الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش هذا الفصل حقيقة الإنسان وتعريفه، حيث يشير إلى أن الإنسان يعرف بنفسه وروحه وليس بجسده ومظهره. جاء ذلك في سياق توضيح قيمة الإنسان وحقيقته.
يتناول هذا الفصل أهمية الاهتمام بالنفس والروح، ويشدد على ضرورة عدم المبالغة في الاهتمام بالجسم والمظهر الخارجي على حساب الجوهر الداخلي. يشير إلى أن خدمة الجسم مطلوبة بقدر المشروع دون تكلف أو غلو.
يركز هذا الفصل على أهمية الاعتناء بالنفس وتهذيبها بالأخلاق الفاضلة، ويوضح أن الإنسان يتميز عن البهائم بالنفس العلية المتخلقة بالأخلاق الفاضلة. كما يحذر من اتباع الشهوات وعدم الاكتراث بأوامر الله ونواهيه.
يناقش هذا الفصل خطورة الاكتفاء بالاهتمام بالمظهر والجسم دون العناية بالدين والمعاصي، ويحذر من أن إضاعة الدين والمعاصي تؤدي إلى الخسران والعذاب يوم القيامة. يشدد على أهمية صلاح الباطن وعمارة الدين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال أبو حاتم البستي رحمه الله في منظومته «عنوان الحكم»: «أقبل على النفس واستكمل فضائلها، فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان». قال الشارح -فقه الله ثم تم رحمه الله- المعنى السابق بقوله: أقبل على النفس، يعني هذا الذي شغلت بخدمة البدن، أقبل على النفس واستكمل فضائلها، أي أدبها بالآداب الفاضلة والأخلاق الزاكية والخلق الرفيع، وزمها بزمام الشرع، يعني اجعلها منقادة لشرع الله سبحانه وتعالى. قال الناظم رحمه الله: يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته، أتطلب الربح مما فيه خسران؟ أقبل على النفس فاستكمل فضائلها، فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان. قال الشارح: في هذا البيت يذم من كانت حاله الاهتمام بخدمة نفسه من الناحية البدنية، فيعتني بخدمة نفسه من حيث الناحية البدنية، من حيث المظهر ومن حيث الصورة ومن حيث الشكل، ولا يبالي بالاهتمام بنفسه من حيث روحه وفؤاده، وزكاء نفسه وصلاح قلبه، هذا لا يهتم به. اهتمامه بالظاهر، سواء كان بمظهره، وكما ذكر عن تنميق ملبسه، وحسن ثيابه، وجمال ظاهره، أيضا ربما يدخل في ذلك الاعتناء بأمر غذائه وطعامه وشرابه؛ لأن هذا أيضا مما يخدم به الجسم. مما يخدم به الجسم وينسى الأهم من ذلك، من الاعتناء بقلبه وروحه. قال: «وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَهُوَ غَيْرُ مُهْتَمٍ بِهِ». فيقول لمن كانت هذه صفته: يا خادم الجسم، وهو يقصد من كانت له مبالغة في خدمة الجسم، وليس المقصود ذنب أصل خدمة الجسم؛ الجسم لا بد له من خدمة، وأن النفس لها حق على صاحبها. أنت مأمور أن تعتني بجسدك بقدر المشروع، بقدر المشروع، من حيث ستر العورة والتزين بما أباح الله سبحانه وتعالى، مما ليس فيه تكلف أو فيه غلو. «إن الله جميل يحب الجمال»، والله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. كذلك أيضا ما يتعلق بأمر الطعام والشراب بما يدفع به الجوع ويقوم به الجسد مما أباح الله جل وعلا، هذا أمر مطلوب. لكن المقصود الذي يقصده الناظم هو ما زاد عن الحد الشرعي، مما فيه غلوا وتكلفا ومبالغة في هذا الأمر حتى يشغل عما هو أهم من أمور الاعتناء بالقلب والروح. قال: يا خادم الجسم، وهو يقصد من كانت له مبالغة في خدمة الجسم، كم تشقى لخدمته؟ قال: وكم تأتي للتكثير، يعني كم تشقى لخدمته في تضييعك الأوقات الكثيرة التي تنصب على الاهتمام بالمظهر دون المخبر. والله عز وجل عندما ذكر في القرآن الزينة الظاهرة، قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، يعني كما أن الزينة الظاهرة مطلوبة، لكن الذي ينبغي أن يعتنى به هو لباس التقوى، هو صلاح الظاهر، صلاح الباطن، وصلاح القلب. قالوا في الدعاء المأثور: «اللهم زيننا بزينة الإيمان، وجعلنا هداة مهتدين». فإذا كان الإنسان يهتم بشكله ومظهره وهيئته ويضيع الحقيقة والمخبر، فهو في الحقيقة إنما يحصل خسرانا. ولهذا قال الناظم: أتطلب الربح مما فيه خسران؟ هذا الاشتغال بالجسم الذي هذه نتيجته نظير ما ذكره في البيت الثالث: «يعمرها لخراب الدهر مجتهدا، بالله هل لخراب العمر عمران؟» هذا نظيره، ذاك في العمر عموما والدنيا عموما، وهذا في الجسم. ومن الناس فعلا -كما أشار الناظم- من يهتم بصحته وبدنه، ولا يهتم بدينه، تجده في غاية من الاهتمام بمظهره: لبس الثياب الحسن، النظافة، تمشيط الشعر إلى آخره، لكن في أمور الدين تجدهم مضيعا، مفرطا في الصلوات، مرتكبا للمحرمات. قال: قيل قديما: «عجبا لمن يتجنب بعض الأطعمة المباحة خوفا من مضرتها، ولا يتجنب الذنوب خوفا من معرتها». قال: تجد بعض الأشخاص يقول: أنا عندي حمية -حمية من أطعمة مباحة- لو أكل منها لا يأثم شرعا، يعني استعملها من باب الوقاية أو من باب الحفاظ على رشاقة الجسم حتى لا تصيبه السمنة مثلا، مع أن حلال له لو أكلها لم يأثم، قال: ولا يضره إطلاقا في دينه، لكنه يقول من باب الحمية حفظا للبدن وحفظا للصحة، فيتجنب أطعمة مباحة خوفا على بدنه، ثم لا يتجنب كثيرا من الذنوب خوفا من معرتها، يعني خوفا من مضرتها والمؤاخذة بها. قال: وهذا البدن الذي جنبه تلك الأطعمة المباحة خوفا عليه، ورغبة في الإحسان إليه، من باب أولى أن يكون هذا الإحسان للبدن بتجنيبه الذنوب؛ لأنه إن لم يمنع البدن من الذنوب عذب عليها يوم القيامة. إذا فما الفائدة أن يعتني بجسده وبظاهره، ثم يخرب باطنه بما يقترفه من المعاصي إلى أن يعذب في نار جهنم، عياذا بالله؟ فماذا ينفع هذا البدن ما اعتنى به في ظاهره وقد أفسد باطنه؟ وهو في هذا في الحقيقة يطلب الربح -كما قال الناظم- مما فيه خسران، في خسارته إذا كان هذا سيؤدي به إلى دخول النار والعذاب فيها، عياذا بالله. قال: فمن الإحسان لهذا البدن أن يجنبه الذنوب؛ لأن إيقاع البدن في هذه الذنوب موجب للعقوبة. بينما بعض الناس لا يفقه هذا الأمر، فيشتغل بعمارة بدنه ومظهره وهيئته وشكله، ولا يعتني أبدا بما يتعلق بعمارة دينه وباطنه. وفي الحديث: «إن الله لا ينظر إلى أموالكم ولا إلى صوركم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح، يعني محل نظر الله جل وعلا إلى القلوب والبواطن لا إلى المظاهر. قال الناظم رحمه الله: «أقبل على النفس واستكمل فضائلها، فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان». قال الشارح: أتم رحمه الله المعنى السابق بقوله: أقبل على النفس، يعني هذا الذي شغلت بخدمة البدن، أقبل على النفس واستكمل فضائلها، أي أدبها بالآداب الفاضلة والأخلاق الزاكية والخلق الرفيع، وزمها بزمام الشرع، يعني جعلها منقادة لشرع الله سبحانه وتعالى، محافظة على الفرائض، مجتنبة للمحارم. قال: «فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان»؛ لأن الحركة، حركة الجسم: لعبا وقياما وقعودا وأكلا وشربا إلى غير ذلك، هذه كلها يشترك مع الإنسان فيها بهيمة الأنعام، يعني كون البهيمة تتحرك تقوم وتجلس وتأكل وتشرب إلى آخره. لكن امتاز الإنسان بهذه النفس العلية الرفيعة المتخلقة بالأخلاق الفاضلة والآداب الزاكية، تميز بذلك. ولهذا إذا ذهبت هذه المعاني على النفس أصبح مثل الأنعام، بل أسوأ حالا منها، كما قال الله: ﴿إِنَّهُمْ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، يعني إذا لم ينتفع الإنسان بهذه الجوارح التي من الله سبحانه وتعالى عليه، وبهذا الظاهر الذي امتن الله عليه به، فيصبح حاله أسوأ من حال البهيمة التي هي تأكل وتشرب وتتحرك، لكن ليس عندها عقل. فإذا أنزل الإنسان نفسه منزلة البهائم، وكان همه اتباع شهوات نفسه واتباع ملذاتها، ولا يبالي بأوامر الله ونواهيه، فإنه بهذا ينزل إلى درجة البهائم، حتى يكون أشد ذما من البهائم. وكما قال ابن القيم رحمه الله: خلق الله عز وجل الخلق على ثلاث أصناف: صنف لهم عقول وشهوات، وصنف لهم شهوات ولا عقول لهم، وصنف لهم عقول ولا شهوات لهم. فالصنف الأول هم بني آدم الذين لهم عقول وشهوات، والصنف الثاني الذين لهم شهوات ولا عقول لهم هم البهائم، والصنف الثالث الذين لهم عقول ولا شهوات لهم هم الملائكة. قال: فمن قدم عقله على شهوة نفسه ارتفع إلى درجة الملائكة، ومن قدم شهوة نفسه على عقله نزل إلى درجة البهائم. نزل إلى درجة البهائم، فهذا حال من يتبع شهوة نفسه ولا يبالي بمرضات الله سبحانه وتعالى أو بمخالفة أمر الله عز وجل، فهو ينزل بهذا إلى درجة البهائم، عياذا بالله، حتى يكون أشد منها ذما. فقوله: «أقبل على النفس واستكمل فضائلها»، يعني حث على الاعتناء بالنفس بصلاحها واستقامتها وتهذيبها وتربيتها، والاعتناء بها بلزوم الطاعات واجتناب المحرمات؛ فبهذا تصلح هذه النفس. والإنسان بنفسه وروحه لا بجسده، الإنسان بنفسه وروحه لا بجسده ومظهره، وهذا معنى قولي: «فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان». صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.