شرح الباعث الحثيث 33

الدرس في شرح الباعث الحثيث 33، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تعريف الاعتبار والمتابعات والشواهد

يشرح هذا المحور مفهوم الاعتبار والمتابعات والشواهد كنوع من أنواع علوم الحديث، مبيناً أنها جمع للطرق لتقوية الحديث الضعيف المنجبر. ويضرب مثالاً بسند حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة موضحاً كيفية وقوع المتابعة على كل راوٍ في السند.

الفرق بين المتابعة والشاهد وأحكام الاعتبار

يبين المقطع الفرق بين المتابعة وهي موافقة اللفظ والصحابي أو غير الصحابي، والشاهد وهو موافقة المعنى مع اختلاف الصحابي واللفظ. كما يوضح أن الاعتبار يرفع الحديث من الضعف إلى الحسن لغيره، وأن الضعيف القريب من الصحة يُغتفر في المتابعات ولا يُغتفر في أحاديث الاحتجاج.

التوسع في مصطلحي المتابعة والشاهد وتقوية الصحيح بالصحيح

يتناول هذا المحور توسع بعض الأئمة في إطلاق لفظ المتابعة على ما هو في حقيقته شاهد، مؤكداً أن هذا التوسع لا يضر إذا فُهم اصطلاحهم. ويذكر مثال حديث عائشة في خسف الجيش شاهداً لحديث الأعمال بالنيات، مبيناً جواز تقوية الصحيح بالصحيح وكشف العلل بجمع الطرق.

