الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 112، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
المساجد هي بيوت الله المعدة للذكر والعلم والصلاة، والجلوس فيها للعبادة يوجب فرح الله وحفظ العبد من الشيطان. تعليق القلب بالمساجد من أسباب الظل يوم القيامة، ولا تتخذ مجالس الدعوة في غير المساجد.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة اختص الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو فرض كفاية يسقط عمن بقي إذا قام به البعض. مراتب الإنكار تكون باليد ثم اللسان ثم القلب، مع شروط العلم وأمن المفسدة وسلامة النفس والمال.
يجب إنكار المنكر على من يقدر عليه تبرئة للذمة، ولا يشترط غلبة الظن بزواله، وهو واجب على كل مسلم حتى الفاسق ولا يكون للكافر. التغيير باليد يقتصر على التفريق دون سلاح إلا بإذن ولي الأمر، مع قاعدة لا إنكار في مسائل الخلاف.
يختتم المجلس بالدعاء المأثور تكفير الجلسة: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفر الله وأتوب إليه. ذلك طلب للمغفرة وطهارة للقلب من اللغو الذي قد يقع في المجلس.
بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف حفظه الله في "الدر المنثور" في الباب الرابع والخمسين: "المساجد دور الذكر والعلم". هذا باب مهم، فيه بيان لفضيلة بيوت الله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى جعل بيوته لذكره، ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾. فالمساجد هذه هي بيوت الله سبحانه وتعالى، تصان عما نهي عنه، وهي للعلم، للصلاة، وقراءة القرآن، وأيضًا للعلم النافع. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه فيها، فالمساجد دور الذكر والعلم، وليست المساجد لأجل حديث الدنيا، أو كذلك السياسة ونحوها. فإنه سيأتي في آخر الزمان أقوام يكون إمامهم المساجد، في رواية: "حديثهم في المساجد، فلا تجالسوهم، فإنه لا حاجة لله فيهم". يعني: لا يجالس أمثال هؤلاء الذين يتخذون المساجد للحديث. ومعنى الحديث: أي الكلام الفارغ الفاضي، كلام الدنيا، فيكون حديثهم في المساجد، وليس في أماكن أخرى. يجلسون في المساجد لأجل الغيل والقال، هذا في آخر الزمان، عياذًا بالله. النبي صلى الله عليه وسلم ناعٍ عن مجالستهم، فلا حاجة للجلوس في المسجد بدون ذكر الله سبحانه وتعالى. فإذا جالس المسلم في بيت الله عز وجل فهو كالمعتكف، يحتسب جلوسه في المسجد لأجل أن ينال الأجر عند الله سبحانه وتعالى، فيشتغل إما بصلاة، وإما بقراءة قرآن، أو حديث نبوي، أو نحوها. قال صلى الله عليه وسلم: "لا يوطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله به حين يخرج من بيته، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم". قال الشارح: "تبشبش" من البشاشة عند اللقاء، وهو الفرح والانبساط والأنس. أي أن الله سبحانه وتعالى يفرح فرحًا يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ليس فيه تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل، بل ينزه ربنا سبحانه وتعالى عن النقائص والعيوب، وصفة الفرح ثابتة لله سبحانه وتعالى. فالذي يجلس في بيوت الله سبحانه وتعالى لأجل الصلاة والذكر له هذه الفضيلة: أن الله سبحانه وتعالى يفرح به من حين أن يخرج من بيته لأجل الصلاة والذكر. وكذلك يدخل في الذكر العلم، ويدخل فيه أيضًا قراءة القرآن، كله من ذكر الله سبحانه وتعالى، ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾. مثلما أهل الغائب يفرحون بغائبهم ويسرون به إذا قدم عليهم من السفر. فهذه فيها إثبات صفة الفرح لله سبحانه وتعالى، وذلك يليق بجلاله وعظيم سلطانه. قال علي رضي الله عنه: "المساجد مجالس الأنبياء، وحرز من الشيطان". إذن أين يجلس أنبياء الله؟ في المساجد. وأيضًا هي حرز من الشيطان، فيحرز الإنسان نفسه من الشيطان الرجيم بالجلوس في بيوت الله، وإلا لو خرج فإن الشيطان له بالمرصاد. ولهذا جعلت الأسواق مجالس للشيطان، وينصب فيها رايته. فأحب البقاع إلى الله عز وجل المساجد، وأبغض البقاع إلى الله عز وجل الأسواق. قال عكرمة بن عمار رحمه الله: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز يقول: "أما بعد، فأمر أهل العلم أن ينشروا العلم في مساجدهم، فإن السنة كانت قد أميتت". وهذا منه رحمه الله إحياء السنة في بيوت الله عز وجل، فقد كتب عمر رحمه الله لعامله بأن ينشر العلم في المساجد. قال الشارح: "لو أن الدعاة في الحدائق والمنتزهات العامة والمخيمات الترفيهية وغيرها يترفعون بالعلم وبما ينشرونه من الخير ويجعلونه في بيوت الله، لكان خيرًا لهم وأقوم". يعني: هناك أقوام تركوا المساجد وذهبوا إلى الحدائق والمتنزهات العامة والمخيمات الترفيهية، فجعلوا الدعوة فيها. فهذا ما يفعله إلا أهل التحزب، هؤلاء أهل الأهواء، جعلوا المتنزهات العامة... فلماذا لا يأتون إلى البيوت ويعظون ويذكرون الناس؟ البيوت والمساجد يجتمع المصلون فيها في الصلوات الخمس، صلوات خمس يجتمع الناس، فرصة: إذا عندك خير ألقيه عليهم، تعال عظهم، من صحهم، ذكرهم بالله سبحانه وتعالى، ما أحد سيمنعك من ذلك. لكن هؤلاء جعلوا الدعوة في الحدائق، وجعلوها في المنتزهات، وهكذا الأماكن الترفيهية. فينبغي أن يرفع شأن العلم. قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا منعت من المساجد، منعت المساجد، وكانت هناك فرصة بأن دعيت إلى جمع من الجموع، فلا بأس أن تلقي فيهم الخير، لكن اجعل أساس دعوتك وأصل دعوتك من بيوت الله، من المساجد، ما دام أن الأمر فيه سعة والمجال مفتوح، ولم يمنع أحد من بيوت الله سبحانه وتعالى". قال: قال أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولاني رحمه الله: "المساجد مجالس الكرام". مجالس الكرام: إذا أردت أن تكون كريمًا من أهل الكرم فعليك بالمساجد، فهي مجالس الكرام. كما أن الشوارع والدكك وغيرها من الأماكن، مثل المقاهي والأسواق، ليست مجالس كرام، إنما هي مجالس غيبة غالبًا، ومجالس نميمة، والعياذ بالله، سعي في الإفساد: "فلان كذا، وفلان كذا، وفلان يحتاج إلى كذا"، وفيها ما الله به عليم. هذا هو الواقع، وهذا هو الحال الذين يجلسون في غير بيوت الله سبحانه وتعالى. بماذا يشغلون أنفسهم؟ أيشغلون أنفسهم بالمذاكرة، مذاكرة العلم النافع؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل أن تجد ذلك، حتى ولو من طلبة العلم، إذا جلسوا مجالس المقاهي، شرب الشاي ونحو ذلك، فإنهم يتكلمون في الدنيا، وفي الأحوال الواقعة في الدنيا، وفي الأحوال الواقعة". هذا هو الحال الآن، الواقع. فأما بيوت الله سبحانه وتعالى، فإنما مجالسهم مجالس كرام، فهم مكرمون عند الله سبحانه وتعالى لأنهم يذكرون الله عز وجل. فإذا جلس وحده، وجلس في مجلس علم، فهو في ذكر لله سبحانه وتعالى. فهذا ما يبين فضل المجالس، وفضائلها كثيرة، ولها أحكام كثيرة، فأولفت أيضًا مؤلفات في أحكام المساجد. أحكام المساجد: المساجد لها أحكام في السنة، في الشرع