شرح الباعث الحثيث 55

الدرس في شرح الباعث الحثيث 55، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

المناولة: صورها وحكمها والفرق بين المقترنة بالإجازة والمجردة

يشرح هذا المحور القسم الرابع من أقسام التحمل وهو المناولة، مبيناً صورها وحكمها عند العلماء كالحاكم وابن الصلاح وابن كثير. كما يفرق بين المناولة المقترنة بالإجازة والمجردة، ويوضح الاصطلاح الوارد في الرواية بها كقولهم (أنبأنا) و(أجازنا) مع التنبيه على حال الكتب المشهورة.

أقسام التحمل غير السماع: المكاتبة والإعلام والوصية

يتناول هذا المحور ثلاثة أقسام من أقسام الرواية غير السماع المباشر وهي المكاتبة والإعلام والوصية، مبيناً تعريف كل منها وصيغ الأداء المعتمدة فيه. وينقل الخلاف في جواز الرواية بها مع التأكيد على أهمية التقييد بالضبط لتجنب التدليس.

الوجادة: تعريفها والفرق بينها وبين الرواية وحكم العمل بها في الأعصار المتأخرة

يشرح هذا المحور مفهوم الوجادة بأنها العثور على حديث مكتوب دون سماع مباشر، مبيناً أنها حكاية لا رواية، وينقل خلاف العلماء في جواز العمل بها. ويرجح ابن الصلاح وجوب العمل بها عند الثقة بالكتاب في الأعصار المتأخرة لتعذر شروط الرواية، مع ذكر أمثلة من كتب ابن تيمية وابن القيم.

