شرح أصول السنة للرازيين 30

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 30، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

علامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر وتشبيههم بموقف المشركين

يبيّن المقطع أن من أبرز علامات أهل البدع الطعن في أهل السنة بألقاب مذمومة لصرف الناس عنهم، ويسوق شبه المشركين على النبي ﷺ ورد القرآن عليها مستدلاً بحوار هرقل وأبي سفيان.

علامات الفرق الضالة في طعنها بأهل الأثر والسنة

يستعرض المقطع ألقاب الجهمية والقدرية والمرجئة لأهل الأثر مبيناً أن طعنهم سببه العقيدة، وأن أهل السنة برآء من التهم مستدلين بآيات وأقوال سلفية.

عقيدة أهل السنة في الإيمان وفضلهم في العقل والحجة

يشرح المقطع عقيدة أهل السنة في زيادة الإيمان ونقصانه، ويرد على تسمية الرافضة لهم بالنواصب مؤكدين حبهم لآل البيت، وينقل ثناء ابن تيمية على عقول أهل الحديث.

ثبات أهل السنة على الحق في فتن الربيع العربي وجهاد الروافض

يؤكد المتحدث أن موقف أهل السنة الرافض للربيع العربي ثبتت صحته بالدمار الحاصل، وأنهم وحدهم تصدوا لجهاد الروافض في اليمن محققين وصف ابن تيمية لهم بحماة الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلازلنا في هذا الجزء النافع، وهو «أصول السنة وعقيدة السلف» للإمامين الجليلين الحافظين الكبيرين: أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي، وأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهم الله. وكنا قد أكملنا ما أملاه هذان الإمامان على تلميذهما أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رحمه الله تعالى وغفر له. وبقيت قطعة ألحقها الإمام الكبير أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم فيما سمعه من أبيه. قال أبو محمد: وسمعت أبي يقول: «وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الآثار حشوية، يريدون إبطال الآثار، وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة، وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصالية، وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة ناصبة، ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد، ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء». هذه الجملة فيها بيان هذه المسألة الجليلة، وهي علامة شهيرة من علامات أهل الأهواء والبدع، علامة شهيرة ظاهرة لكل ذي عينين، ولمن كان ذا قلب سليم من الأهواء، يراها كأنها الشمس في وضوحها وجلائها وظهورها. أهل البدع والأهواء لهم علامات كثيرة، تقدم ذكر جمل من عقائد أهل السنة، وكل ما خالفوا فيه أهل السنة فهو علامة على ضلالتهم وبدعتهم، وعلامة وسمة لهم؛ أي مخالفاتهم هي سماتهم وعلاماتهم. ما كان من مخالفاتهم فإنها سماتهم وعلاماتهم. وهذه علامة ظاهرة في أهل البدع والأهواء، يريدون بها تنفير الناس عن أهل السنة والأثر، وصرفهم عن الاستماع إليهم، وإبعادهم عنهم، سواء كان هذا في حق الولاة والحكام، أو في حق عامة الناس، أو غيرهم. هكذا يسلكون. قال أبو محمد: وسمعت أبي يقول: «وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر». وهذا الأمر ليس بأمر جديد، فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو إمام أهل الأثر، طعن فيه بأنواع الطعون، طعن فيه بأنواع المطاعن العظيمة التي هو منها جميعا براء، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا مسلك المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم اقتسموا