الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 17، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع قاعدة أهل السنة في وجوب طاعة ولاة الأمور وتحريم الخروج عليهم بالسلاح حتى لو كانوا ظلمة، مبيناً أن الخروج يجلب مفاسد أعظم. كما يوضح ضوابط حديث "إلا أن تروا كفراً بواحاً"، مؤكداً أن الحكم بالكفر من اختصاص العلماء الراسخين فقط ويشترط فيه اليقين والبرهان والاستطاعة.
يستعرض المقطع أحاديث صحيحة تؤكد وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر حتى مع الظلم وأخذ المال، وتحذر من نزع يد من طاعة أو الخروج عن الجماعة، مبينة أن من مات بلا بيعة مات ميتة جاهلية، مع استثناء الأمر بمعصية صريحة حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق دون أن يبرر الخروج.
يؤكد المقطع وجوب الصبر على ظلم الولاة وطاعتهم في المعروف استناداً للأحاديث المتواترة وإجماع العلماء، مستعرضاً منهج الأنبياء في الصبر كما فعل موسى، ونقل عن الحسن البصري وأنس بن مالك النهي عن الثورة. ويقرر أن الخروج يجلب الدمار وتمكين الأعداء، وأن عقيدة السلف تقتضي السمع والطاعة والوسطية.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لا نزال في هذه العقيدة النافعة: أصول السنة، المسماة بأصول السنة للإمامين العظيمين الجليلين: أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي، وأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهما الله تعالى، فيما سألهما تلميذهما الإمام الكبير أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رحمه الله تعالى. قالا، رحمه الله تعالى: «ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يدًا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة». وهذه الفقرة تضمنت مسائل مهمة، ومسائل عمت بها البلوى، فكأن هذين الإمامين يذكران لنا أدوية لأدواء عم ضررها وانتشر خطرها؛ فهم يصفون الدواء بصفة واضحة جلية، لا لبس فيها ولا خفاء ولا غموض ولا إجمال، بل بوضوح وبيان جلي لا يعتريه أي لبس أو إشكال: «ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يدًا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة». تضمنت عدة مسائل مهمة، أولاها: مسألة تحريم الخروج على الأئمة والحكام، وهذا أصل مجمع عليه عند أهل السنة والجماعة، وعند سلف الأمة الهداة الأعلام، ولم يخالف فيه إلا أهل الأهواء والبدع كَالخوارج والمعتزلة، الذين يرون الخروج على الأئمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى جعلوه أصلًا لهم، عياذًا بالله. وفي الباب زلات أقدام حصلت من بعض أهل السنة والجماعة، وهم صنف ثالث: فعندنا أهل السنة والجماعة، وعندنا أهل البدعة والضلالة، وعندنا أقوام من أئمة وعلماء أهل السنة زلت بهم الأقدام وأخطأوا، وأكثرهم رجع وتاب إلى الله عز وجل من هذا الخطأ الذي التبس عليه أمره، أكثرهم رجع عن هذا الأصل الذي التبس عليهم وأخطأوا فيه، ولا يجوز الاستدلال ولا التأصيل بالأخطاء عند أهل العلم، فالمسائل لا تبنى على زلة من عالم أو خطأ من مخطئ أخطأ فيه، كيف إذا كان أكثر هؤلاء ندم ورجع، كما جرى في فتنة عبد الرحمن بن الأشعث، ثبت ذلك بالأسانيد الصحيحة. ولا يُعلم خروج على ولاة الأمور إلا كان الضرر منه أضعاف أضعاف ما يظن أنه من المنافع، إلا صار الضرر أضعاف أضعاف ما يظن أنه منافع أو فوائد، ولهذا أجمع أهل السنة والجماعة وسلف الأمة على أنه لا يجوز الخروج -أي بالسلاح- على الأئمة، والمراد الأئمة المسلمون، والمراد بهذا القيد هم الأئمة المسلمون هم المرادون بهذا، وإن كانوا فجارًا أو بغاة أو ظلمة أو فسقة، وإن كانوا بغاة أو فجارًا أو ظلمة أو فسقة أو غشمة، فإن غشمهم وفسقهم وفسادهم وظلمهم لا يبيح لأحد الخروج عليهم طالبًا مظلمته منهم، وإن كان صاحب حق عليه، هذا الذي عليه إجماع أهل السنة والجماعة وإجماع سلف الأمة. وأما الكافر فسيأتي الكلام عليه في حديث عبادة بن الصامت الآتي: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان»، وهذه قيود عظيمة: «إلا أن تروا»، فليس يكفي فيها الظنون ولا الحدس ولا أخبار في صحة ثبوتها نظر، «إلا أن تروا» لا بد من اليقين