الصلاة والتسليم على النبي ﷺ ختاماً أو استفتاحاً

يذكر هذا المحور صيغة الصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، وهي دعاء مشروع يُقال تكريمًا له وتعظيماً لشأنه. يأتي هذا الذكر غالباً في مستهل المجالس العلمية أو ختامها للبركة واتباع السنة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يقول الإمام الحافظ وأبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه النافع شرح اختصار علوم الحديث: قال: القسم الرابع، أي من أقسام التحمل، المناولة، سيأتي بيانها. وعنها: مناولة الشيخ الطالب جزءه أو كتابه، وأن يقول له: ارويه عني، أو هذا حديثي، إلى آخره. قال رحمه الله تعالى: فإن كان معها إجازة، مثل أن يناول الشيخ الطالب كتابا من سماعه ويقول له: ارو هذا عني، أو يملكه إياه، أو يعيره إياه، أو يعيره لينسخه ثم يعيده إليه، أو يأتيه الطالب بكتاب من سماعه فيتأمله ثم يقول: ارو هذا عني. ويسمى هذا عرض المناولة، يسمى هذا عرض المناولة. وقد قال الحاكم: إن هذا إسماع عند كثير من المتقدمين، وحكوه عن مالك نفسه، والزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري من أهل المدينة، ومجاهد، وأبي الزبير، وسفيان بن عيينة من المكيين، وعلقمة، وإبراهيم، والشعبي من أهل الكوفة، وقتادة، وأبي العالية، وأبي المتوكل الناجي من أهل البصرة، وابن وهب، وابن القاسم، وأشهب من أهل مصر، وغيرهم من أهل الشام والعراق. ونقله عن جماعة من مشايخه، يعني الحاكم النيسابوري، ونقله عن جماعة من مشايخه. قال ابن الصلاح: وقد خلط في كلامه عرض المناولة بعرض القراءة. الحاصل أن مناولة الشيخ تلميذه الكتاب بعد أن يعرفه يتضمن الإذن له في روايته، فكيف إذا قال له: ارويه عني، فهذا أقوى من مجرد الإجازة، وإذا جاءت مع هذا إجازة كان أقوى من مجرد المناولة. ثم قال الحاكم: والذي عليه جمهور فقهاء الإسلام الذين أفتوا في الحرام والحلال أنهم لم يروه سماعة، هو ليس بسماعة ولكنه مناولة، وهو القسم الرابع. وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى، والبويطي، والمزني، وعليه عهدنا أئمتنا، وإليه ذهب، وإليه نذهب، والله أعلم. والأصل في هذا كتابة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للأمصار، كتابة النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الولاة، فهذا يتضمن المناولة والإذن بالرواية والعمل بما هو مكتوب، معروف خط صاحبه. قال رحمه الله: وأما إذا لم يملكه الشيخ الكتابة ولم يعره إياه فإنه منحط عما قبله، حتى إن منهم من يقول: هذا مما لا فائدة فيه، ويبقى مجرد إجازة. الأصل ما تقدم أنه إذا ناوله الكتاب، أو ناول التلميذ شيخه الكتاب، فنظر في النسخة وقال: نعم هذه أحاديثي، وهذا كلامي، وهذه مروياتي، فهذا يتضمن الإذن بالرواية. فإن قال له: ارو عني هذا، فقد عظمت له تلك المناولة. فإن قال له: وقد أجزتك بها، فقد اجتمعت إلى القوة قوة أخرى. قال ابن كثير: قلت: أما إذا كان الكتاب مشهورا كالبخاري ومسلم، أو شيء من الكتب المشهورة، فهو كما لو ملكه أو أعاره إياه، والله أعلم. ولو تجردت المناولة عن الإذن في الرواية فالمشهور أنه لا تجوز الرواية بها، وحكى الخطيب عن بعضهم جوازها. قال ابن الصلاح: ومن الناس من جوز الرواية بمجرد إعلام الشيخ للطالب أن هذا سماعه، والله أعلم. هذا هو المشهور الآن: أن إعلام الراوي تلميذه بعد أن يقف على النسخة المكتوبة بأن هذا مرويه وأن هذا روايته، فإن هذا يتضمن الإذن، يتضمن الإذن. قال رحمه الله: وقد تقدم. ويقول الراوي بالإجازة: أنبأنا. فإن قال: إجازة، فهو أحسن لأنه أوضح، فإن لفظ أنبأنا قد يكون فيه اشتباه بالإخبار والإنباء والعرض والقراءة على الشيخ، فكان قولهم: أنبأنا إجازة، أضبط. ولهذا يقول ابن كثير: فهو أحسن، إلا إذا عرف من اصطلاح الرجل أنه يستخدم أنبأنا في الإجازة، كما حصل لبعض العلماء