أثر جمع طرق الحديث في كشف الخطأ والعلل

ينقل المقطع قول علي بن المديني المروي عن ابن الصلاح: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطأه". ويشير ذلك إلى ضرورة جمع روايات الحديث المتعددة للتحقق من صحته وكشف أي خطأ أو علة محتملة في السند أو المتن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال الإمام الحافظ عماد الدين ابن كثير رحمه الله تعالى وغفر له، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى وغفر له، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة، في كتابه النافع «اختصار علوم الحديث»: قال: «النوع الخامس عشر: في الاعتبارات والمتابعات والشواهد». هكذا عندي في النسخة: «في الاعتبارات». والمشهور في اللفظة: «الاعتبار»، فلا أدري: أهذا تصحيف، أم أنه من باب اللغة الجائزة؟ والحاصل: المعروف «الاعتبار» و«الاعتبارات». سيأتي الكلام عليه، وهو جمع الطرق والشواهد ونحوها. قال: «في الاعتبارات والمتابعات والشواهد». هذا الباب من الأبواب العظيمة المهمة. باب النوع الخامس عشر: هذا نوع مهم، وهذا يصلح في الحديث الضعيف المنجبر، الذي إذا جاءته الطرق تقوى بها. هذا في الحديث الضعيف ضعفا منجبرا؛ لأنه يصلح معه الاعتبار، وتنفعه المتابعات، وتقويه الشواهد، فيتقوى بها. قال رحمه الله تعالى: «النوع الخامس عشر: في الاعتبارات» - وفي نسخة: «في الاعتبار والمتابعات والشواهد». قال: «مثاله: أن يروي حماد بن سلمة عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا. فإن رواه غير حماد عن أيوب، أو غير أيوب عن محمد، أو غير محمد عن أبي هريرة، أو غير أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه متابعات». إذن المتابعات: أن يتابع الراوي غيره. فالآن عندنا في هذا السند: حماد بن سلمة عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. فإذا جاء أحد رواه غير حماد بن سلمة عن أيوب، قلنا: تُوبع حماد. تُوبع حماد من قبل حماد بن زيد مثلا. تُوبع حماد بن سلمة، تابعه حماد بن زيد عن أيوب. إذن هذه المتابعة وقعت لمن؟ وقعت لحماد بن سلمة. طيب، إن تُوبع أيوب، فقال الراوي مثلا: عن الزهري، عن محمد بن سيرين. طيب، في هذا الحال: تابع أيوب رجل آخر، تابع أيوب رجل آخر، هو محمد بن شهاب الزهري. محمد بن شهاب الزهري تابع أيوب. إذن المتابعة وقعت لمن هنا؟ وقعت لأيوب. طيب، إذا وجد مثلا رجل راوٍ رواه عن أبي هريرة أيضا، كأبي الزناد. لو افترضنا مثلا: مالك عن الأعرج، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة. أبو الزناد تابع من؟ مالك عن الأعرج، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة. أبو الزناد تابع من عندك... أخونا تابع من... أبو الزناد عن الأعرج... لا، الأعرج عن أبي هريرة. الأعرج: عبد الرحمن بن هرمز. تابع من السند عندك: حماد بن سلمة عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. قلنا: هناك سند آخر، هو مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. نعم، تابع محمد بن سيرين الأعرج، عبد الرحمن بن هرمز. تابع محمد بن سيرين؛ لأن كليهما يرويان عن أبي هريرة رضي الله عنه. يقول رحمه الله تعالى: «مثاله: أن يروي حماد بن سلمة عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا. فإن رواه غير حماد عن أيوب» - المتابعة وقعت لمن؟ وقعت لحماد بن سلمة. «أو غير أيوب عن محمد» - المتابعة وقعت لأيوب. «أو غير محمد عن أبي هريرة» - المتابعة وقعت لمحمد بن سيرين. «أو غير أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم» - فهذه متابعات. فإن روي معناه من طريق أخرى عن صحابي آخر، سُمّي شاهدا لمعناه. كان يأتي حديث في الباب بنحو معناه، لكنه من حديث ابن عمر، يرويه مالك عن نافع، عن ابن عمر، بمعنى حديث حماد بن سلمة عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. فهذا شاهد. لذا هذا شاهد. إذن الشاهد يكون بالمعنى. الشاهد يكون بالمعنى. الشاهد يكون عن صحابي آخر. الشاهد يكون عن صحابي آخر. أما لو كان بنفس اللفظ، أو عن نفس الصحابي، فيكون متابعة؛ لأن المخرج يكون واحدا. لكن الشاهد مخرجه آخر، مخرجه آخر. قال رحمه الله: «فإن روي معناه من طريق آخر عن صحابي آخر، سُمّي شاهدا لمعناه. وإن لم يروَ بمعناه أيضا حديث آخر، فهو فرد من الأفراد». هذا يسمى حديثا فردا، يسمى حديثا فردا. إذا رواه الثقة أو الضعيف وانفرد به، يسمى فردا. سيأتي الكلام على باب خاص في الأفراد وأحكامها، وأنها منها المقبول، ومنها المردود. يقول رحمه الله: «ويغتفر في باب الشواهد والمتابعات» - إذن الاعتبار: جمع الطرق. عندنا الاعتبار هي عملية جمع الطرق، تسمى اعتبارا. جمع الطرق، جمع الشواهد، هذه العملية عملية البحث تسمى اعتبارا. طيب، والمتابعة: هي أن يتابع الشيخ، أو شيخ الشيخ، في نفس الصحابي، بنفس اللفظ، أو بصحابي آخر بنفس اللفظ. وأما الشاهد: فأن يكون بمعناه، كأن يكون في قصة أخرى، لكن معناها يشهد لهذه القصة، كأن يكون في حادثة أخرى، في قصة أخرى، في قصة أخرى، لكن معناها يدل على معنى هذا، فيقال: يشهد له. قال رحمه الله تعالى: «ويغتفر في باب الشواهد والمتابعات من الرواية عن الضعيف القريب الضعف، القريب الضعف». إذن