في الوقوف على كفره، كفرًا بواحًا، أي ظاهرًا لا يختلف فيه، ولا يكون مما فيه نزاع أو خلاف أو خفاء، «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان». حينئذ لا بد من النظر في الاستطاعة، لأن الله عز وجل قال في القرآن الكريم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، وقال جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عن أبي هريرة: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، الحديث. فإن كان المسلمون عاجزين، أو تساوت المفسدة والمصلحة، أو نحو ذلك، أو كان فيه فساد عظيم، فلا يجوز الخروج، وإن كان الحاكم كافرًا قد ظهر كفره ببرهان واضح، وقد أتى بالكفر البواح، لا بد من الاستطاعة، كما يقوله أهل العلم كَالإمام العلامة مفتي المسلمين عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله تعالى، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة، لا يجوز أن يرمى المسلمون في الهلكة لمصالح مظنونة، كما يفعل أهل الطيش والجهال. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «إلا أن تروا»، إسناد الأمور إلى أهلها، فليس تكفير هذا الوالي والحاكم لكل أحد، ولا لآحاد الناس، ولا لأنصاف طلاب العلم، ولا لدعاة لا يحسنون الفقه ولا الفتوى، وإنما هذا من خصائص أهل العلم الراسخين المعروفين الذين عرفوا بالسنة وبالقدم في الأمة، فمثل هؤلاء هذا بابه، وليس كل من تحزب أو تعصب أو ذهب في جهة عمية أو عصبية قال: «أنا أفتي بكفره»، هذا مردود بقوله صلى الله عليه وسلم: «إلا أن تروا»، والمراد العلماء، المراد العلماء الربانيون الراسخون في العلم، فهم الذين يستنبطونه ويعرفون هذه الأمور، ويناصحون فيها، ويقيمون الحجة، ويزيلون الشبهة حتى تتم عليهم الحجة، ثم ينظرون في صالح الإسلام والمسلمين: هل يستطيع المسلمون أن يقيموا هذا الرجل ويبعدوه، أم أنهم عاجزون عن ذلك؟ هذه مسألة عظيمة، هذه مسألة كبيرة جدًا من كبار مسائل العلم، هذه المسألة من المسائل الكبار كما يقال. وأكثر الموجودين اليوم من الحكام ليسوا كفارًا، ليسوا كفارًا، أكثر الموجودين ليسوا كفارًا، والخطأ وارد، والنصح مأذون من أهل العلم في البلدان. إذا رجعنا إلى قسم المسلمين، إذا رجعنا إلى المسلمين، وأعني بهم من يشتبه في جواز الخروج عليهم لكونهم فسقة أو ظلمة أو جبارين، فهذا موضع قد جاءت فيه النصوص مستفيضة، مستفيضة ومتواترة، فيه أحاديث كثيرة، وهذا من أعلام الساعة، أحاديث عظيمة، منها ما جاء في صحيح الإمام مسلم، ما جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه، وحذيفة بن اليمان صاحب السر، وهو من المتخصصين في علم أحاديث الفتن ما ليس لغيره مثله في بابه، رحمه الله ورضي الله عنه وعن سائر الصحابة. سأَل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه طريق الإمام مسلم: «يا رسول الله، إنا كنا في شر فجاء الله بخير، فنحن فيه»، أي أمر النبوة وما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، «فهل وراء هذا الخير من شر؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم»، هذه المرة الأولى، قال: «قلت: وهل وراء ذلك الشر من خير؟» قال: «نعم»، هذه الثانية، قال: «قلت: وهل وراء ذلك الخير من شر؟» قال: «نعم»، هذه الثالثة. قال حذيفة رضي الله عنه: «قلت: كيف؟» قال صلى الله عليه وسلم: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس»، هكذا، هكذا وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس»، قوم أو أئمة يكون بعده أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: «قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركني ذلك؟» وهذا سؤال عظيم، فيه إسناد الأمور إلى أهلها، فيه إسناد الأمور إلى أهلها، وأن لا يتكل المرء على رأيه أو رأي حزبه أو رأي أميره الذي نصبه عليه، «كيف أصنع يا رسول الله إن أدركني ذلك؟» وهذا فيه نفع للمسلمين بعد حذيفة، ولعله يعلم أنه لن يدرك هذا الأمر، لعله يعلم هذا، ولكنه أراد إتمام العلم، أراد إتمام العلم والمسألة حتى ينتفع به. قال: «يا رسول الله، كيف أصنع إن أدركني ذلك؟» فقال صلى الله عليه وسلم: «تسمع وتطيع للأمير الذي تقدم وصفه، تسمع وتطيع