الدرس في آداب النوم 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بالحديث عن أهمية آداب النوم في الإسلام، حيث يُعد النوم آية من آيات الله ورحمة منه للبشر. يتطرق إلى التغيرات الفسيولوجية التي تحدث أثناء النوم.
يتناول هذا الفصل النوم كنعمة من الله تعالى، حيث يريح الجسم ويستعيد الإنسان نشاطه، كما أنه تذكير بالموت. يشير إلى أن الإنسان يحتاج للنوم ليعيش، بينما الله تعالى لا ينام ولا يتعب.
يشرح هذا الفصل أهمية اتباع آداب النوم في الإسلام لتحويل النوم إلى فرصة لكسب الأجر والثواب. يشير إلى أن النوم ركن أساسي في حياة الإنسان ويشكل ثلث يومه.
يختتم الدرس بالدعاء أن ينفع الله بما قيل، ويصلي على النبي محمد، ويشير إلى أن هناك دروس قادمة ستتناول آداب النوم بشكل أعمق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، في دروس خلت، إخواني في الله، كان الانتهاء من ذكر ما يتعلق بآداب السلام، وما يلحق بهذا الأدب ببعض المتابعات مما يتعلق بآداب المعانقة والمصافحة والتقبيل. وإن شاء الله، في هذا الليل، وفي هذا اليوم، وفي هذا المقام، نتذاكر وإياكم أدبًا جديدًا من الآداب الإسلامية، وهو يعتبر كذلك من الآداب العظيمة، ألا وهو ما يتعلق بآداب النوم. قد مر الحديث عن آداب الطعام، وآداب الشراب، وآداب الضيافة، وفي كذلك آداب السلام. وآداب النوم، إخواني في الله، من الآداب العظيمة التي تكلم عليها العلماء كثيرًا، واهتموا بها. وما كان اهتمامهم بآداب النوم إلا لما رأوا من اهتمام الشريعة في نصوص الوحيين في الكتاب والسنة بهذا الأدب العظيم. والنوم، إخواني في الله، لا يخلُّ منه إنسان، فالإنسان يكون بين حالة اليقظة وبين حالة النوم، يتقلب بين هاتين الحالتين منامًا ويقظة، كما يتقلب الكون بين حالتي النهار والليل. وقد جعل ربنا جل وعلا النوم هذه الهيئة، جعلها ربنا جل وعلا آية من آياته، آية من آياته تدل على قدرته سبحانه وتعالى في خلقه. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. فذكر ربنا جل وعلا من آياته هذه الهيئة التي يكون عليها الخلق في أمر نومهم، هيئة عظيمة عجيبة. تجد أن الإنسان في حال يقظته يتحرك الحركة العنيفة والعظيمة، يتحرك يمنى ويسرى، ثم تغيب عنه الحياة، فإذا هو في مرحلة النوم، كيف هو؟ سكون، سكون، أين الحركة؟ أين الجري؟ أين القفز؟ أين الكلام؟ أين النظر؟ كل هذه الحواس تفتقد، فترى الإنسان قد أصبح في حال ركود ورقود وسكون. لربما تأتي بجنب هذا الرجل الذي كان جبارًا بالأمس، لا يملك ساكنًا، فهذه آية من آيات الله. ناهيك عما تذكره الدراسات المعاصرة، كانت أو الدراسات القديمة، في حال ما يكون من تغير في جسم الإنسان حال نومه. الإنسان يتغير كلية إذا نام، يتغير كلية، فما يبقى إلا العمل الداخلي، نبض القلب، جريان النفس. ولهذا يذكر العلماء أن هناك إفرازات ما تفرز في الإنسان إلا في حال نومه، كذلك الغاز على ما يذكره أهل الدراسات، ذلك الغاز الذي يفرز في الدماغ، ويكون سببًا لتخدير الجسد، فينام الإنسان على إثره. أو تلك الهرمونات، كهرمون النمو، والذي لا يفرزه الإنسان إلا في ساعات نومه. ناهيك عن الخلايا التي تتجدد، الإنسان في حال يقظته يتحرك، فهناك خلايا تتحرك مع حركته، وإذا جاء النوم، فهذه الخلايا تتجدد، فما كان قد احترق من شدة الإنهاك، فهذا يرمى ويطرح، فتنمو خلايا جديدة. هذا متى كله في نومك يا عبد الله؟ آية، آية من آيات الله سبحانه وتعالى، جعلها بين جنبيك، وأنت لا تشعر بها، فهي آية بحق، جعلها الله جل وعلا بخلقه. زد على ذلك، مع أنها آية، هي كذلك نعمة، نعمة حباها الله عز وجل للبشر، ولسائر الكائنات والمخلوقات. أنك عندما تنام يا عبد الله، تجد الراحة، تجد الراحة، وتجد كذلك السكون بعد إرهاق. فالرجل يعمل ويعمل ويكد، فيأتيه الإنهاك، فإذا نام استراح. وليس فقط النوم راحة لما مضى، بل هو كذلك نشاط لما سيأتي. بعض الناس إذا أراد أن يسافر، أو أراد أن يعمل عملًا ثقيلًا، فإنه يمهد لهذا بنوم، ينام حتى يستعد. فأصبح النوم له فائدتان: فائدة لما مضى كراحة، وكذلك فائدة لما سيأتي باكتساب الجد والنشاط. فهو نعمة من نعم الله عليه. ولهذا تخيل يا عبد الله، إذا الإنسان ما نام، كيف يكون حاله؟ سيصاب بإرهاق شديد. ولهذا في باب الطب، هناك أمراض لا تعالج إلا بالنوم، الأمراض التي فيها التشنجات، والتي تعود إلى مسألة الأعصاب، وغير ذلك، علاجها عند الأطباء بالنوم. نم كلما استرخيت في النوم، فإن هذا مدعاة لصحة بدنك. وهذا كما قلنا في بعض الأمراض. وأما من لم ينم مطلقًا، فهذا نهاية أن يفقد عقله. وقد وقع ذلك عند بعض من يبتلون بالتجارب على الآدميين، خاصة من أراد أن ينكل بخصومه. فبعضهم فعل هذا مع خصومه، أن منعهم من النوم أيامًا وليالي، لا ينامون، كلما ناموا ضربوا حتى يبقى مستيقظًا. فما هي إلا أيام معدودة، حتى ذهب عقله، ما استطاع أن يتحمل. العقل أن يبقى العقل دائمًا كالمحرك يوم وليلة، يوم وليلة، وهو يشتغل. من يستطيع أن يتحمل الجسم البشري أن يستمر أيامًا وليالي وهو على يقظة؟ هذا لا يتأتى. ولهذا ذهبت عقول هؤلاء، وأصبحوا مجانين، لأن العقل قد ماذا؟ قد خرج عن طوره وعن صنعته. فهذا يدلك على أن من عظيم ما أنعم الله به على العباد، أن من عليهم بهيئة النوم. النوم، إخواني في الله، كذلك فيه التذكير لخلق الله بأمر الوفاة، بأمر الموت الحقيقي. لأن النوم كما يسميه العلماء هي الموتة الصغرى. جاء ذلك في كتاب ربنا عز وجل، بقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. فالله جل وعلا يتوفى الأنفس، كل الأنفس والأرواح تكون بقبضة الله جل وعلا. فمن قدر عليها الموت أمسكها الله، ومن قدر عليها الحياة، أرسل الله الروح إلى الجسد إلى أجل. فأنت يا عبد الله في حال موتك يكون حالك أن الروح تُقبض بين يدي الله جل وعلا، فكأنك في عداد الموتة. ولهذا كان من دأب رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذا استيقظ من نومه، كان يقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعد موتنا». فجعل النوم موتة. فالإنسان، إخواني، في كل يوم وليلة، إذا تهيأ للنوم، علم أنه في حال موته. ولهذا فالشرع أرشد النائم إذا أراد أن ينام أن يستعد لهذه الحالة، وذلك بالإكثار من ذكر الله جل وعلا، وبقراءة شيء من القرآن، ومن التطهر والوضوء، إلى غير ذلك. حتى إذا جاءتك منيتك وأنت في حال نومك، تكون قد ميت على أحسن حال، وعلى حسن خاتمة. وسأتي معنا الآداب المذكورة في هذا الباب. الشاهد أن النوم، إخواني في الله، هو التذكير للخلق جميعًا بأمر الوفاة. فإن يستعد الإنسان لموته الأكبر بهذه الموتة الصغرى. كذلك في أمر النوم، إخواني في الله، إشارة إلى كمال الرب سبحانه وتعالى، إلى كمال الرب سبحانه وتعالى. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا بنوم، فهو يرى حال كمال هذا بالنسبة إليك، أيها البشر. لكن بالنسبة إلى الرب جل وعلا، فربنا لا ينام، كما قال سبحانه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. إشارة إلى أنك أيها المخلوق ناقص، يعتريك التعب، يعتريك الإرهاق، تريد أن تخلد إلى الراحة، تريد إلى السكون، تريد أن تهدأ، هذا في حقك أنت. لكن في حق الرب، حاشا سبحانه وتعالى، فهو الغني، فهو الغني بنفسه وبذاته، جل في علاه. وبهذا تعلم أن من تألى على خلق الله، أو من تألى على ربه عز وجل، ودعى لنفسه الربوبية والألوهية، فرأى أنه يدبر الكون مع الله، أو أن الناس يعتقدون فيه الألوهية والربوبية. انظر إلى حال هذا المسكين، أليس ينام؟ أليس يعتريه ما يعتري البشر من الكسل والضعف والإرهاق، فيحتاج إلى قسط من الراحة، يحتاج إلى النوم؟ هذا حق بشري، كيف يكون هذا ربًا أو آلهة؟ تصرف له العبادات أو تعتقد فيه الاعتقادات؟ هذا لا يكون، وإنما هذا يكون لرب العزة عز وجل. فلهذا كانت مرحلة النوم إشارة إلى ضعفك يا أيها الإنسان، وأنك محتاج إلى ربك جل في علاه، وأن الله هو الغني. النوم، إخواني في الله، الإنسان يعد له العدة، الإنسان يهيئ نفسه لأمر النوم، وهذا على مستوى الأفراد والمجتمعات والشعوب والحضارات. حتى رأينا أن الناس يعظمون من أمر النوم، حتى جعلوا له عدة خاصة به. فعندي مثلًا في بعض البيوت غرفة نوم، وعندي كذلك ملابس تسمى بملابس النوم. ناهيك عما هيئ له للنوم من وسائد، ومن فرش، ومن بطانيات، ومن غيرها من أدوات، كل ذلك في سبيل تهيئة نفسه لهذا المقام العظيم من المقام البشري. وقد ذكر أهل التربية والسلوك أن الإنسان الطبيعي يحتاج في اليوم والليلة إلى ثمان ساعات. هذا نعم قد صرح به بعض العلماء، وكذلك من علماء المسلمين من أهل التربية والسلوك، إلى أن الإنسان يحتاج إلى أن ينام في اليوم والليلة، كمتوسط، ثمان ساعات في اليوم والليلة. وثمان ساعات لو جعلتها كنسبة بين أربع وعشرين ساعة، فهي ثلث اليوم. ثلث اليوم منك يذهب نومًا. فلو قدر أن إنسانًا عاش ستين سنة، وكان حظه من اليوم ثمان ساعات، إذن عشرين سنة ذهبت عليه نومًا. من عاش ستين سنة، وكان مقدار ما ينامه في يومه وليلته ثمان ساعات، إذن فليعلم أن من الستين سنة عشرين سنة ذهبت عليه نومًا. عشرين سنة ذهبت عليك نومًا، هذا إذا حسبنا بثمان ساعات. فثمان ساعات تعتبر ثلث اليوم والليلة. وبهذا تعلم يا عبد الله أن هذه مدة طويلة، عشرين سنة ذهبت عليك نومًا. ومن هنا، إخواني في الله، حتى لا تتحسر ولا تتندم على هذه المدة، فلا تذهب عليك سدى. جاء الإسلام بهذه الشريعة السمحة التي حوت على الرحمة، وطلب الخير لهذه الأمة المحمدية، أن جعل هذه الفترة الطويلة تذهب منك يا عبد الله، تحسب عليك حسنات، تحسب عليك أجور. حتى قال من قال بعض السلف من أصحاب رسول الله: «إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي». إني لأحتسب نومتي، هذا النوم أحتسب على الله جل وعلا أن يكون لي أجر، كما أحتسب قومتي، كما أني في قيامي في النهار أحتسب الأعمال الصالحة، كذلك في النوم. فدل ذلك على أن الإنسان في حال نومه يؤجر. ومن أعظم ما تؤجر عليه في حال نومك وأنت نائم يا عبد الله، أن تتلمس هذه الآداب، وهي آداب النوم، تتعلم، تتفقه، تتفطن لما شرعه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم من آداب، ومن سنن، وأعمال، وأقوال، وأفعال، وأحوال، إذا استطعت أن تأتي بها عند نومك. اعلم أنك نمت يا عبد الله على أحسن حال، بل هذه الساعات تذهب عليك أجرًا، تذهب لك أجورًا وحسنات. وهذا، إخواني في الله، الذي نجد أنفسنا أننا لا بد أن نتحرى هذا الباب، الجميع: الصغير والكبير، والذكر والأنثى، وكل مسلم ومسلمة، يتحرى هذا الباب، حتى يستغل هذه الفترة التي تمضي عليه من ساعاته، يستغلها في صحيفة أعماله أجورًا وحسنات. وإن شاء الله، هذه مقدمة، وستأتي معنا في دروس قادمة ما يتعلق بآداب النوم من مسائل وأحكام. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.