ألوان الطعن في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: تارة يقولون هو مجنون، وتارة يقولون هو كاهن، وتارة يقولون هو ساحر، وتارة يقولون هو شاعر، في طعون كثيرة يطعنون بها في نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن أول طعونهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم دعواهم أنه مجنون، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذه من أول طعونهم فيه، وراجت في مكة في وصف رسوله، في تنفيرهم عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]، أي بعد أن سمعوا من الحجج الظاهرة والبينات القاهرة ما سمعوا، وقالوا: معلم مجنون، ثم تولوا عنه. وقال جل جلاله مبينا براءة النبي صلى الله عليه وسلم من هذه التهمة العظيمة: ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢-٥٣]. وقال عز وجل: ﴿وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤]. ودافع الله عن نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبينا أن هذا كله طعن في غير موضعه. قال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ١-٢]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]. هذه الشبهة، وهذه الشبه التي طعن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، براءه الله عز وجل منها غاية البراء. هذا الذي جاءكم به هذا الرجل، أهو كلام المجانين أم هو كلام أعقل العاقلين؟ إنكم لتعترفون بقوة الكلام وأنه يُعلى ولا يُعلى عليه، أفيأتي بمثل هذا من تسمونه بالجنون؟ سبحان الله. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. هذه الآية من الآيات العظيمة في مجادلة المشركين. فبعد أن جادلهم صلى الله عليه وسلم بالقرآن، كانوا يأتون أبا طالب ويقولون: إن هذا، إن ابن أخيك يسب آلهتنا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ﴾، أي أناظركم وأعظكم موعظة من يريد نجاتكم، والموعظة فيها تخويف، فيها تخويف بواحدة، أي بقضية واحدة، هذه التي بيني وبينكم، كما يقول القائلون. فالخلاصة، الخلاصة كذا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ﴾، ليس لأجل عصبية عشائرية كما أدخلتم أنفسكم في الشرك، تعصبا للقبائل وللشعوب ونحوها، مودة بينكم في الحياة الدنيا، دخلتم في هذه الأبواب من أجل المودة أو نحوها. لا، ﴿قُومُوا لِلَّهِ﴾. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾، أن يجنس أحدكم مع شخص آخر يتأملون في حال هذا الرجل الذي تعرفونه، لأن الجمعة ربما وجد فيه أهل أهواء فيضطرب الجمع، ولا تجتمعوا كلمة ولا رأي. لكنكم إن كنتم مثنى وفرادة، يجنس أحدكم وحده ويبتغي الأجل ويراقب الله، ﴿أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾، تتأملون في هذا الرجل، تتأملون فيه، ﴿مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ﴾، هل هذا مجنون كما تدعون، وكما تقولون، وكما تأفكونه وتلمزونه، وهو من هذا براء؟ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. ولهذا قال النضر بن الحارث: «فلما رأيتم الشيب في صدغيه قلتم شاعر، وقلتم كاهن، وقلتم مجنون، والله ما هو بأولئكم، ما هو بأولئكم». ويقولون عنه كذب، ويقولون عنه كذب. ولهذا لما وقف أبو سفيان قبل إسلامه رضي الله عنه مع هرقل، قال له هرقل: «هل كنتم تنقمون عليه كذبا قبل أن يقول ما قال؟» وهذا سؤال عظيم، هذا سؤال يدل على العقل، عقل السائل: هل تنقمون عليه كذبا؟ هل تأثرون عليه كذبا قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. قال: «فما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله عز وجل». كيف أنتم تقولون قبل مدة، وهذا الرجل قد نشأ فيكم، أدركتم طفولته وأدركتم شبابه وأدركتم كهولته، فلما صار كهلا وأنتم تعرفونه في طيلة حياته صادقا، قلتم عنه كذب؟ هذا هو الافتراء والميل، نسأل الله العافية والسلام. قال: «ما كان ليذر الكذب على الناس أو ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله عز وجل». هذا بعيد، هذا بعيد. وقلتم شاعر، وليس بشاعر، فإن هذا الكلام ليس من الشعر في شيء، حتى إن الوليد بن المغيرة قال: «إنه ليس بشعر، وإنه لشيء آخر، ليس بشعر». قلتم ساحر وكاهن، وهذه الصناعة لم تعرفوها عنه من قبل، وليست مما يوجد دون تعلم وممارسة لفترات طويلة حتى يكون المرء ساحرا وكاهنا. فكيف بمجرد أن دعاكم إلى الهدى لمزتموه بصناعة لا تؤخذ إلا في سنين وأعوام؟ هذا يدل على الظلم والافتراء، عياذا بالله. ولهذا نزه الله نبيه، نزه الله نبيه: ﴿وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤]، الأصل أنهم عجبوا وتعصبوا فقالوا ما قالوا. ويقولنا: ﴿إِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦]. الآيات في مثل هذا كثير. ولقد نعلم أنهم يقولون: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. فالله عز وجل برأ نبيه صلى الله عليه وسلم من ذلك كله. وقال جل وعلا: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨]، أي هذه الألقاب: ساحر، كاهن، مجنون، به جنة، إلى آخر. ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا﴾، أي ضلوا عن قصد السبيل ومعرفة الحق، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، لا يستطيعون معرفة حقيقة الأمر وجليته. ولهذا ما سلم الله من بريته، كما قال الشاعر: «ما سلم الله من بريته * ولا نبي الهدى، فكيف أنا» فأهل السنة وارثون رسول الله صلى الله عليه وسلم، اجتمعت الطوائف وأهل الأهواء والبدع على الوقيعة فيه والطعن فيه. قال رحمه الله تعالى: «وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر». وأهل الأثر المراد بهم السائرون على الكتاب والسنة، وما ثبت وصح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما صح عن سلف الأمة من الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، رضي الله عنهم أجمعين. هذا مسمى أهل الأثر. فأهل الأثر هم أهل السنة والجماعة، أهل الأثر هم السلفيون، أهل الأثر هم أهل الحديث، أهل الأثر هم المتمسكون بالكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ومن سار على نهجهم بإحسان إلى يوم الدين. هؤلاء هم أهل الأثر. وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، أي الطعن الدائم في أهل الأثر. وهم حينما يطعنون فيهم لا يطعنون فيهم لأجل أشخاصهم أو ذواتهم أو قبائلهم أو أنسابهم، إنما يطعنون فيهم لأجل تمسكهم بالأثر وعقيدة أهل السنة والجماعة، فالطعن لأجل خلاف العقائد، وليس لأجل اختلاف الأشخاص ونحوهم. فارق بين من يطعن في شخص لأجل نسبه، أو يطعن في شخص لأجل أنه حسده، وبين من يطعن في شخص لأجل عقيدته. هذا هو المراد هاهنا: من يطعنون في أهل السنة لأجل أنهم أهل سنة، فهذه علامة أهل البدع والأهواء المضلة، نسأل الله العافية والسلام. علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، هذا يدل على شدة بغضهم وعظيم عداوتهم لأهل الحديث وأهل السنة والجماعة، فإن الوقيعة لا تكون إلا مع البغضاء والعداوة، مع البغضاء الشديد والعداء العظيم، فيكون حينئذ الرجل وقاعا في أهل الأثر، في علمائهم، لأنهم