للأمير، وإن أخذ مالك وضرب ظهرك، فاسمع وأطع». هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم، وأعل الدارقطني علة في إسناده، ومسلم ساق الحديث في أول الباب ثم أردف بعده بأحاديث كثيرة، إشارة من الإمام مسلم إلى أن هذا المتن له شواهد كثيرة جدًا، إذا نظر إليها المحدث جزم أن هذا الحديث مقبول محتج به، خلافًا لبعض من لم يتأمل المسألة، فالحديث له طرق، طرق في صحيح مسلم نفسه، سيأتي بعضه، طرق في صحيح البخاري، طرق في السنن: في سنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجة، وفي مسند الإمام أحمد، وفي غيرها من دواوين السنة: «تسمع وتطيع للأمير الذي تقدم وصفه، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»، ثم أعاد النبي صلى الله عليه وسلم العامل تأكيدًا، فقال: «فاسمع وأطع». وهذا من أعلام النبوة، نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. في الصحيحين أيضًا، في صحيح البخاري ومسلم، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه»، في رواية: «من رأى من أميره يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي، ولا ينزعن يدًا من طاعة»، في رواية مسلم: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه»، أي من معصية الله، ومن مخالفة السنن، ومن الظلم أو غير ذلك، «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر»، أي وإن وقع عليه، وإن كان في حقه، فليصبر، «فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتة جاهلية»، في رواية لمسلم: «فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرًا»، «فإنه ليس أحد خرج من السلطان شبرًا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية». وقوله صلى الله عليه وسلم: «قيد شبر، شبرًا»، دليل على أن الخروج والفرقة، وإن كانت يسيرة، فإنها منهي عنها، شبر واحد أو قيد شبر، هذا ربما يكون يسيرًا عند بعض الناس، ولكنه عظيم عند الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، إذا مات هذا الذي خرج شبرًا أو نحوه على ذلك الشبر الذي هو خارج فيه عن طاعة الولاة التي شرعها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، مات حال كونه خارجًا شبرًا، إلا مات ميتة جاهلية، هذا الوصف يدل على أن هذه الميتة من كبائر الذنوب، من كبائر الذنوب، نسأل الله العافية والسلامة، فإن وصف الأمر بالجاهلية يدل على شناعة الذنب، وأنه ليس ذنبًا من الذنوب التي تستصغر، وإنما هو من الذنوب التي تستعظم عند أهل الإيمان وأهل العلم والدين. أيضًا في صحيح الإمام مسلم رحمه الله عن نافع أن ابن عمر خرج إلى عبد الله بن مطيع، عبد الله، عبد الله بن مطيع كان قد خرج على الحجاج وقاتله يوم الحرة، ثم هرب أن المعركة وقد اشتدت المعركة، فلحق بابن الزبير رضي الله عنه في مكة، ثم أراد القتال معه، فجاءه عبد الله بن عمر ناصحًا له، جاءه عبد الله بن عمر ناصحًا له، فلما رآه عبد الله بن مطيع وهو من قريش قرشي، قال: «هاتوا الوسادة، اطرحوا لأبي عبد الرحمن الوسادة، أو وسادة»، فقال عبد الله بن عمر: «إني لم آت لأجلس، ولكني أتيتك لأحدثك حديثًا سمعته من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له»، أي ليس له عذر يعتذر به عند الله عز وجل، مهما ذكر واعتذر وتحجج والتمس لنفسه عذرًا، فإن الله لا يقبل ذلك العذر بل يرده عليه، «من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». هذا أيضًا حديث ابن عمر في صحيح الإمام مسلم. في الباب أيضًا حديث أبي هريرة رضي الله عنه بمسلم وغيره، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك»، «عليك الطاعة»، أي من ولي عليك، «السمع والطاعة في عسرك ويسرك، سواء كنت موسرًا، سواء كنت معسرًا»، والسبب ظلم الوالي معسرًا، «في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، حال كونك راضي النفس، أو حال كونك غضبان»، عياذًا بالنفس، «وأثرة عليك»، أي يستأثرون عليك بالمال، بالحق الذي لك لا تكاد تعطاه، مع هذا عليك السمع والطاعة. نفس الحديث أيضًا في صحيح مسلم، أخرجه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية»، «فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»، لكن