المطهر، في هذه تتلى أو تذكر في مواضعها وفي أماكنها. وإخواننا كثيرًا يعلمون أهمية المساجد وفضل المساجد وأحكام المساجد، فالباب مختصر في هذا الباب، أراد فقط التنبيه على أن المسلم يهتم بالمساجد، ويكون دأبه وشأنه في المساجد، ويجعل قلبه معلقًا بالمساجد. وهذا من أولئك السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "ورجل قلبه معلق بالمساجد". فلتكن المساجد هي مجالسنا التي نذكر الله عز وجل فيها ونجلس فيها. لا يكون أحدنا كسرعان الناس الذين إذا أموا الصلاة خرج مباشرة، كأن أحدًا يقرصه ويقول له: "قم، هذا ليس مكانك"، كأن أحدًا شيطان يؤذره مباشرة. بعض الناس: "السلام عليكم ورحمة الله"، سلم الإمام، قام، ونفض ثوبه، وخرج. يا أخي، اجلس، اذكر الله، سبح الله سبحانه وتعالى، معك تسبيح، معك آية الكرسي، معك أشياء كثيرة بعد الصلاة. وهكذا أيضًا لو كان هناك حلقة، كان هناك أحد يتكلم، فاجعل قلبك يتعلق ببيت الله عز وجل، لا بالخارج، لا بالخارج، إلا إن كانت لك حاجة. إن كانت لك حاجة خاصة، الذي ليس عنده شيء كطالب علم، اجعل جلوسك في المسجد، اذكر الله عز وجل في المسجد، اطلب العلم في المسجد. لا تكن مثل الذين يريدون أن يروا الخارج، كأنه يرى نفسه في المسجد في سجن، في سجن، العياذ بالله. بل المسجد يطمئن له المسلم والمؤمن، وطالب العلم يحب الجلوس في المسجد لما له من فضيلة، والملائكة تستغفر لأحدكم وتصلي عليه: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه"، ما دام في مصلاه، ما دام يذكر الله وينتظر الصلاة الأخرى. هذا ما يتعلق بهذا الباب. ثم قال في الباب الذي بعده، وهو الباب الخامس والخمسون: "كيف يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة من شعائر الإسلام، واختص الله عز وجل بها هذه الأمة المحمدية: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾. فهذه خصيصة خاصة بهذه الأمة، أنها لا تترك هذه الشعيرة، ففضلت وميزت عن الأمم السابقة بأنهم أهل أمر بمعروف ونهي عن منكر. فإذا رأوا المعروف أمروا به، وكذلك إذا رأوا المنكر أنكروه، خلاف الأمم السابقة الذين تركوا هذه الشعيرة، تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذمهم الله: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوا. هكذا هم أهل الكتاب، يرى أحدهم صاحبه على المنكر ولا ينكر عليه. فكيف يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ من خصائص هذه الأمة، ومن هو الذي يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هذا اهتم به أهل العلم تبعًا للأدلة الواردة في هذا الباب. أبو يعلى رحمه الله تعالى ألف كتابًا خاصًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى، وأيضًا الإمام الخلال من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ألفوا كتبًا خاصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. غير ما ذكره أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم في كتبهم المتفرقة، ذكروا أبوابًا خاصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. "ولتكن منكم أمة"، هنا "تكن منكم أمة" يعني: ليس كل الأمة تقوم بذلك على سبيل الوجوب، على سبيل ماذا؟ الوجوب. هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، كما سيأتي بيانه. فرض كفاية: إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. لكن هذه الأمة لا تترك هذا الأمر، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيقوم به البعض ويكتفي به البعض، كالأمراء والعلماء والصلحاء وأخيار الناس الذين يقومون بهذا الأمر العظيم. