شرح أصول السنة للإمام أحمد 7

الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 7، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

فضل آية الكرسي وإثبات صفة الكلام لله تعالى والرد على الجهمية

يستهل المحور بفضيلة قراءة آية الكرسي دبر الصلوات، ثم يعرض قول الإمام أحمد في أصول السنة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، مبيناً أن الكلام صفة ذاتية وفعلية لله تعالى، مستدلاً بقصة العجل على وجوب اتصاف الإله بالكلام، والرد على من ينفي الصفة بحجة التشبيه مع إثباتها دون تكييف.

الاستدلال بنطق المخلوقات على إثبات كلام الله والرد على المعطلة

يؤكد المحور الإيمان بصفة الكلام كما أثبتها الله لنفسه، ويستدل بنطق المخلوقات كالأيدي والجلود والحجر والطعام والبهائم بإذن الله ليكون الخالق أولى بالكلام، ويرد على تحريف المعتزلة لآية تكليم الله لموسى بآية صريحة أخرى، مختتماً بوجوب التسليم والإيمان دون تكييف أو تمثيل.

تحريم القول بخلق القرآن ونقل إجماع السلف في تكفير القائل به

يقرر المحور أن القرآن كلام الله تعالى صفة ذاتية غير مخلوقة، ومن قال بخلقه فقد كفر كما دل عليه تهديد الوليد بن المغيرة بسقر، وينقل عن الإمام أحمد نفي الخلق عن كلام الله وتحذيره من الوقوف أو المماراة في هذه المسألة، مبيناً أن صفات الله لا تشبه صفات المخلوقين.