الضعف على درجته: ضعف منجبر بغيره، وضعف غير منجبر. الضعف على نوعين: إما أن يكون ضعفا منجبرا، والضعف المنجبر هو الذي إذا جاء مثله تقوى ونهض. لكن الضعف غير المنجبر هو الذي... الضعف غير المنجبر هو الذي لا ينفعه كثرة الطرق ولو كثرت. قال رحمه الله تعالى: «ويغتفر في باب الشواهد والمتابعات من الرواية عن الضعيف القريب الضعف». ما لا يغتفر في الوصول. الوصول: أي الأحاديث التي يحتج بها. لا يحتج إلا بالأحاديث القوية التي تكون بأسانيد الثقات، كما يقع في الصحيحين وغيرهما، مثل ذلك. أي أحاديث أفراد. ولهذا يقول الدارقطني في بعض الضعفاء: «يصلح للاعتبار»، أو «لا يصلح أن يعتبر به». «يصلح للاعتبار»: أي بغيره، سواء كان متابعة أو شاهدا. يصلح للاعتبار. فإذا وجد في سند، ظننا أن السند يمكن أن يقبل، ظننا أن السند يمكن أن يقبل. قال رحمه الله، والله أعلم. هذا الباب أشار إليه بالمثال، وبالمثال يتضح المقال. عرف لنا المتابعات، وعرف لنا الشواهد. وهذا الباب من الأبواب التي يحتاج لها في تحسين الأحاديث. فكم من حديث ضعيف، نظرا لوجود متابعات لرواة، أو وجود شواهد لمعناه، ارتقى من حضيض الضعف إلى مرتبة الحسن، إلى مرتبة الحسن لغيره، بسبب الاعتبار. والاعتبار: جمع الطرق، جمع الطرق، والنظر في الشواهد، والنظر في المتابعات. هذا هو الاعتبار، هذا هو الاعتبار. ولا شك أيضا، ومما ينبغي أن يعلم أيضا: أنه هذا على وجه الغالب الأغلب. وقد تجد من المحدثين من يسمي الشاهد متابعة، وقد تجد آخر يسمي المتابعة شاهدا. وهذا كما قدمنا أمس: من التوسع في الاستعمال الذي لا يعترض به على الحدود ولا التعارف. هذا من التوسع في الاستعمال. إذا وجدنا إماما يقول: «ويشهد له»، ونظرنا، فإذا به متابعة، متابعة. نقول: هذا توسع في الاستعمال لا يضر. نفهم اصطلاحه ونقبله. نفهم اصطلاحه ونقبله. الشاهد يكون بالمعنى، هذا أمر. ويكون من حديث صحابي آخر. قد يكون في قصة أخرى، قد يكون في مسألة أخرى، لكن فيه معناه يشهد لهذا المعنى. معناه يدل على صحة هذا المعنى الذي في هذا الحديث الذي نحن فيه. مثلا: أنا أضرب لك مثلا. حديث: «إنما الأعمال بالنيات». مثلا في حديث عائشة رضي الله عنها: «يخسف بقوم، يغزو جيش الكعبة، يغزو جيش الكعبة». انظر إلى هذا الحديث: «يغزو جيش الكعبة، فيخسف بأولهم وآخرهم». لا شك أن أول الجيش هم من يقاتل، آخر الجيش يعني أناس ربما باعهم واشترون. حصل مثلا شيء من الذهب، قال: هات أشتري. حصل سلاح غنيمة، قال لفلان: تبيعه هذا فلوسك. يعني ناس أصحاب مصالح وبيع وشراء، ليسوا حول القتال، ولا يقتلون، ولا شيء. قالت: يا رسول الله، يخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: «نعم، يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم». الآن هذا السياق: قصة في الغزو، في قتال، يشهد لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». أنت فهمت هذا شاهد له. حديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، إلى آخر هذا، يشهد له. «يخسف بأولهم، ثم يبعثون على نياتهم». يبعثون على نواياهم. «إنما الأعمال بالنيات»: أعمالك بنيتك، نيتك ميزان توزن به أعماله. «إنما الأعمال بالنيات» يؤيده في المعنى: «ثم يبعثون على نياتهم». مع أن هذا سياق، وهذا سياق. هذه قصة، وهذه قصة. هذا شاهد من حديث عائشة. فهمت هذا مثال؟ هذا شاهد. قد يأتي محدث ويقول: «وقد تُوبع، وقد وجدنا متابعة من حديث عائشة». أنت تفهم مباشرة أن هذا ليس متابعة؛ لأنه من حديث عائشة، ولأنه أيضا بالمعنى، في قصة أخرى، سياق آخر. فتفهم اصطلاح العالم، وأنه توسع في الاستعمال، توسع في العبارة. الأصل عنده: المتابعة هي للراوي، أو لشيخ الراوي، أو لشيخ شيخه. كذلك المتابعة تكون بلفظ الحديث. الشاهد يكون بالمعنى. هذا الأصل عنده. قد يخرج عالم هنا من بشر، قد يتصحف في الكتابة، فأنت تفهم اصطلاح العالم. وهذا مما يدل على سعة الأفق: تفهم القاعدة في المسألة، ثم تنضبط عندك عبارات، لا يكون عندك نوع استشكال فيها، لا يكون عندك شيء. هذا الباب: يعني الذين ينتهجون نهج... نهج الفصل بين المتقدمين والمتأخرين، يرفضون هذا الباب، يرفضون هذا الباب. بل منهم من لا يرى تقوية الأحاديث بعضها ببعض. وهذا مخالف لنهج الأولين، ومخالف لنهج العلماء المتأخرين. نسأل الله العافية والسلامة. هذا عام في الحديث الصحيح، وفي الحديث الضعيف. لا مانع من أن يقوى قوي. ما المانع أن يقوى قوي؟ يزداد قوة. لكن الضعيف أولى به. الأصل أنه للضعيف. لكن إذا احتجت مثلا لتؤكد معنى من المعاني، فتقول: «ويشهد له»، و«ويشهد له»، و«فلان تُوبع من طريق كذا»، «فلان تُوبع بكذا». هذا لا... ما نعمل. يزداد قوة. ومعرفة الألفاظ الشاذة من الألفاظ المنكرة أو الضعيفة أو نحوها، يحتاج إلى العناية بهذا الباب. هذا باب مهم. ولهذا يقول الإمام علي بن المديني: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطأه». هكذا يقول علي بن المديني. هذا عن علي بن المديني، في الإسناد إليه ضعف. ولهذا ابن الصلاح ساقه في مقدمته في علوم الحديث، فقال: «وروي عن علي بن المديني: الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطأه». صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.