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم عمم في إنكار المنكر لكل مسلم، لكل مسلم يقوم به. فأنت لا تخلو من أحد الأحوال الثلاثة. وفي حديث أبي سعيد عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". في رواية: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة". أضعف شيء. معناه: الذي يترك الأمر بالمعروف، ليس معناه أنه ليس بمؤمن، حتى ما يفهم هذا من الحديث. الحديث معناه: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". معناه: أن أضعف الإيمان أنه ينكر بقلبه، وذلك يستطيعه كل مؤمن، ينكر بقلبه أنه يذهب من ذلك المكان، ويكون كارهًا لهذا المنكر. ولهذا ينبغي علينا أن نعرف من الذي ينكر هذا المنكر، وما هي شروط الإنكار. قد ذكر أهل العلم رحمه الله شروطًا للإنكار، من ذلك: أن يعلم أو يغلب على ظنه أن هذا المنكر لا يجر إلى مفسدة، لا يجر إلى مفسدة. أنا سأنكر، لكن علمت أني لو أنكرته أن هذا سيجر إلى مفسدة أعظم مما هم واقعون فيه. كما قال شيخ الإسلام في أولئك الأقوام من التتر الذين كانوا يشربون الخمر، كانوا يشربون الخمر في الليل، أنهم لو صحوا من سكرهم لقتلوا المسلمين، لقتلوا... ماذا؟ المسلمين. فشربهم للخمر أهون من ماذا؟ من قتل النفس البريئة. فيتركون على ما هم عليه، ولا ينكر عليهم. فإذا علم ذلك الناكر للمنكر، أو غلب على ظنه أن المنكر يجر إلى ما هو أنكر منه، فإنه يترك ذلك. أيضًا إذا خاف على نفسه أو ماله، أنه لو أنكر ذلك المنكر لهلك، لأنه ليس كل أحد يقوى، وخاصة الإنكار على ذوي الجاه والسلطان والرئاسة والقوة والبطش، قد يخاف على ماذا؟ على نفسه. فموسى عليه الصلاة والسلام خاف على نفسه من أن يبطش به فرعون، فالله عز وجل طمأنهما هو وهارون: ﴿ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾. وهنا معهم الله سبحانه وتعالى، وهم الرسل، الله عز وجل قال: ﴿ اذْهَبَا لَا تَخَافَا ﴾، لن يصيبكما أذى. هذا الله سبحانه وتعالى يقول لموسى ذلك. فأنت لا تعلم ما يخبأ لك. إن خفت على نفسك، إن هذا السلطان وأن بطشه وجبروته، فإنك لا تذهب إليه، لا تذهب إليه على سبيل تغيير ذلك. لكن إن قويت، وكان لك صوت مسموع، وكان يهابك السلطان، لأن بعضهم قد يستدل يقول: العلماء كانوا يذهبون إلى الصلاطين وينكرون عليهم. رد هذا: أن بعض العلماء كانوا يعظون الصلاطين والحكام والأمراء، ويذهبون إليهم ويقول له: "اتق الله". وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلمة حق عند سلطان جائر"، وهذا لا يخاف في الله لومة لائم. هذا قوي إيمانه، وقوي قلبه، ومستعد للتحمل، أي لتحمل ذلك، أنه لو مثلًا السلطان ضربه، أو السلطان سجنه، أو كذلك سيقتله، هو مستعد لذلك. فكانت للعلماء هيبة عظيمة، الصلاطين كانوا يخافون منهم، يخافون من العلماء لهيبتهم، كابن أبي ذئب، والإمام مالك، وابن شهاب، أو لا علماء كبار كانوا في الأمة، ولهم صوت مسموع في الأمة، فالصلاطين أيضًا تهابهم. فإذا ذهبوا وعظوا وذكروا، وقالوا له: "اتق الله عز وجل". وذكر ابن الجوزي رحمه الله لنفسه في "صفوة الصفوة" أمورًا عظيمة، كان ينصح بها السلطان ويذكره في ملأ، يذكره بالله، يقول له: "اتق الله، اتق الله، لا تجعل يعني هذا المال يعني يكون عليك إلا وبالًا يوم القيامة، لا تجعل هذا السلطان يذهب بك إلى الظلم". وهكذا كان يعظ وينصح السلطان