الدعاء الختامي بالهداية والنجاة ونسب الترجمة إلى نانسي قنقر

يختتم المتحدث بدعاء يطلب فيه الهداية والنجاة يوم القيامة والحماية من الفتن، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد، فبادئ ذي بدء أن ننبه على بعض السنن المهمة، ومنها قراءة آية الكرسي بعد الصلوات المفروضات؛ فإنها من أعظم الأعمال التي تذكر في أذكار أدبار الصلوات. ففي السنن الكبرى للنسائي، وهو كذلك في المعجم الكبير للطبراني، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ دبر كل صلاة آية الكرسي لم يكن بينه وبين الجنة إلا أن يموت». فينبغي الحرص على مثل هذه السنن العظيمة، العظيم أجرها. ولهذا نجد الأئمة يحرصون عليها، كما ذكرنا سابقاً، وأن ابن تيمية -كما يقول تلميذه- قال: «ما تركت قراءة آية الكرسي مذ سمعت هذا الحديث»، أو كما قال، حرصاً منه على العمل بهذه السنة العظيمة. وكثير من يشغل عنها بمشاغل لا تدانيها، فضل عظيم وأجر جليل لمن عرفه واحتسبه. لا زلنا في كتاب أصول السنة للإمام المبجل، إمام أهل السنة، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى وغفر له. هذه العقائد التي يهتم بها أهل السنة ويقرؤونها ويحرصون على تفهم ألفاظها ومعانيها؛ لأنها العقائد التي تنجي من تمسك بها إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله: «والقرآن كلام الله، ليس بمخلوق. ولا يضعف أن يقول: ليس بمخلوق؛ فإن كلام الله منه، وليس ببائن منه، وليس منه شيء مخلوق. وإياك ومناظرة من أحدث فيه، ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه فقال: لا أدري، لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله؛ فهذا صاحب بدعة، مثل من قال: هو مخلوق». وإنما هو كلام الله وليس بمخلوق. عرض الإمام رحمه الله في هذه الجملة وهذه الفقرة إلى مسألة جليلة، ومسألة عظيمة، وهي مسألة القرآن وصفة الكلام، وهي من المسائل التي ضل فيها الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم من أهل الأهواء والبدع، فخالفوا كتاب الله، وخالفوا سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وخالفوا ما عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فالله عز وجل يوصف بأن من صفاته الكلام. نثبت لله صفة الكلام، وأن الله عز وجل يتكلم، وأنه متكلم، وأنه تكلم. فالكلام صفة ذاتية كالعلم، وهو أيضاً صفة فعلية يفعلها متى شاء جل وعلا. والكلام من الصفات الجليلة. ولهذا عبد بعض اليهود العجل، فأنكر الله جل وعلا عليهم، فقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾، ثم قال: ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. فكيف يكون إلهاً وهو لا يتكلم؟ فبان بهذا أن من صفات الإله أن يكون متكلماً. ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. فبان بهذا أن الإله من صفاته أنه يملك الضر والنفع، وكذلك من صفاته الكلام. فجعل جل وعلا من علامات بطلان عبادة العجل أن لا يرجع، أن لا يرجع إليهم، فلا يرون أنه لا يرجع إليهم قولاً، ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً. فالإله لا بد أن يوصف بأنه يتكلم، لا بد أن يوصف بأنه يتكلم. قال جل وعلا: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۚ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾. فبان بهذا أن الإله لا بد أن يتكلم، وأن يكون من صفاته الكلام. فكيف يتخذون عجلاً لا يتكلم؟ كيف يكون إلهاً؟ فبان بهذا أن من صفات الآلهة أن تكون متكلمة. ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾. فعلى هذا، فالله عز وجل، وله المثل الأعلى، من صفاته أنه يتكلم، وأنه متكلم، وأنه يقول ما شاء جل وعلا متى شاء جل وعلا. فهو من صفاته الكلام. من صفات الله عز وجل أنه يتكلم. لكننا لا نعلم كيف يتكلم. نثبت الصفة ولا نعلم الكيفية. نثبت الصفة ولا نعلم الكيفية. ولهذا أهل الأهواء والبدع يجهلون هذا الأمر، فيقولون: إن قلنا يتكلم فقد شبهناه بالخلق. وهذا جهل عظيم، جهل عظيم. فنقول لهؤلاء: هذه المخلوقات، يقول الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. الشاهد: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ﴾. السؤال: كيف تتكلم الأيدي وليست لها لسان ولا فم ولا حلق؟ الجواب: نؤمن ونصدق أن الله عز وجل ينطق هذه اليد فتتكلم. نؤمن بذلك ولا ندري كيفية ذلك، لا ندري كيفية ذلك، لا ندري، علمها عند الله عز وجل. هذا في مخلوق مع مخلوق. يد الإنسان يعرف صفة تلك اليد، ومع هذا يثبت الله جل وعلا لها الكلام، ليس من الفم: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾. هذا في مخلوق، فكيف بالخالق جل وعلا؟ أنت تجهل نفسك، فكيف تتجرأ على الخالق جل جلاله؟ ويقول جل وعلا: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. الجلود نطقت، ولا ما شهدت؟ شهدت. ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. الجلود نطقت، ولا ما نطقت؟ نطقت. نحن نؤمن بذلك ونصدقه. نؤمن بذلك ونصدقه. لكننا لا نعلم كيفية ذلك. نحن ما نعلم كيفية ذلك. فإذا كانت الجلود تتكلم، وإذا كانت الأيدي تتكلم، وإذا كانت الجلود تنطق، فكيف بالخالق عز وجل؟ ولله المثل الأعلى. بعض الناس يدخل نفسه في أبواب هو جاهل بها، أو عاجز عقله عن فهمها وإدراكها. فالواجب الإيمان والتسليم. يقول الله عز وجل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾. نؤمن بذلك. يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾. نؤمن أن ربه كلمه. جاء رجل معتزلي إلى أبي عمر بن العلاء، إمام من أئمة اللغة والقراءات، قال: «أشتهي أن تقرأ الآية هكذا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾». ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾، الآية كيف؟ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾. هو يريد أن يقلب الفاعل مفعولاً، فيجعل موسى هو المتكلم والله متكلم معه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾. قال: «فما تصنع في قول الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟» قال: فبهت المعتزلي، بهت، ما له جواب. هذه ما يمكن تحريفها. تلك تغير الفتحة، طيب، وهذه كيف تغيرها؟ هذه ما تتغير: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾. ولهذا يسمى موسى الكليم. لماذا يقال موسى الكليم؟ لأن الله كلمه. لأن الله جل وعلا كلمه. وأن الله ناداه: ﴿نُودِيَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ناداه في الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة: ﴿أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. يقال هذا القول: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. لا يجوز أن يقوله أي مخلوق. هل هذا فيه شك؟ هل يجوز لمخلوق أن يقول: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ لو جاز هذا ففرعون مسلم، لأنه قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾. هذه مثل هذه، فلا يجوز لأي مخلوق أن يقول: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. هذا لا يقوله إلا رب العالمين سبحانه. وكلمه ربه. فالله عز وجل هو الذي كلمه: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. لا يجوز أن يقول هذا بشر، ولا شجر، ولا حجر. وإنما هو كلام الله عز وجل. نؤمن بصفات الله عز وجل، نؤمن بصفاته سبحانه وتعالى كما أثبتها لنفسه، وهو العليم الخبير جل وعلا. فنثبت له ما أثبته لنفسه. قال الإمام رحمه الله تعالى: «والقرآن...». وهكذا أيضاً نقول: ألم يتكلم الحجر؟ الحجر تكلم. ألا ما تكلم؟ معجزة من معجزات الرسول أنه كان يسلم عليه الحجر. الحجر إذا مر النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «السلام عليك يا رسول الله»، وهو حجر. والطعام كان يسبح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا وضع الطعام يسمع الصحابة تسبيح الطعام. فسبحان الذي أنطق الحجر، وسبحان الذي جعل الطعام يسبح، وسبحان الذي جعل المنبر يبكي. الإنسان يعرف قدرة الله عز وجل وعظيم خلقه، فيتواضع ويقول: آمنا به، كل من عند ربنا. لا يجادل في مثل هذه الأمور. كم من أخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سمع أعرابي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن. قال في الأعرابي: «إني كنت أحرث بالبقرة، فأردت أن أركبها، يركب البقرة، فقالت: إني لم أخلق...». البقرة تقول للرجل: «إني لم أخلق إلا للحراثة». فقال: سبحان الله، بقرة وتتكلم؟ قالت: «إن هناك ما هو أعجب: نبي بين الحرتين ينذر الناس». من الذي كنه بهذا البقرة؟ فأخذ نفسه، ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم. وخبر الذئب المتكلم، وإلى آخره. هذا مخلوق، فكيف بالخالق عز وجل؟ ولهذا بعض الناس لما تكبر عن هذا الأمر، كما في سورة المدثر في الوليد بن المغيرة: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾. أي القرآن: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾. لما جعل الوليد القرآن قول البشر، قال الله بعدها: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. فبان بهذا أن من يقول القرآن مخلوق، أو من كلام البشر، أو من كلام الشجر، فإن الله سيصليه سقر، كما قال عز وجل في الوليد: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، قال الله بعدها: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. وهكذا كل من يدعي أن القرآن مخلوق، فإنه كافر بالله العظيم، مكذب لله عز وجل. قال الإمام أحمد رحمه الله: «والقرآن كلام الله، وليس بمخلوق». ممن يقولون أن القرآن مخلوق: المعتزلة. ولهذا بعض الولاة جاءه رجل، وكان هذا الوالي متأثراً بالمعتزلة، قال: «أعظم الله أجرك أيها الوالي». قال: «ولم؟» قال: «إن القرآن قد مات». قال: «وهل القرآن يموت؟» قال: «كل مخلوق يموت، كل مخلوق يموت». فرجع الوالي إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، وأن القرآن كلام الله عز وجل، صفة من صفاته جل وعلا. قال الإمام أحمد رحمه الله: «والقرآن كلام الله، وليس بمخلوق، ولا يضعف أن يقول: ليس بمخلوق؛ لأنه من صفات الخالق، وما كان من صفات الخالق فليس مخلوقاً، ليس مخلوقاً. فإن كلام الله منه، أي ابتدأ منه. القرآن كلام الله، وكلام الله ابتدأ منه، فهو المتكلم به، فهو المتكلم به. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. فهو سمع من النبي صلى الله عليه وعليه وسلم كلام رب العالمين. فالكلام من الله عز وجل، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله عز وجل كلامه. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، حتى يسمع منك هذا المعنى، حتى يسمع منك، سمع من من؟ من الرسول. وماذا سمع؟ المسموع كلام من كلام الله عز وجل. حتى يسمع: أي منك كلام الله. فالكلام كلام الله عز وجل، منه بدأ، ينسب إليه جل وعلا، فيقال: هذا كلام الله. وكلمه ربه، وكلم الله موسى تكليماً. وعلماء اللغة يقولون: إن التوكيد ينفي المجاز. هذا أجمع عليها علماء البيان: أن التوكيد ينفي المجاز. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾، أي كلاما حقيقيا يليق بجلاله جل وعلا؛ لأن التوكيد ينفي المجاز. قال: «ولا يضعف أن يقول: ليس بمخلوق؛ فإن كلام الله منه، وليس ببائن منه». هو صفة من صفاته عز وجل، كالعلم والحياة والقدرة، وسائر الصفات الذاتية الخبرية، وكذلك الصفات الفعلية. فإن كلام الله منه، وليس ببائن منه، وليس منه شيء مخلوق. ثم قال: «وإياك ومناظرة من أحدث فيه، ومن قال باللفظ وغيره». هذا طائفة من الناس يقولون: لا نقول مخلوق، ولا غير مخلوق. ويقال: هذا ضلال عن سواء السبيل. بل نقول: إن كلام الله صفة من صفاته الذاتية والفعلية أيضاً، متعلقة بالمشيئة والإرادة. وكذلك أيضاً: ليس بمخلوق، صفة ذاتية لله عز وجل. فمن يقول: لا أقول بكذا أو كذا، فهو مبتدع، يا ذنب الله. قال: «ومن وقف فيه فقال: لا أدري، مخلوق أو ليس مخلوق، أو ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله؛ فهذا صاحب بدعة». هذا يبدع، يبدع بهذا الأمر، يصير خارجاً عن دائرة أهل السنة، ويصير مبتدعاً بقوله وانتمائه وجنوحه إلى هذه البدعة الظلماء. مثل من قال: هو مخلوق. أي حكمه كحكم من قال: القرآن مخلوق، عياذاً بالله، في أنه يبدع. والذي يقول القرآن مخلوق قد يكفر أيضاً. وإنما هو كلام الله وليس بمخلوق. هذه مسألة مهمة، وهي أننا نثبت لله عز وجل صفة الكلام على ما أثبتها الله جل وعلا لنفسه. قال جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فليس لله في ذاته شبيه أو مثيل، وليس لله في صفاته شبيه ولا مثيل. فكما أنه ليس لذاته مثيل، فكذلك ليس لصفاته مثيل، جل جلاله. هذه المباحث ينبغي طرقها وإسماعها وذكرها؛ فإنها العقيدة التي ينجو بها المسلم عند الله عز وجل. فأسأل الله عز وجل أن يوفقنا لهداه، وأن ينجينا يوم لقاه، وأن يصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. هذا، وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.