عدم السمع والطاعة حال كونه آمرًا بمعصية لا يعني الخروج ومفارقة الجماعة، فهذا باب، وهذا باب آخر، ولا يجوز خلط البابين، عدم عمل المعصية إذا أمر بها الوالي لا يعني الخروج عليه، ولا يعني نزع اليد من طاعته، ولا يعني سقوط وجوب السمع له والطاعة. في حديث عبادة بن الصامت المشهور: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن نرى»، «إلا أن تروا»، «وعلى أن نقول الحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم»، هذه رواية مسلم، هذه رواية الإمام مسلم في الصحيح، أيضًا: «إلا أن تروا»، وهذه رواية أيضًا في مسلم، متفق عليه: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان». أيضًا من الأحاديث الواردة، وكما تقدم الأحاديث متواترة في الباب، ما جاء في صحيح مسلم أيضًا عن جندب بن عبد الله، قال صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، «إنكم ستلقون بعدي أثرة»، أي استئثارًا وظلما في أخذ حقكم الذي لكم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر: «فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». الأحاديث في هذا الباب كثيرة، في حديث ابن مسعود أيضًا نحو هذا المعنى، قالوا: «فما تأمرنا يا رسول الله؟» قال: «أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم»، هكذا في حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، لا، الأحاديث في هذا كثيرة جدًا، ساقها الإمام البخاري في كتاب الفتن من صحيحه. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وهذه الآية أصل في هذا الباب في وجوب الطاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولمن ولاهم الله أمر المسلمين، وجوب الطاعة، وهذه الطاعة مقيدة بالمعروف، فلا يجوز طاعتهم في المعصية، ولا التبرير لأخطائهم، ولا الاشتغال بالاعتذار لهم فيما عصوا فيه ربهم، هذا غلط، هذا غلط، هذا ليس من طريقة أهل السنة والجماعة، اشتغال بالتماس الأعذار ونحوه، ولكن الواجب الإنكار في القلب، وكراهة المعصية، من كره في بعض الروايات في صحيح مسلم: «فمن كره فقد برئ»، ولكن من رضي وتابع، هذا الذي يلام، أما الذي كره فإنه برئ. هذا الأصل دلت عليه كثير من الدلائل، وحصلت فيه، وحصل عليه إجماع أهل العلم على أنه لا يجوز منازعة الأولياء لفسقهم وضلالهم وظلمهم وفجورهم ونحو ذلك، وأنه يجب الصبر عليهم، يجب على المسلمين أن يصبروا عليهم، يجب أن يصبروا على هؤلاء الأئمة، ولا يطيعوهم في معصيتهم، لأنه لا يجوز دفع مفسدة صغرى، قد يقول قائل: «أنا صاحب حق، أخذت أرضي، أو ظلمت في مظلمة كذا وكذا»، قلنا: أنت مظلوم، ولكن أخذك لحقك سيورث الناس فسادًا عريضًا أعظم من فساد الظلم الذي وقع، ولهذا نقل الإجماع أعداد غفيرة من أهل العلم، كابن بطال في شرحه، والقرطبي، والنووي أيضًا، كابن بطال والنووي وابن تيمية في مجموع الفتاوى، وفي كتاب الاستقامة، وفي منهاج السنة مواضع كثيرة، ينقل شيخ الإسلام ابن تيمية استقرار أمر أهل السنة على هذا الأصل وإجماعهم عليه، وأنهم لا ينزعون يدًا من طاعة، وأن من أراد الإصلاح أو أخذ الظلم أو أخذ ما ظلم منه، فإنه لا بد أن يكون في الأمر فساد أعظم، قالوا: لهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وينضرب ظهره ويأخذ ماله، يجب الصبر، هذا الأصل هو الذي اجتمع عليه أهل السنة والجماعة، ومن خالفه لهوى، فلا شك أنهم يعدون من أهل الأهواء والبدع. ثبت أيضًا في الباب عن أحد سادات التابعين، بل عدة سادات التابعين عند جماعة من أهل العلم، وهو الحسن البصري، رحمه الله تعالى وغفر له، أنه جاءه أقوام رهط من الناس يطلبون منه فتوى في الخروج مع ابن الأشعث في تلك الفتن، فنهاهم، وقال لهم: «الزموا بيوتكم، ولا تنزعوا يدًا من طاعة»، قالوا: «إن الحجاج قد فعل وفعل، وسفك الدماء، وعمل المنكرات، وفعل كذا وكذا»، فقال كلمة تعد منهجًا من مناهج السلف، تحتاج إلى وقفات في بيانها: «لو أن الناس صبروا على حكامهم لأوشك الله أن يغير حالهم، لو أن الناس صبروا على ولاتهم لأوشك الله أن يغير حالهم، ولكنهم يلجأون إلى السيف فيوكلون إليه، فلا والله ما رأوا خيرًا قط». إن الله عز وجل قال في بني