بحضرة الناس، يعني من هم في المجلس، وما كان ابن الجوزي يخاف رحمه الله تعالى، لأن ابن الجوزي إمام كبير ومشهور ومعروف، فكان إذا دخل وطلبه الحاكم السلطان، ذكره بالله ووعظه بالله، وخرج بخير. فكانوا يتعظون، وكانوا يسمعون. فانظر إلى هؤلاء، لكن أحوال بعض الناس لا تقوى، ما كل أحد يقوى على تغيير المنكر بيده، أو كذلك بلسانه. فهذا يحتاج إلى علم، يحتاج كذلك إلى قوة إيمان، يحتاج كذلك لأنه يعلم أنه سيسمع له، أنه سيسمع وسيغير هذا المنكر. فمن كانت له قوة، أو كانت له كلمة مسموعة، فليغير، هذا واجب عليه، تغيير المنكر واجب، واجب عليه. فإذا خاف على نفسه، أو خاف على ماله، وتيقن في ذلك الحال، فإنه يمسك عن ذلك. طيب، هل من شرط المنكر غلبة الظن في إزالته؟ يعني يزول أو لا يزول؟ يعني قد يزول وقد لا يزول، يغلب على ظني أنه سيزول، أو يغلب على ظني أنه لن يزول، يعني إذا كان ذلك في قلبي، هل أنكر أم لا أنكر؟ هما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. والإمام أحمد يقول في هذا: عليه الإنكار، سواء غلب على ظنه أن يزول، أم لم يغلب على ظنه أن لا يزول، لأن الأصل هو الإنكار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده". فليس من الشرط أن تتيقن زواله. ليس من شرط المنكر... يقول الله: "ما أغير إذا كان فسيزول". إذا من شروط المنكر هو ماذا؟ أنني أعلم يقينًا أنه سيزول. يقول الله: "أخطأ". ليس من شروط ذلك، ليس من شرط ذلك. أنت تنكر هذا المنكر، فإن زال فالحمد لله، وإن لم يزل فالله على كل شيء قدير، وأنت برئت، برئت ذمتك، لأنك قمت بما أوجب الله عز وجل عليك. فجميع المسلمين يتمون بهذه الشعيرة، لأن العلماء يقولون: إن المنكر يكون في جميع الأحوال، ومن كل أحد، ومن كل أحد، يعني من علماء، ومن أمراء وحكام ومسؤولين وصلحاء. بل بعضهم قال: حتى من الفساق، حتى لو كان الرجل يعمل المعاصي. نعم، قالوا: حتى لو كان يعمل المعاصي، رأى منكر، ليه أن ينكر ذلك المنكر، إذا كان يستطيع تغييره، لأنه مؤمن، وهو أيضًا ماذا؟ وهو مسلم، يعني يعرف أن هذا منكر، وأكبر مثلًا من المنكر الذي يعمله. فهذا شيء آخر، هو بينه أنه مخطئ، بينه وبين الله سبحانه وتعالى، وعليه التوبة من هذا. لكن هو رأى بعينه منكر، وهذا الرجل معروف أنه ماذا؟ أنه عاصي، وأنه فاسق. نقول: لا، أسكت، لا تتكلم، ما دام على دائرة الإسلام فهو مطالب بإنكار المنكر. وقال بعض العلماء: لا، يعني لا يكون من الفساق إنكار المنكر. وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في الكفار: هل لهم أن ينكروا المنكر؟ قال: لا، الكفار لا ينكرون المنكر، لأن إنكار المنكر فيه عزة ورفعة، وهم بهذا سيرتفعون، ويرون في أنفسهم العزة على المسلمين، فليس للكفار أن ينكروا المنكر. هذا قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى. طيب، في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "من رأى منكم منكرًا". "من رأى": أي رآه، وأيقن أن هذا منكر، وعلمه. إذن لا بد أن نعلم أن هذا منكر، لأن بعض الناس قد ينكر وهو ليس بمنكر، لجهله، لجهله بأنه منكر. فإذن حصول العلم بأن ذلك الأمر منكر، قد ذمه الله عز وجل في كتابه، ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، حتى ينكره. لأنك قد تنكر ما ليس بمنكر، عندك منكر، لكن في الصحيح أنه ليس بمنكر. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى منكم منكرًا". "رأى": فحصول العلم به من رؤية، أو كذلك من سماع، من سماع. فأنت تنكر هذا المنكر. لما جاء أبو موسى إلى ابن مسعود، وقال: "رأيت أمرًا منكرًا". قال: "ماذا رأيت؟" قال: "رأيت أقوامًا يجلسون في المسجد، ومعهم حصا، يقولون: كبروا مئة، هللوا مئة، سبحوا مئة". فبعد ذلك ذهب معه ابن مسعود رضي الله عنه. وقبل ذلك قال له: "ألا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتهم شيء". ثم ذهب ورأى المنكر في المسجد بعينه، فأنكره ابن مسعود رضي الله عنه. فإذا معرفة أن هذا الأمر منكر من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: "فليغيره بيده". كيف التغيير باليد؟ التغيير باليد يكون مثلًا لو رأينا أناسًا يتضاربون، أطفالًا مثلًا، أو شبابًا، بالتفريق بينهم، التفريق، نفرق بينهم. التغيير باليد يكون باليد، وليس بالسلاح. فلا نشهر سلاحًا، أي أنواع السلاح، ولا سيفًا، ولا سكينًا، ولا غير ذلك، وإنما يكون تغييره باليد. السيف والسلاح هذا يحتاج إلى ولي الأمر، أو إذن ولي الأمر في ذلك. لأن بعضهم قد يطلع، يقول له: "خذ حبة"، يعني يقتله، لأنه ما سمع له. لماذا ما سمع له؟ تغيير المنكر، يقول له: "غير المنكر، هذا منكر، يفعل فاحشة، من زنا، ولواطة، ونحو ذلك"، فيقوم يغير هذا بأن ماذا؟ يشهر السلاح عند هذه الواقعة. فنقول له: هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. عليك بالوعظ، عليك بالتذكير، عليك بالنصيحة لهذا. فإن استمع لك، وإلا... وإلا فتركه. وهل يبلغ السلطان في ذلك؟ قال العلماء: إن كان هذا الرجل معلنًا بالفسق، فإنه يبلغ به ولي الأمر. وهذا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. يعني: إن كان هذا الشخص... أما غيرهم من أجناس الناس، إن عملوا بعض المنكرات، فلا يبلغ بهم السلطان، لخوف أن السلطان لا يعدل فيهم، أو يطلب الرشوة والمال، أو يطلب الرشوة والمال في هذا، فتكون أنت عرضت هذا لعقوبة إما أشد، وإما كذلك لترك العقاب عليه. فتتركه، ولا تبلغ به السلطان، إلا في المجاهر والمعلن بفسقه. هذا إذا أعلن للناس أنه عاصي، أنه يفعل الفواحش، أنه يشرب الخمر، أنه يفعل كذا وكذا، فهذا يبلغ به السلطان إذا لم يتعض، لأنك وعظت ونصحت وذكرت: "خاف الله، اتق الله، هذا لا يجوز، هذا حرام"، وأتيت له بالأدلة، لكنه كان ماذا؟ لا يستجيب لك، ولا يريد. فبلغ به ولي الأمر حتى ينهاه، لأنه من المعلنين، ومن المجاهرين بفسقه. أما إن عمل خطأ أو معصية، فالواجب ستره، ووعظه، وتذكيره، حتى ينتهي. فالمؤلف رحمه الله تعالى ذكر هنا في هذا الباب كله، بعد الآية والحديث، كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فكلام شيخ الإسلام ابن تيمية كلام رصين، وكلام قوي في باب الإنكار. وإن شاء الله تعالى لعلنا نذكره، ونذكر بعض المسائل، مثل ماذا؟ مثل مسألة: لا إنكار في مسائل الخلاف. هذا مشهور عن طلاب العلم، قول لك: "لا تنكر في مسألة... ماذا؟ الخلاف". ومسائل الاجتهاد، هل هذا الكلام على إطلاقه؟ هل هذا الكلام صحيح؟ لا ينكر في مسائل الاجتهاد، في مسائل الخلاف؟ العلماء يقولون: ليس بصحيح. وإن قال بعض... يمكن الإمام النووي رحم الله تعالى: أنه لا ينكر في مسائل الخلاف. لكن في بعض المسائل الخلاف يكون فيها إنكار، يكون فيها إنكار، وفيها تفصيل في هذه المسألة. فإن شاء الله تعالى في الدرس القادم بإذن الله تعالى نذكر بعض المسائل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع إكمال هذا الباب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفر الله وأتوب إليه.