خالفوهم في عقائدهم. ولهذا قال أحمد بن سنان الواسطي: «ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، فإذا ابتدع الرجل نزعت حلاوة الحديث من قلبه، فإذا ابتدع الرجل نزعت حلاوة الحديث من قلبه». فتراهم يبغضون أهل الحديث بغضا عظيما، ويكرهونهم كرها شديدا، حتى إن الناظر ليتعجب في الأمر، حتى إن الناظر ليتعجب في هذا الأمر غاية العجب. فهم من أصلح الناس، أو أصلح الناس في مجتمعاتهم كما سيأتي، وهم أعظم الناس تقوى لله، وهم أكثر الناس علما بالله، وهم أعظم الناس عقولا كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهم أحسن الناس رأيا. وما من حسنة عند مبتدع إلا وتجدها في أهل الحديث والأثر بأعظم منها وأجمل منها وأكبر منها وأفضل منها، لأنهم اهتدوا بهداية الله عز وجل، فهداهم الله عز وجل في دنياه، وهداهم قبل ذلك فيما ينجيهم في أخراهم. لتمسكهم بالحق زكت علومهم، وزكت نفوسهم، وزكت أفهامهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، هذه علامة ظاهرة لأهل البدع، يطعنون في أهل السنة طعنا شديدا، يقعون فيهم بألقاب فضيعة، يكذبون عليهم، يفترون عليهم، يلبسونهم غير أثوابهم، ظالمين لهم، نسأل الله العافية والسلام. وهذا قد سبق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يضر أهل الحق شيئا. قال رحمه الله تعالى: «وعلامة الزنادقة». الزنادقة هم الذين يظهرون الإسلام أو يظهرون التدين، وهم من المنافقين، ويدخل في ذلك أهل الإلحاد منهم، يدخل في ذلك أنواع من الملاحدة، فهم زنادقة. والزنادقة من أشد المنافقين، الزنادقة من أشد المنافقين، عياذا بالله. وعلامة الزنادقة، يعني التي إذا سمعتها عرفت أنه من هؤلاء أو ممن يجالس هؤلاء: تسميتهم أهل الأثر حشوية. حشوية، بسكون الشين، ومن اللحن أن يقول حشوية، كما نبه الحافظ بن الصلاح رحمه الله تعالى. حشوية من الحشو، وهو الشيء الذي لا فائدة منه، الشيء الذي لا فائدة منه. وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر حشوية، قال رحمه الله: «يريدون إبطال الآثار». لأنهم يستدلون بالسنة وبما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، والزنادقة يريدون غير ذلك، لا يريدون استدلالا بالنصوص الشرعية، فيثقل عليهم سماع الأدلة والنصوص، فهم يقولون مستهزئين مستخفين طاعنين: «هؤلاء حشوية، هؤلاء أصحاب الحشو»، أي أصحاب العلم الذي لا فائدة منه، هكذا يزعمون، أصحاب اشتغال بما لا ثمرة له، يريدون إبطال الآثار، أي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ثبت عن الصحابة. قال رحمه الله تعالى: «وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة». هذه علامة الجهمية إلى زماننا هذا، فما من أحد فيه شعبة من التجهم، قلت أم كثرت، إلا ويقول بلسان مقاله: «هؤلاء مشبهة، أنتم عندكم تشبيه، هؤلاء يشبهون». ويريدون بهذا أن من أثبت الصفات لله عز وجل فهو مشبه، لأن إثبات الصفات تشبيه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فنفى مماثلته لخلقه، ثم أثبت سبحانه وتعالى أنه سميع بصير. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فإذا سمعت الرجل يقول: «هؤلاء مشبهة»، فاعلم أنه جهمي أو مجالس متأثر بالجهمية، نسأل الله العافية والسلام. قال رحمه الله تعالى: «وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة». لأنهم خالفوهم في عقيدتهم، وأثبتوا أن أفعال العباد بمشيئة الله عز وجل، وأنها بأمر الله سبحانه وتعالى، فهم يقولون في فهمهم: «أنتم مجبرة». وأهل السنة ليسوا مجبرة، إنما أثبتوا القضاء والقدر على ما تقتضيه الشريعة والنصوص، أثبتوا القضاء والقدر على ما تقتضيه الشريعة والنصوص. قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، فمشيئة العباد ثابتة لكنها تابعة لمشيئة الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، سبحانه وتعالى. فهذه علامة القدرية، فإذا سمعت الرجل يلمز أهل السنة والجماعة وأهل الأثر بأنهم مجبرة، فاعلم أنه من القدرية أو ممن جالس القدرية، عياذا بالله. فهذا من تهمهم لأهل السنة، أي في ذلك الزمان. قال رحمه الله تعالى: «وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصالية». لأنهم، أي أهل السنة، أي أهل السنة والجماعة، يرون أن الإيمان يزيد وينقص، وأن زيادته بطاعة الله عز وجل، وأن نقصانه بمعصية الله سبحانه وتعالى، فهو يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. فقالوا: «أنتم نقصالية»، نسبة إلى النقص، «مخالفة»، أي تجعلون الإيمان مختلفا، طاعة ومعصية، تجعلونه مختلفا مختلطا، فيه طاعة وفيه معصية، وهذا لا يكون، أي في أصول المرجئة. أهل السنة أثبتوا الزيادة والنقصان. ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، فدل على زيادة الإيمان. وإذا ثبتت الزيادة دل على أن ما كان عليه من قبل كان نقصا. وأدلة ذلك تقدمت مفصلة في المجالس السابقة، ولا داعي لإعادتها. قال رحمه الله تعالى: «وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة ناصبة». أي أنهم نصبوا العداء لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا كذب وافتراء وظلم من هؤلاء جميعا. فأهل السنة والجماعة يحبون آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا شرعيا، لا يغلون فيهم غلو الرافضة، وغلات المتصوفة الذين يجعلون لهم من خصائص الله عز وجل، ويصرفون لهم العبادة والدعاء والتماس البركة وقصدهم، وقصدهم بأمور لا يقصد بها إلا الله عز وجل، فهذا من الغلو المذموم. فنحن نحب آل بيت رسول الله حبا شرعيا، حبا شرعيا، أي على ما تقتضيه الشريعة، على ما تقتضيه شريعة الإسلام من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. على أن الرافضة متوسعون في دعوى النسبة إلى آل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالرافضة من أكذب الناس في أنسابهم، ومن أكذب الناس في كلامهم، فهم معروفون بالكذب العظيم، معروفون بالكذب العظيم. قال رحمه الله تعالى: «وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة ناصبة». فإذا سمعت الرجل يقول: «هذا ناصبي، أو هؤلاء نواصب»، فاعلم أن هذا رافضي أو مجالس للروافض وتأثر بهم، نسأل الله العافية والسلام. قال رحمه الله تعالى: «وَلَا يَلْحَقُ أَهْلَ السُّنَّةِ إِلَّا اسْمٌ وَاحِدٌ». أي لو نظرت إلى طعون الطاعنين، لا يمكن أن تجتمع جميعا في شخص واحد، لا يمكن أن تجتمع جميعا في شخص واحد، لأنها طعون متباينة، طعون متباينة، طعون لا يمكن أن يجمعها شخص واحد. ولهذا يقول رحمه الله: «ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد»، وهو أهل السنة والجماعة، أو أهل الأثر، أو السلفيون، أو أتباع سلف الأمة، أو أهل الحديث. هذه أسماء أهل السنة والجماعة في كل زمان، في كل زمان اشتهروا بهذه الأسماء، فيقال: أهل الحديث، ويقال أيضا: أهل الأثر، كما في هذا الكتاب: «وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر»، أي في أهل السنة والجماعة، أهل الحديث، أتباع سلف الأمة، السلفيون. قال رحمه الله تعالى: «ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء»، أي لا يمكن أن يكون أهل السنة فيهم كل تلك الأسماء، كل تلك الأسماء. فالغالي في باب القدر يصفهم بالمجبرة، هذا الغالي في النفي، والغالي في الإثبات ربما وصفهم بضد ذلك، فبأي الصفتين هما أولى؟ وهكذا في سائر الصفات المذكورة، في سائر الصفات المذكورة. ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد، وهو أهل السنة والأثر، أهل الحديث، أهل السنة والجماعة، أتباع سلف الأمة، أهل الأثر، أو السلفيون. كل هذه الأسماء موجودة من زمان قديم، موجودة من زمان قديم. ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد، ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء كلها. ومن العجب أن يسأل هؤلاء جميعا: ما تنقمون من أهل السنة والجماعة، أهل الأثر، في عقائدهم؟ ومن الذي تفضلون أنفسكم فيه عليهم؟ فإذا قلتم: نفضل أنفسنا عليهم في الزهد، قيل لكم: بل أعظم الزهد في أهل السنة والأثر. إن قلتم: نفضل أنفسنا عليهم بالعقل، فأعقل الناس هم أهل السنة في المسلمين، أعقل الناس في المسلمين، أعظمهم عقولا هم أهل السنة. إن قلتم: في الحجج، فأسد الناس حجته وأعظمهم بيانا للحجة وأقواهم استدلالا أهل الأثر وأهل الحديث في كل زمان. ولهذا يعترف بهذا المخالفون قبل غيرهم. هناك كلام جميل لابن تيمية، شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، في هذا الموضع، إنصافا لأهل الحديث، يقول رحمه الله: «وأما كونهم، أي أهل الحديث والسلف الصالحين، أعلم ممن بعدهم وأحكم، وأن مخالفهم عقب الجهل والحشو، فمن المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما ينتحلون، فيما يتحلون به من صفات الكمال، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم. فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقا أخرى، مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة والمكاشفة والمخاطبة والوجد والذوق ونحو ذلك. وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها، لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها، فهم أكمل الناس عقلا، وأعدلهم تقييسا، وأصوبهم رأيا، وأسدهم كلاما، وأصحهم نظرا، وأهداهم استدلالا، وأقومهم جدلا، وأتمهم فراسة، وأصدقهم إلهاما، وأحدهم بصرا ومكاشفة، وأصوبهم سمعا ومخاطبة، وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا». وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل. فكل من استقرأ أحوال العالم، فكل من استقرأ أحوال العالم، وجد المسلمين أحد وأسد عقلا. هكذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحد من الحدة، من حد السيد، أحد وأسد عقلا، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال». قال رحمه الله: «وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك متمتعين، أي متمتعين بعقولهم، فعقولهم أحسن العقول، وآراؤهم أحسن الآراء، ونصائحهم أحسن النصائح، وكذلك فكرهم أحسن الأفكار». سبحان الله، وهذا إكراما من الله عز وجل لهم، لأنهم أخذوا بكتاب الله عز وجل فزكت، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يقدموا عليهما رأيا ولا هوى. قال رحمه الله تعالى: «فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحد وأسد عقلا، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال. وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك متمتعين، وذلك لأن اعتقادهم الحق الثابت، لأن اعتقادهم الحق الثابت يقوي الإدراك ويصحح». انظروا إلى هذا الربط: قوة العقيدة وصحة العقيدة تزكي العقول