المحدثين. قال رحمه الله: ويقول الراوي بالإجازة: أنبأنا. فإن قال: إجازة، فهو أحسن. ويجوز: أنبأنا وحدثنا، عند جماعة من المتقدمين. وقد تقدم النقل عن جماعة أنهم جعلوا عرض المناولة المقرونة بالإجازة بمنزلة السماع. هذا فيه نظر، فهؤلاء يقولون: حدثنا وأخبرنا، بلا إشكال، لأنها عندهم سماع. قلنا: هذا فيه نظر. والذي عليه جمهور المحدثين قديما وحديثا أنه لا يجوز إطلاق: حدثنا، ولا: أخبرنا، بل مقيدا. وكان الأوزاعي يخصص الإجازة بقوله: خبرنا، بالتشديد. هذا اصطلاح علم، إذا عرف الاصطلاح صار صاحبه مرفوعا عنه اللوم، فهو يقول: خبرنا. إذا رأيته قال: خبرنا، فمعناه أن هذا إجازة. قال: القسم الخامس: المكاتبة. بأن يكتب إليه بشيء من حديثه. فإن أذن له في روايته عنه فهو كالمناولة المقرونة بالإجازة. وإن لم تكن معها إجازة: إذا كتب الشيخ إلى الطالب نسخة من أحاديثه فأرسلها إليه، فيقول الطالب: كتب إلي شيخنا فلان بكذا. هذا نوع من أنواع الرواية، نوع من أنواع الرواية، وهي جائزة، تسمى المكاتبة: أن يكتب الشيخ إلى الطالب كتابا فيرسله إليه. قال رحمه الله: فإن أذن له في روايته عنه فهو كالمناولة المقرونة بالإجازة. وإن لم تكن معها إجازة فقد جوز الرواية بها، فقد جوز الرواية بها أيوب، ومنصور، والليث، وغير واحد من الفقهاء الشافعية والأصوليين، وهو المشهور كذلك. هذا هو المشهور عند أهل الحديث، وجعلوا ذلك أقوى من الإجازة المجردة. وقطع الماوردي بمنع ذلك، والله أعلم. الذي عليه العمل أن المكاتبة حجة إذا عرف خط الكاتب وعرف كتابه، فهذا حجة. قال رحمه الله: وجوز الليث ومنصور في المكاتبة أن يقول: أخبرنا وحدثنا، مطلقا. والأحسن الأليق تقييده بالمكاتبة حتى لا يحصل الإيهام ويحصل الخلط بينها وبين العرض وبين السماع. فالأفضل أن يقول: حدثنا مكاتبة، أخبرنا مكاتبة، أو: كتب إلي فلان بكذا. هذا كله من باب الضبط. قال: القسم السادس: الإعلام. إعلام الشيخ أن هذا الكتاب سماعه من فلان، من غير أن يأذن له في روايته عنه. فقد ساغت الرواية بمجرد ذلك طوائف من المحدثين والفقهاء، منهم ابن جريج، وقطع به ابن الصباغ، واختاره غير واحد من المتأخرين. حتى قال بعض الظاهرية: لو أعلمه بذلك ونهاه عن روايته عنه فله روايته، كما لو نهاه عن رواية ما سمعه منه. الإعلام: أن يقول: هذا كتابي وسماعي من فلان. الرواية بهذا عند كثير من المتأخرين جائزة، لكن ينبغي أن يقيد، ويقول: أعلمني فلان أن فلانا حدثه بكذا، أو: أخبرني فلان إعلاما بكتابه الذي قال فيه: حدثنا كذا وكذا. فالشاهد يقيد. فالتقييد في مثل هذا أكثر ضبطا وأحسن وأكثر، وأبعد عن الخلط والإشكال، ونوع التدليس على بعض الناس. قال: القسم السابع: الوصية. بأن يوصي بكتاب له كان يرويه لشخص، بأن يوصي بكتاب له كان يرويه لشخص. فقد ترخص بعض السلف في رواية الموصى له بذلك. عندنا مكتوب: الموصى بنقطتين تحت الياء، الصواب: الموصى، فالله أعلم. قال رحمه الله تعالى: فقد ترخص بعض السلف في رواية الموصى له بذلك الكتاب عن الموصى، وشبه ذلك بالمناولة وبالإعلام بالرواية. قال ابن الصلاح: وهذا بعيد، وهذا بعيد، لأنه يحتمل أن يكون إنما أعطاه لأجل أن ينتفع به، أو لأجل أن يجعله وقفا في مكتبة من مكاتب المسلمين، وليس يقصد أن يرويه. لكن سيأتي أنه قد يكون من القسم الثامن. قال ابن الصلاح: وهذا بعيد، وهو إما زلة عالم أو متأول، إلا أن يكون أراد بذلك روايته بالوجادة، والله أعلم. سيأتي الكلام على الوجادة. يقول رحمه الله: القسم الثامن: الوجادة. وصورتها أن يجد حديثا أو كتابا بخط شخص بإسناده، تسمى وجادة. فيقول: وجدت بخط فلان كذا. هذا نوع من أنواع الرواية. قال رحمه الله: فصورتها، وصورتها أن يجد حديثا أو كتابا بخط شخص، فله أن يرويه عنه على سبيل الحكاية، فيقول: وجدت بخط فلان حدثنا فلان، ويسنده. وجدت بخط فلان، وهذا موجود إلى اليوم. يقول بعض العلماء: وجدت بخط