إسرائيل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿قَالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾، الاستدلال العظيم من هذا الإمام، هذا الاستدلال استدلال عظيم، معناه: ألا تقرؤون القرآن وتعلمون حال فرعون الذي قال الله عز وجل فيه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، وجاء قوم موسى إلى موسى عليه السلام، وقد فعل فرعون فيهم أعظم الفساد، يذبح أبناءهم الصغار، ويستبقي نساءهم للخدمة، ويسخرهم بالسخرة، أي العبودية، ويذلهم غاية الذل، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، قالوا: ﴿يَا مُوسَى أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، هذا عظيم، ونحن في حكم هذا الحاكم الذي يقول: «أنا ربكم الأعلى»، ويقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾، فهو أكفر أهل الأرض، أكفر أهل الأرض، وهو الذي قال الكلمة الشنعاء، وقال أقبح الدعوة، فكان الجواب من موسى عليه السلام في الآية الأخرى: قال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾، قال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أمرهم بأمرين، قال موسى لقومه: هذا الجواب، هذا منهج الأنبياء، كل الأنبياء على هذا المنهج، قال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾، قال المفسرون: أن يرجعوا إليه، وراجعوا أنفسكم، فربما سلط عليكم هذا بذنوبكم وأخطائكم وتقصيركم وظلمكم، فأعيدوا النظر في أنفسكم، ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ بطاعته، واستغفروا الله، وارجعوا إلى الله، توبوا إلى الله، ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾، والأمر الثاني: ﴿وَاصْبِرُوا﴾، لم يقل لهم: اصنعوا اعتصامًا في ساحة التحرير، أو اخرجوا مظاهرات بعد ساعة كذا، وطوفوا الشوارع، وقولوا: «يسقط فرعون، يسقط فرعون، ارحل، ارحل، ارحل، go out, go out» إلى آخر، لم يقل هذا، قال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾. قال الله سبحانه وتعالى في بيان عاقبة الصبر على مثل فرعون، فضلًا عمن هو دون فرعون: قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ﴾، قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا﴾، ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، شاهد، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾، هذه العلة المؤثرة في الحكم، هذا مناط المسألة، مناط المسألة، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، كلمة كونية وإرادة شرعية، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾، من تلك القصور وتلك المعسكرات وتلك الكم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، نفس الكلمة التي قالها موسى عليه السلام، قال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾. جاءوا إلى أنس يشكون ظلم الحجاج، ومنهم من يرى كفره، قال أنس: «سمعت النبي صلى الله... قال: اصبروا، اصبروا، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم: إنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم: اصبروا». هذا منهج الأنبياء، الصبر، اليوم ماذا تستفيد كثير من الشعوب بمثل المنازعة؟ لا تستفيد إلا الدمار والاضمحلال، وتسلط الأعداء، وفواحش عظيمة، ولهذا يقرر أهل السنة والجماعة هذا الأصل، هذا الأصل ليس هذا مجاملة لزيد الفاسق أو الظالم، أو حتى الكافر إذا لم يستطع للخروج عليه مع ترتب المصالح الكبرى وندرة المفاسد. قالوا، رحمهم الله: «ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يدًا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة». هذه عقيدة السلف التي من لقي الله عز وجل بها نجا، من لقي الله عز وجل بها نجا، أما من يشتغل بعتبات الولاة والاعتذارات ونحوها، فهذا على خطر، نسأل الله العافية، هذا على خطر، على خطر، نسأل الله العافية، وهذه من فعائل المرجئة، كما يقول ابن تيمية، رحمه الله تعالى، فلا إفراط ولا تفريط، والحق وسط بين غلو غلو، وبين جفاء وضياع. لا زال الكلام مستمرًا، ونحن الآن في المسألة الأولى، وبقي الكلام على المسألة الثانية. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.