وتزكي الفؤاد. قال رحمه الله: «وذلك لأن اعتقادهم الحق الثابت يقوي الإدراك، كذا يقوي الإدراك ويصححه». قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦-٦٨]. هذا جزاؤهم، يهديهم الله هداية فوق هدايتهم. ولهذا تجد أن عقولهم أحسن العقول، ربما تخالط أهل البدع تتعجب من غبائهم، تتعجب من بلادة أذهانهم، تتعجب من عظيم غفلتهم، حتى إنك تقول: سبحان الله، ما أغبى هؤلاء الناس! هذا موجود، كما يقول ابن تيمية، باستقراء أحوال العالم، باستقراء أحوال العالم. قال رحمه الله تعالى: «وهذا يعلم تارة بموارد النزاع بينهم وبين غيرهم، فلا تجد مسألة خلفوا فيها إلا وقد تبين أن الحق معهم». انظر إلى أي مسألة، يقول أهل السنة والحديث فيها برأي وقول متمسكين بكتاب الله فيه وسنة رسوله، تدور الأيام وتدور الأعوام، ثم يرجع الناس ويقولون: والله لقد صدق هؤلاء، والله إن قولهم لهو الحق المبين، إن رأيهم لهو الصدق الذي لا ريب فيه. تدور الأيام، ويطلع وينتج عنه أن ما قالوه قديما، قبل عشرين سنة، قبل أربعين سنة، قبل خمسين سنة، قبل خمسمائة عام، قبل ألف عام، قبل ألف ومائتي عام، قبل أقل وأكثر من ذلك، تجد أن كلامهم هو عين الصواب، هو عين الصواب. كم نرى في أيامنا هذه من فتن الربيع العربي؟ تأملوا في موقف أهل السنة والحديث في كل بلد الدنيا، وهم ينكرون على الخروج على الأولى، ينكرون على مصادمة الشعوب بحكامها، وأن هذا لا يأتي بالخير. فكان الناس يستهزئون بهم، وحتى قال قائلهم: «أنا أكفر بدين يأمر بعبادة السلطان، أنا أكفر بدين يأمر بعبادة السلطان». فيجعل نصيحة أهل السنة والجماعة وأهل الأثر بالصبر، وأن لا تهدم الدول، وأن بقاءها خير من زوالها، وأن الواجب الصبر، وأن المسلمين لا يستطيعون إلا القتال، والزج والزج بهم في ذلك في أتون الفتن، لا يأتي بخير للإسلام ولا أهله. دارت الأيام، وإذا ببلدان المسلمين ترى ما عليها، ترى ما عليها أحوالها في هذه الأيام، فتكاد تبكي دما قبل أن تبكي دمعا. انظروا إلى المسلمين في العراق، ماذا جرى له؟ انظروا إلى المسلمين في سوريا، ماذا جرى له؟ انظروا إلى المسلمين في لبنان، ماذا جرى له؟ انظروا إلى المسلمين في تونس، انظروا إلى المسلمين في كذا، في كذا. انظروا إلى هذا البلد، بلد الإيمان والحكمة، والحكمة، كيف صار فيه الرافضة هؤلاء الأنجاس على مثل هذا الحال اليوم، وقد سيطروا على كثير من الأراضي والبقاع، وأذاق الناس الويلات، وغلت الأسعار، وذهب الأمن، وكثر القتل، وظهر الخوف، وحصلت الفتن العظيمة. اليوم يدرك الناس أن ما كان يقوله أهل السنة كان هو الصواب المحض الذي لا شبهة فيه. أين الدعاة الذين كانوا يقولون: «فليمت نصف الشعب أو ثلثاه ليعيش الثلث»؟ أين هؤلاء اليوم؟ يدسون رؤوسهم في التراب، يختبئون، يتمنون لو استطاعوا أن يمسحوا تلك المقالات وتلك التغريدات بدمائهم، لا أقول يمسحونها بشيء آخر، يتمنون لو استطاعوا مسحها بدمائهم، لأنهم رأوها كالفضيحة عليهم. هكذا في كل زمان وفي كل مكان، في كل فتنة: أسد الناس عقولا، وأزكاهم فهوما، وأعظمهم زهدا، وأزكاهم فطنة، وأصدقهم فراسة، وأعظمهم عبادة، وأكثرهم فهما للقرآن، وأكثرهم خدمة للإسلام، أهل السنة والجماعة. كنت أقرأ عبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية يكررها في بعض كتبه، فأتعجب منها، وهي أنه يقول في وصف أهل السنة والحديث: «إنهم هم حماة الإسلام، الذين هم أصدق الناس في الجهاد». هذا الكلام أو معناه: «هم أصدق الناس في الجهاد، وأصدق الناس في نصرة الدين، ولا ينصر الإسلام إلا هم». فإذا رأيتهم