيجة. الخطأ في السبيل والطريق أعظم من الخطأ في النتيجة، وكلاهما عظيم، لكن لو أردنا أن نقارن، فالخطأ في المناهج والسبل عظيم. ولهذا الخلافات الموجودة اليوم في الساحة، التي كان من نتيجتها وجود من يغلو في المسائل، ليست أمورا حصلت بسبب اجتهاد من مجتهد ساغ له الاجتهاد، ليست كذلك. هذا لم يقله أئمة الاجتهاد، مثل الإمام عبد العزيز بن باز، ما يقولون هذا الكلام، ولا علماء السنة، أحدهم يقول مثل هذه الضلالة. وإنما جاءت من أقوام ساروا على غير سبيل أهل السنة، إما في باب الحاكمية يمشون على غير طريقة أهل السنة والجماعة، أو في باب الولاء والبراء على غير طريقة أهل السنة والجماعة، أو في باب الصفات والقدر، أو في غيرها من الأبواب. فمناهج الفرق أمر عظيم، لا بد على طالب العلم أن يتفطن لها، وهو أمر السبل المسلوكة، لا بد أن يكون السبيل صحيحا. قد تخطئ، فنرجو أن الله يغفر، وأنت عندنا معذور، لكن من انحرف بالسبيل فإنه ليس معذورا، وهو مأزور، عياذا بالله. فهذه الرسالة عظيمة، فيها بيان لأصول جليلة من أصول أهل السنة والجماعة. هذا، ونسأل الله جل جلاله أن يبصرنا بهداه، وأن يعيننا على رضاه، ويجنبنا الفتن وأسبابها. هذا، وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.