شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 4

الدرس في شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 4، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

أهمية الأدب في طلب العلم وحرص السلف عليه

يؤكد المقطع أن العلم لا يُنال إلا بالأدب، مستشهداً بأقوال السلف كالحسن البصري والشافعي والإمام أحمد. كان الطلاب يرحلون لسنوات لتعلم أدب العلماء قبل علمهم، محذرين من امتهان القرآن وجرأة البعض على الله ورسوله.

أدب التعامل مع النصوص الشرعية والأنبياء والكبار

يشدد المتحدث على وجوب الأدب والاحترام عند التعامل مع القرآن والسنة والأنبياء، ويندد بالاستهزاء بالأحاديث النبوية حتى مزاحاً. يبين أن الأدب مع الكبار والوالدين والصحابة والعلماء من أصول الدين مستدلاً بأقوال السلف.

آداب الخطاب وتوقير الكبار ورحمة الصغار

يؤكد المتحدث على أهمية الأدب في الخطاب، وتوقير الكبار، ورحمة الصغار، وتعظيم علماء السنة وحقوقهم مستشهداً بالحديث النبوي. يحذر من الاستخفاف بالعلماء والافتاء في النوازل بلا علم.

الختم بالصلاة والسلام على النبي ﷺ

يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والتسليم على النبي محمد ﷺ وعلى آله وصحبه. وهو دعاء مشروع ومستحب في ختام المجالس والخطاب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في هذه المنظومة النافعة في أدب الطلب، في أدب طلب العلم الذي توارثه السلف وحرصوا عليه رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم. وكما قلنا: إن العلم لا ينال إلا بالأدب، فمن لم يطلب الأدب فإنه لا ينال العلم. وقراءة هذه المنظومات من الأشياء المعينة على ذلك، من الأشياء المعينة على الأدب. يقول رحمه الله تعالى: «فالتمس العلم وأجمل في الطلب، والعلم لا يحسن إلا بالأدب». «فالتمس العلم» أي: اطلب العلم واحرص عليه، والتمسه التماس من لا حياة له ولا نجاة له إلا بأن يتعلم. التمس العلم التماس المضطر الذي يبحث عن الحياة ويهرب من الموت، ولا مهرب له إلا بالعلم. فالتمس العلم: اطلب العلم، وارحل في طلبه، واصبر عليه، واسأل الله عز وجل أن يعينك عليه، وأن يوفقك إليه، وأن يهديك إليه. «وأجمل في الطلب» أي: اطلب العلم بتؤدة وسكينة وهدي سلفي، وإياك أن تطلبه بغير هدي السلف فتحرم بركته وتحرم نفعه، عياذاً بالله. العلم له طريق ومسلك، فاطلبه بطريقه، واسلك إليه مسالكه، فإن سلكت غير مسالكه فإنك لا تصل إليه، لا تصل إليه. «فالتمس العلم وأجمل في الطلب، والعلم لا يحسن إلا بالأدب». هذه عبارة عظيمة: العلم لا يحسن، ولا يجمل، ولا ينفع إلا إذا كنت متحلياً بالأدب، إذا كنت متحلياً بالأدب. ولهذا كان السلف ربما يرحل الراحل منهم إلى أهل العلم ليس لكتابة الأحاديث، بل لأجل أن يتعلم منهم الأدب. الأدب يتعلم منهم الأدب، يرحل المفاوز والقفار، ويفارق الأهل والأوطان، ويتغرب، ويصبر على الجوع والعطش والخوف والفقر والمرض وغير ذلك، كل ذلك من أجل العلم وأدبه. يطلب العلم ويطلب أيضاً الأدب، كما قال الحسن البصري: «إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين، ثم السنتين». يخرج في أدب نفسه سنتين كاملة لأجل أن يتعلم الأدب، لأجل أن يتعلم الأدب. إن كان الرجل ليرحل، ليخرج في أدب نفسه السنتين، أربعة وعشرين شهراً، ثم السنتين، أربعة وعشرين شهراً. وقيل للشافعي رحمه الله: كيف شهوتك إلى الأدب؟ قال: «أسمع بالحرف منه مما لم أسمع منه، فتود أعضائي لو أن لها سمعاً فتتنعم به». هكذا يقول أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى وغفر له ولعلمائنا أجمعين: «أسمع بالحرف منه، فتطرب له نفسه، فتود أعضائي لو أن لها أسماعاً لتتنعم بالأدب». فالعلم لا يحسن، كما قال الناظم رحمه الله تعالى: «والعلم لا يحسن إلا بالأدب». في مجلس الإمام أحمد رحمه الله حلقة عامرة، فيها نحو خمسة آلاف طالب، لا سيما بعد المحنة، محنة خلق القرآن. مجلس الإمام أحمد فيه نحو خمسة آلاف طالب، كلهم يكتبون الأدب، إلا نحو خمسمائة طالب. في مجلس الإمام أحمد خمسة آلاف طالب يكتبون الأدب، وخمسمائة منهم يكتبون الحديث. خمسمائة الذين يكتبون الحديث، والبقية يكتبون إيش؟ آداب الإمام أحمد رحمه الله وأخلاق الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغفر له. يأخذون سمته، يأخذون هديه، يأخذون خلقه، يأخذون زهده، فيتعلمون ليعملوا. هكذا نقل رحمه الله. والأدب منزلة عظيمة من منازل العبادة، الأدب وهو أدب مع الله عز وجل. كم من إنسان الآن جريء على الله سبحانه وتعالى، ليس متأدباً مع الله عز وجل، ولا مع رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بعض الناس يأتي بآيات ويجعلها كأمثلة بين الناس، وهذا خطر عظيم. فالقرآن يعظم عن أن يمتهن فيصير أمثلة لخلافات الناس أو نحو ذلك. كما قال بعض الناس في باب الكدية، الكدية المسألة: «فإن ردت فما في الرد منقصة، قد رد قبله، قد رد موسى قبله، والخضر». قال القرطبي في تفسيره معلقاً: «مهما كنت لاعباً فإياك أن تلعب بدينك». يعني: خليك شحات مع الشحاتين، فمد يدك وقل: أعطنا. صدق: «أعطنا». إذا قال: ما في روح، لا بس هذا موسى قد ردوه، موسى قد ردوه. كيف الله أنت هذا؟ الخضر راح القرية وردوه، ما أعطوا شيء. أنت تعد العلماء مثل هذا؟ استهزاء، استخفاف، سوء أدب مع القرآن. تجعل يعني الأنبياء الكرام والرسل العظام، الأنبياء مثل الخضر على الصحيح، والرسل مثل موسى في هذا الموضع وهذا السياق. قال القرطبي: «مهما كنت لاعباً». قال الأوائل: «مهما كنت لاعباً فلا تلعب بدينك». والزم الأدب. الآن نسمع بعض الناس يقول: «أصحاب، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»، ويضحك. تسمعون بهذا يا إخوان أو لا تسمعون؟ أنتم: «أصحاب، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك». لحظة يا أخي، بارك الله فيك، قف، اهدأ لحظة. «وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»، هل هو كلامي أم كلام زيد من الناس، أم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كلام من؟ قف. الجواب يا شاء إخوان: كلام من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. هذه اللفظة في صحيح مسلم، وهي صحيحة على المعتمد عند الحفاظ، لها شواهد وطرق، ويكفيها إخراجها مسلم. هذا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. يعني: تذكر كلام الرسول على سبيل المزاح والضحك، هذا يدل على سوء الأدب، هذا يدل على سوء الأدب. يعني كأن هذا كلام يستعذب به. يا أخي، يا أخي، اتق الله سبحانه. أين الأدب؟ أين الاحترام للأحاديث؟ وإن اختلفنا في فقه المسألة، أين الأدب مع النصوص؟ العلم لا يحسن إلا بالأدب. ولهذا الأدب مع الله عز وجل أمره عظيم. كذلك الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم. هذا تجد الإمام مالكاً رحمه الله كان يتوضأ ويتطيب، ويفعل كذا وكذا، ويلبس أحسن ثيابه، تعظيماً للعلم. وكان بعض السلف يعني إذا ذكر الرسول لا يجلس جلسة فيها نوع من الانبساط، يزم نفسه، ويحزم نفسه، لأنه يسمع بذكر الرسول صلى الله عليه وسلم. وكانوا ينهون عن رفع الصوت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه نهي عن رفع الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. كل هذا من الأدب. كذلك الأدب مع الوالدين: «فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرة». كذلك الأدب مع الصحابة رضي الله عنهم: لا يذكرون إلا بالجميل. ومن ذكرهم بسوء، كما يقول الطحاوي رحمه الله، أبي جعفر، أبو جعفر الطحاوي، أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي في عقيدته المشهورة: «والأولون يعني من الصحابة لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل». كان يقول: والله هذا ظالم، هذا طماع، هذا طمع، هذا ظلم، هذا بغى، هذا فعل، هذا كذا. لا يذكر الصحابة إلا بالجميل. وهكذا أهل العلم أيضاً: الأدب مع العلماء، الأدب مع أهل العلم، باب عظيم. باب عظيم في هذا الباب حديث عند الطبراني والحاكم، حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا». انتهى الحديث. قال أهل العلم: أي حقه. كلمة «حقه» هذه ليست من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. حديث الرسول: «ويعرف لعالمنا»، سكت النبي صلى الله عليه وسلم. قال العلماء: أي، أي التفسيرية، يسمونها أي التفسيرية، يعني يكون ما بعدها تفسيراً لما قبلها. «دخل الرجل، أي زيد». أي يسمونها أي إيش؟ التفسيرية. إذن الحديث انتهى عند إيش؟ سماع الرحمن: «ويعرف لعالمنا»، أي حقه. «ليس منا من لم يوقر كبيرنا». الكبير له أدب، الكبير له أدب في معاملته، كبير السن في الخطاب معه. بعض الناس حصل واحد كبير يقول: يا فلان. هذا غلط، هذا ليس من السنة. السنة توقير الكبير. قل: يا عم فلان، أو يا شيخ فلان. بعض الناس يقول لوالده: يا شيبة. وين الشيبة؟ راح الشيبة، جاء الشيبة. كيف ترون هذا؟ والده شيبة، كيف ترون هذا؟ صحيحة؟ قل له: غلط، هذا ما هو من الأدب. إيش الشيبة؟ ولا يقول لأمه: العجوز. راحت العجوز، وشلينا العجوز، وحطينا العجوز، ودينا العجوز، ورحنا بالعجوز. إيش العجوز؟ يعني تحتاج إلى أدب في الخطاب. أدب الخطاب مهم. النبي صلى الله عليه وسلم يقول في هذا الحديث: «ليس منا»، أي: ليس من سنتنا وهدينا وعملنا، من لم يوقر كبيرنا. توقير الكبير في الخطاب، في المجلس. ينبغي لطالب العلم أن يحرص على الآداب مع الناس، يحرص على تعلم الآداب مع الناس. وهكذا إذا كان شيخاً لقبيلة، عاقلاً في حي، أو شيخاً في علم، كلما زادت زادت المسائل. «ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا». كذلك الصغير يرحم، وإن أخطأ يحلم عليه، يحلم عليه، لا يغضب عليه لأنه صغير. لا يعامل الصغير معاملة الكبير. بعض الناس يحاسب الصغيرة كمحاسبة الكبير: لماذا فعلت كذا وكذا؟ هذا ما يعقل، ما يفهم اللي تقوله. وإن فهم جزء، ما فهم المعنى كاملاً. هذا صغير، لا تعامل هذا في سن هذا. صاحب سبع سنوات ليس كصاحب عشرين سنة، لا يستويان مثلاً. فرق. «ويرحم صغيراً». ومن ذلك التغاضي عن هفواتهم. من ذلك في المساجد: الصبر عليهم في رفع أصواتهم، أو جريانهم يميناً ويساراً، ويلعب بالماء، ويشرب، ويصلح كذا، ويدف، ويرجع. اصبر عليه. «ليس منا من يوقر كبيراً، ويرحم صغيراً، ويعرف لعالمنا»، أي حقه. «ويعرف لعالمنا حقه». كذلك معرفة منزلة علماء السنة: «لعلامنا»، لعالم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهؤلاء لهم حق في احترامهم، في تقديرهم، في تعظيمهم، تعظيماً شرعياً. يعظمون تعظيماً شرعياً. تعظيم العلماء، تعظيم العلماء، تعظيماً شرعياً. أما من يستخف بالعلماء فهذا على سوء أدب، ما طلب العلم، ولا جالس أهله، ولا انتفع بما علمه. نسأل الله العافية والسلام. أين أدب الطلب؟ والعلم لا يحسن إلا بالأدب، لا سيما مع من ذكر. ومنهم العلماء. العلماء لهم حقوق. «ويعرف لعالمنا»، لعالمنا، أي عالم السنة. علماء السنة الذين أفنوا أعمارهم في تعليم العلم، في توجيه العلم، في نصرة السنة. قد يقع لبعضهم الهفوة أو نحوها. من كان له قدم صدق في الدعوة وفي الإسلام، يغض عن هفوة، ويعفى عن زلته، ويخاطب بالخطاب الأجمل: «وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن». ليست الفظاظة، ولا الغلظة، ولا سوء الأدب من أدب طلبة العلم. إذا رأيت طالب العلم سباباً، شتّاماً، سيئ الآداب، وقحاً في كلامه، فاعلم أنه ليس على هدى في طلب العلم النافع. كيف بمن يفرض على أهل العلم أموراً؟ لا مانع من الرد ومناقشة بعض أهل العلم، هذا باب آخر. لكن مناقشة علماء السنة تكون بأدب، عند الحاجة، تكون بأدب. لا ندعي لأحد العصمة، كلهم معرض للخطأ والإصابة. لكن من له قدم ليس كمن ليس له قدم. بعض الناس يقول في بعض النوازل: لماذا يعني فلان لا يخرج من بلاد كذا وكذا مثلاً، ويفترضون أموراً وأموراً. وهذا ناتج عن قصور في الفهم، وأيضاً عن اقتحام لمعضلات الأمور. يقول عثمان بن حصين، أبو حصين رحمه الله: «إنكم لتتكلمون في مسائل لو عرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر». مسائل تتكلمون فيها، لو نزلت وعرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر. إن أحدهم ليفتي في المسألة، لو نزلت على عمر لجمع لها أهل بدر، يستشيرهم. واليوم تجد واحد بالواتس يتكلم في نوازل ودماء وأمور لا يعقل منها شيئاً. ما يخفى عليه فيها أعظم مما يعلم. هو والله يخفى عليه أكثر مما عنده، مما يظنه فيها. لا يعرف أسرارها، ولا يطلع على خفاياها، ولا يدري ما فيها. معه ظاهر من القول فقط، ويتكلم، ويفتي في مسائل يعني اليوم يحتاج أن يجتمع فيها علماء كبار، ويتدارسونها مدارسة شرعية. وهذا في واتس، ولا في فيسبوك، ولا في كذا. نسأل الله السلامة والعافية. هذا أيضاً من سوء الأدب، وسيشير إليه الناظم رحمه الله تعالى فيما سيأتي. وهذا ولنا بقية كلام حول هذا الموضع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.