في العلم، رأيتهم أبرز الناس علما وتأصيلا وفهما وحفظا، إلى غير ذلك. وإذا نظرت إليهم في باب العمل، كذلك. وإذا نظرت إليهم في باب الجهاد، رأيتهم هم ناصر الملة والدين. إلى أن قال: «ولولا وقوف، ولولا ما سخره الله عز وجل من وقوف عصابة أهل السنة في الشام»، يعني وقت التتر ونحوه، «لذهب الإسلام». وهكذا في كل زمان. كنت أستغرب، لأني أرى كثيرا من أهل السنة مشتغلين بطلب العلم النافع، بتعليم العلوم، بتصنيفها، بحفظها، بتحقيقها، وقد بلغوا أعلى الدرجات. اليوم أقوى الناس علوما في جميع الفنون، في الفقه، في العقيدة، في اللغة العربية، في علوم الآلة جميعا، أقوى الناس على الإطلاق هم أهل السنة والحديث، بشهادة كل من ينصف ويعلم جهودهم وأفهامهم الزاكية. ابن هشام كان سلفيا، رحمه الله، إماما، وسيبويه كان سلفيا من أهل الحديث، والفراهيدي الخليل بن أحمد صاحب العروض كان سلفيا، وإسحاق بن إبراهيم، وإبراهيم الحربي كان سلفيا، وعدد من أئمة أهل اللغة والحديث في كل زمان ومكان، وعدد في سائر العلوم، إلى هذا الزمان، هم أعظم الناس تحقيقا للعلوم وخدمة لها. كنت أستغرب وأقول: فأين باب الجهاد؟ لا نرى لهم مشاركة. وكان بعض المتحمسين يقول: «هذا فينا نحن». ثم دارت الأيام، ونكبت هذه البلاد بأمر الرافضة، وإذا برب العالمين سبحانه يحقق في أهل السنة ما لا نعلمه في غيره، فقاموا حامين للإسلام، ذابين عن صحابة سيد الأنام، مدافعين عن أعراض المؤمنات، حتى قال القائلون: «لولا وقوف هؤلاء السلفيين في عدن، وفي غير عدن، في سائر الجبهات الموجودة اليوم، القائمون هم السلفيون في جهاد الروافض، لكان من أمر الله أمرا عظيما». لكن الله لطف بهم، فصدق كلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك». هؤلاء الذين يقاتلون هم أهل السنة والجماعة. أين حماة الدين؟ أين الذين يحمون حوزة الدين ضد الروافض وضد غيرهم؟ هناك من الناس من يقاتل في كفر مختلف فيه، وربما كان المقتول متأولا يُعذر، فلا تجده إلا يقتل يمنة ويسرة، يفسد بلاد المسلمين. وإذا جاء أمر رافضة، تجده من أجبن الناس، وأبعده. من أعظم كفرا: من تسمونهم بالحكام، أو بالعساكر، أو بالشرطة، أو بغيرها، أم هؤلاء المارقون؟ من أعظم كفرا؟ إن كفر الرافضة كفر مجمع عليه. وهذا الذي تزعمونه، لو سلمنا لكم جدلا، كفر مختلف فيه، فكيف تتركون مجمعا عليه لتعملوا بشيء مختلف فيه؟ هذا لو كان لكم شبهة صحيحة في دعواكم، كيف هو؟ دعواكم قائمة على كلام باطل من أساسه وأسه. نصر الله بهم الإسلام والسنة. هاهم اليوم في الجبهات، في الساحل الغربي، وقد مشوا من جهة الخوخة، إلى جهة المخا، إلى أطراف الحديدة، ونسأل الله أن ينصرهم في كل مكان، في صعدة، في نواحي شرق البلاد وغربها، تجد السلفيين، إلى نواحي نجران، إلى أكثر البلاد، هم القائمون، وهم الوعاظ، وهم المقاتلون، لا يبتغون الأجر إلا من رب الجلال والعزة سبحانه وتعالى. ومع هذا تجدهم في علوم وفهوم عظيمة جدا، في وقت يبايع فيه إخوان المسلمون ويوالون الرافضة، ويتمنون لو ينصرون، لو يظهرون على هؤلاء الحكام، ولا يدرون أن الرافضة إذا ظهرت فإنها لن تبقي إخوانيا ولا سلفيا ولا مسلما يعبد الله عز وجل على بصيرة. فالشاهد أن علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، في كل زمان ومكان، ولا زال للحديث بقية. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا، ويجعلنا من هؤلاء، ويعيذنا من الفتن، ويهدي إخوتنا في كل مكان، ويصرف عنا وعن المسلمين في كل مكان الفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.