فلان، أي العالم الفلاني، تكون نوعا من أنواع التحمل. وبعضهم يقول: ومن خطه أنقل، هذا تأكيد لكونه عرف خطه وعرف كتابه وعرف أنه هو الكاتب. قال رحمه الله: فله أن يرويه عنه على سبيل الحكاية، فيقول: وجدت بخط فلان حدثنا فلان، قال حدثنا فلان، ويسنده. ويقع هذا أكثر في مسند الإمام أحمد، يقول ابنه عبد الله: وجدت بخط أبي، قال حدثنا فلان، ويسوق الحديث. وله أن يقول: قال فلان، إذا لم يكن فيه تدليس يوهم اللقية الأولى. أن يقول: وجادته. قال ابن الصلاح: وجازف بعضهم فأطلق فيه: حدثنا، أو: أخبرنا، وانتقد على ذلك فاعله. هذا نوع من أنواع التدليس، هو لم يرى العالم أو لم يجالسه أو لم يحدثه أو لم يسمع منه، فكيف يقول: حدثنا، وكيف يقول: أخبرنا؟ نجازفه. وله أن يقول فيما وجد من تصنيفه بخط غيره: وجد من تصنيفه بخط غيره، ذكر فلان، وقال فلان أيضا. ويقول: بلغني عن فلان، فيما لم يتحقق أنه من تصنيفه، أو مقابلة، فيما لم يتحقق أنه من تصنيفه أو مقابلة كتابه، والله أعلم. إذا شك في الخط أو في الناسخ أو اشتبه، يذكر صيغة تبين أنه متردد في مثل هذا الموضع: هل هو بخط فلان وتصنيفه أم لا؟ قال ابن كثير: قلت: والوجادة ليست من باب الرواية. قال ابن كثير: قلت: والوجادة ليست من باب الرواية، وإنما هي حكاية عما وجده في الكتاب. وأما العمل بها فمنع منه طائفة كثيرة من الفقهاء والمحدثين، أو أكثرهم، فيما حكاه بعضهم. ونقل عن الشافعي وطائفة من أصحابه جواز العمل بها. قال ابن الصلاح: وقطع بعض المحققين من أصحابه في الأصول بوجوب العمل بها عند حصوله، عند حصول الثقة به. قال ابن الصلاح: وهذا هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة لتعذر شروط الرواية في هذا الزمان، يعني فلم يبق إلا مجرد، مجرد وجادات. قال ابن كثير: وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ قالوا: الملائكة. قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ وذكروا الأنبياء، فقال: وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن. قال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بها، يؤمنون بما فيها. وقد ذكرنا الحديث بإسناده في شرح، وقد ذكرنا الحديث، وقد ذكرنا الحديث بإسناده، وقد ذكرنا الحديث بإسناده ولفظه في شرح البخاري، ولله الحمد. فيأخذ منه مدح من عمل بالكتب المتقدمة بمجرد الوجادة لها، والله أعلم. الحديث يحتاج إلى نظر في إسناده، وإن كان له شواهد. الحديث له شاهد في حديث بثعلب الخشني في مسند الإمام أحمد، في حديث الفتن: يأتي زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين. قالوا: يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: لا، بل أجر خمسين رجلا منكم. حديث حسن شواهد. وهذا الحديث لم أطلع على إسناده، ولكن معناه صحيح، وتدل عليه شواهد. هكذا قال ابن كثير رحمه الله، خاتما هذا الباب في شرح البخاري. طبع في هذه الفترة ثلاثة مجلدات، خيل إنها قطعة من شرح البخاري، والله أعلم بصحة ذلك، لأنه يذكر أحاديث البخاري ثم يذكر أقوال الفقهاء لا سيما الشافعية، فابن كثير شافعي المذهب لكنه متجرد وليس بمقلد، رحمه الله وغفر. فهذا منه في كتابه المذكور، وهو من الكتب المفقود. الغالب أن هذا ليس هو شرح البخاري الموجود اليوم. تقدم الإشارة إلى هذا. الحاصل أن الوجادة ليست من الرواية، وإنما هي حكاية عما وجد في الكتاب، وهو نوع نقل للعلم بأمانة. وجدت في كتاب ابن تيمية بخطه كذا، وجدت في كتاب ابن القيم بخطه كذا، وجدت في كتاب ابن قدامة بخطه كذا. فهذا إعلام ووجادة، وهذا أيضا نقل للعلم، وهو أيضا حفظ له. فإذا كان لكم شيء، وإلا دخلنا إن شاء الله غدا في كتابة الحديث وضبطه. فأسأل الله الجليل العظيم الحليم أن يفقهنا في دينه ويرزقنا العمل بالعلم وخشيته سبحانه، إنه جواد كريم. صلى الله وسلم ومبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.