الدرس في آداب النوم 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية تفقد البيت قبل النوم وإطفاء المصابيح النارية لتجنب الحرائق. يشير إلى أن الأحاديث النبوية تشدد على إطفاء المصابيح التي تشتعل بالنار.
أمر النبي بإغلاق الأبواب وإوكاء الأسقية وتخمير الطعام والشراب قبل النوم لحفظ الأموال والأنفس من الضرر وإبعاد الشياطين. هذه الآداب لها مصالح دينية ودنيوية.
يؤكد على أهمية تغطية الأطعمة والأشربة عند النوم لمنع تلوثها بالحشرات والميكروبات. ثبت علميًا أن ذلك يمنع الإصابة بالأمراض، مع التشديد على ذكر اسم الله.
يختتم كلامه بدعاء الله أن ينفع بما قيل، ويصلي على النبي محمد، ويقر بأن الله تعالى أعلم. يشدد على أهمية ما سبق ذكره من مسائل قبل النوم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا إخواني في الله في هذا المبحث في ذكر آداب النوم، ولازلنا في الفصل الأول من ذكر الآداب التي ينبغي أن يستعد بها المسلم قبل ذهابه إلى مطجعه. وكان من ذلك الاهتمام باختيار الأماكن المناسبة، ولا يعرض نفسه إلى التهلكة بأن ينام في أماكن جاء ذكرها في درس أمس، وهي من الأماكن التي ما ينبغي أن يبيت فيها المسلم. كذلك من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم قبل نومه أن يتفقد بيته، أن يتفقد بيته قبل أن يأوي إلى فراشه. وقد مر معنا أن النائم فإنه يكون في حالة كحالة الوفاة، ليس يملك من الأمر شيئًا لنفسه، فضلًا عن بيته. فالبيت يبقى بلا أحد، الكل نيام، ولهذا ترون أن مكمن الشرور تظهر في الليل عند رقود الناس، يقع القتل في الليل، يقع احتراق البيوت في الليل، يقع السرقة في الليل، يقع التلصص إلى غير ذلك من الأزمات والمعاصي والذنوب، ويكون في البيوت يكون في الليل. ولهذا حرص الإسلام على أن المسلم قبل أن يأوي إلى فراشه أن يتفقد بيته، ولهذا يعد ذلك من الآداب التي ينبغي أن يعتني بها المسلم قبل ذهابه إلى نومه. ومعنى في هذا الباب مما جاء به السنة ما رواه البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله قال عليه الصلاة والسلام: «أطفئوا المصابيح إذا رقدتم، وغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخمروا الطعام والشراب، وأحسبه قال: ولو بعود تعرضه عليه». هذا الحديث إخواني في الله بيَّن فيه نبينا صلى الله عليه وسلم بعض الأمور التي يحرص عليها المسلم قبل أن يأوي إلى فراشه، وخاص بالليل. من ذلكم قوله عليه الصلاة والسلام: «أطفئوا المصابيح». وقد مر معنا في درس أمس إلى أن المسلم يحاول أنه يطفئ النيران، فإذا كان هذا المصباح أو السراج وقد جاء كذلك في بعض روايات الصحيح: «وأطفئوا سروجكم». إذا كان المصباح أو السراج عبارة عن نار مثل ما كان معنا قريبًا في هذه البلدان وفي الأزمان القريبة ما يسمى باليرمل ونحو ذلك، عبارة عن مصابيح تشتعل عن طريق النيران. فإذا كانت هذه النيران في أماكن المصابيح في أماكن محفوظة، كأن تكون في زجاج أو تكون معلقة كالقناديل، بحيث يؤمن شرها، فحينها قال العلماء: لا بأس بإبقائها ليلًا. وكانوا يمثلون بالمصابيح الموجودة في المساجد عندهم، إذ أن المساجد تكون مفتوحة الأبواب لكل قادم، لكل مسافر، لكل مصلي، فكانوا يجعلون المصابيح وهي شعلة من نار، لكن معلقة قد أمنوا شرها وضررها. فذكر الإمام النووي وجماعة من العلماء: إذا كانت هذه المصابيح التي تشتعل عن طريق النيران في أمان وفي مأمن، فلا بأس بإبقائها. أما والمصابيح الآن عبارة عن كهرباء، فهذا أمر آخر، فلا بأس بإيقادها وإشعالها لأنها ليست بنار، وإنما هذه الأحاديث «أطفئوا مصابيح» أو «أطفئوا سروجكم» إن كانت من نار. وقد ذكر العلماء من العلل التي جاءت بها الأحاديث على أن هذا المصباح الناري أو كان هذا السراج المشتعل النار أنه لا يبقى، لأن الفويسقة تطرم على النار بالنار على أهلها. جاء ذلك في رواية الصحيح بأن الفويسقة -ومن المقصود بالفويسقة هنا؟ المقصود به الفأر، ذكرًا كان أو أنثى، فإنه يسمى بالفويسقة- وأصل الفسق الخروج، يقال: فسقت الناقة إذا خرجت عن خطها، وهكذا سمي الشيطان فاسقًا كما في قول عز وجل: ﴿ففسق عن أمر ربه﴾ أي خرج عن أوامر ربه، وسمي الفاسق فاسقًا لأنه خرج عن الجادة وخرج عن طاعة ربه. فالفأرة تسمى فويسقة، ولماذا؟ قال: لأنها خرجت عن باقي الكائنات بماذا؟ بشدة إتلافها وضررها، إذ أنها مؤذية، وأنت من ابتلي بالفئران والجرذان يعلم مدى ضرر هذه الدابة على الناس في بيوتهم وفي ثمارهم وفي حاجاتهم، لربما تقرض قرضًا ثم تترك، فتتلف على الناس الأواني وتتلف على الناس الأوراق وتتلف على الناس الملفات وتتلف على الناس الثياب. فهي خرجت عن طور الحيوان بشدة أذيتها، ومن أذيتها أنها تحرق على الناس بيوتهم، وفي رواية تحرق على الناس ثيابهم، وجو إحراقها أنها تسحب بالفتيل، إذا كان عندي موقد من نار أو عندي مصباح فيه فتيلة، فهي لربما سحبت الفتيلة وأحرقت البيت. وقد وقع ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام كما جاء في البخاري في الأدب المفرد أن نبينا صلى الله عليه وسلم بينما كان جالسًا في محله إذ رأى فأرة فويسقة تجر فتيلة وتتجه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما أراد الناس أن يمنعوها أمرهم نبينا أن يتركوها لكي ينظروا ماذا تفعل. فإذا بهذه الفأرة رمت بالفتيلة على المكان الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم واحترق من فراشه مقدار درهم، فأشار نبينا حينها وأخبرهم إلى أن هذه الفويسقة هكذا تفعل، تفعل مع النار أنها تأخذ وترمي بها هنا وهنا، فتؤدي إلى الحرائق. فالشاهد من هذا ومن هنا كان من الأدب النبوي إطفاء النار جملة وتفصيلًا، وخاصة المصابيح إذا لم يؤمن شرها. أما إذا كانت معلقة بعيدة عن المتناول، فحينها لا بأس بذلك. ثم أشار نبينا إلى أدب آخر كذلك من الآداب، وهي من تعاهد البيوت قبل النوم والرقود، قال: «وغلقوا الأبواب». إغلاق الأبواب قبل أن تنام يا عبد الله، حاول أنك تغلق الأبواب، وخاصة الأبواب التي تدخل إلى البيت كما يسمى عنه بالسدة. أغلق هذا الباب، ولتتساهل في تركه مفتوحًا. وقد قال العلماء: إن في غلق الأبواب فيه من المصالح الدينية والدنيوية. أما من المصالح الدنيوية، فهي فيه حفظ وحراسة المال وحراسة الأنفس، فلربما أحد أراد أن يؤذيك، فإذا وجد الباب مؤصد ما استطاع أن يدخل، أو أراد لص أن يسرق المتاع، فإذا وجد الباب محكم ما استطاع الدخول. وهكذا فيه حفظ الأنفس من ضرر الهوام من دخول الكلاب والضباع والحيوانات والحشرات والعقارب، فهل ربما تأتي إلى الباب فتجد الباب مؤصد، فهذه حماية دنيوية يعود نفعها إلى الأبدان والأجساد إلى الأنفس والأموال. كذلك فيه مصلحة دينية، وهي كما قال علماء: إبعاد الشياطين، الشياطين بين الناس تسرح وتمرح، فإذا دخل الليل فإنها تهيج وتنتشر. فإذا وجدت أن الأبواب مؤصدة أمامها، فإنها لا تدخل بيتًا بابه موصد، ولهذا جاء في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا». الشيطان ما عنده قدرة على فتح الأبواب، فأنت يا عبد الله إذا أغلقت الباب ستغلق الباب أمام الشر. وهل معنى ذلك أن الشياطين في الداخل تخرج؟ ما عندي نصف هذا، فالشياطين التي داخل بيوت تبقى داخل بيوت، لكن الشيطان الخارجي الذي سيدخل يجد الباب مؤصدًا فلا يدخل، وهذا من بركة هذه السنة النبوية أنك تغلق الأبواب. وقد أشار العلماء كابن العربي رحمه الله تعالى: أن هذه الأحاديث تحمل على غلق الأبواب بالليل، تؤمر وتلزم وتندب إلى أن الإنسان يتفقد الأبواب وخاصة عند الليل. ولهذا ذكر هذا الأدب من آدابي قبل الرقود إلى النوم، تتأكد بنفسك أو تأمر عيالك تتأكد من الباب بأن الباب مؤصد، لما سمعت لما فيه من المصلحة الدينية والدنيوية. كذلك مما جاء في هذا الحديث من الآداب قبل المنام قال عليه الصلاة والسلام: «وأوكوا الأسقية». أوكوا الأسقية، أي شدوا على الأسقية بالوكاء، شدوا على الأسقية بالوكاء. الأسقية مثل ما يسمى الآن القرب، القربة، فعندي قربة وعندي سقاء، وبعض العلماء يفرق بينهما: أن القربة أكثر ما تعد للماء، والسقاء أكثر ما يعد للبن، وإلا اللفظ عام قربة والسقاء. فأمر نبينا قبل أنك ترقد وفي الليل خاصة أنك توكي الأسقية، وهنا الوكاء ما هو الوكاء؟ الوكاء هو الخيط هذا الخيط الذي يكون في فم القربة يسمى هذا الخيط وكاء، يكون في فم السقاء وكاء، الصرة أو الكيس فيه حبل هذا الحبل في اللغة يسمى وكاء. فأنت يا عبد الله إذا أردت في الليل قبل أن ترقد حاول أنك تمر على هذه الأسقية من قرب ونحوها فشد عليها الوكاء، أي أغلقها، أغلق فمها. والحكمة في هذا واضح، لماذا هذا الهدي النبوي؟ حتى تأمن على هذه القرب أن لا يدخل عليها شيء من ماذا؟ من أتربة من غبار من هوام. يقع هذا وقد وقع هذا في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام أن صحابية أراد أن يشرب من قربة، وهذه القربة لم توكى أي لم يشد عليها الرباط في الليل تركت مفتوحة، فلما أراد أن يشرب فإذا بثعبان إذا بثعبان كان بداخلها. وهذا يكثر في أزمان الصيف أيام الحر، تجد أن مثل هذه الحشرات والهوام تبحث عن الأماكن الباردة، فالسقاء والقرب من الأماكن في داخلها برودة فلربما تلتج إليها الحيوان فيدخل. فأنت أتي أنت وتشرب فتجد من هذه الحشرات ما يدخل إلى جوفك أو ما يضرك، ولهذا كان من هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام أنها تغطى وأنها تربط. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وخمروا الطعام والشراب». هذا من الأدب من الآداب التي عند نومك أحرص عليها أنك تخمر الطعام والشراب، والتخمير هو التغطية. فقوله عليه الصلاة والسلام: «وخمروا الطعام والشراب» بمعنى أن تغطى أن يغطى الطعام وأن يغطى الشراب. غطي يا عبد الله بأواني بأي شيء بكيس غطي هذه الأشياء. وهذا العلة واضحة لماذا تغطي؟ لأنك في الليل يا عبد الله لربما تدب حشرات مثل الذباب مثل البعوض مثل الصراصير تمشي في الليل وأكثر مسراها في الليل عند رقود الناس. فهذه الأشياء إذا جاءت على الأطعمة ما لا ستفعل ستلوثه ستلوث بالنجاسات والأوصاخ والبيض إلى غير ذلك. فكان من الهدي النبوي أنك قبل أن تأوي إلى فراشك وعند الليل خاصة أن تتفقد الأطعمة والأشربة فحاول أن تغطيها حاول أن تغطيها. وأيضا من أسباب التغطية أنك تمنعها من إصابتها بميكروبات، وهذا قد اكتشف الآن في الزمن الحاضر، مع وجود هذا البحث العلمي اكتشفوا على أنه في بعض السنوات هناك مواسم تكثر فيه ميكروبات في الجو، وهذه الميكروبات قد لا ترى بالعين المجردة لكن تنتشر هذه الميكروبات فإذا وجدت طعامًا أو شرابًا التصقت به. فإذا تناولها الإنسان بعد ذلك أصيب بمرض أصيب بمرض، وهذا حتى عند الغربيين يعتنون بهذا الأمر وعندهم في شهر كانون الأول شهر كانون الأول وما يعرف الآن بديسمبر هذا شهر في بعض البلدان الغربية يحرصون كل الحرص على تغطية أطعيمتهم وأشربتهم في هذا الشهر خاصة لما يعلمون أن هناك وباء ينتشر. وهذا الذي اكتشفه العهد الحديث والعصر الحديث قد قال به نبينا صلى الله عليه وسلم في زمنه حيث صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء». هذا أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم في زمنه قبل أن تأتي هذه الكشفات وهذه البحوثات العلمية. فأشار إلى أن هناك وباء ينزل في السنة فالله أعلم متى. ولهذا كان من حرصك يا عبد الله على التطبيق لهذا الهدي النبوي قبل. أن مر إذا به المطبخ مثلًا تجد أواني هناك أواني مفتوحة غلقها، هذه معروضة في الطعام، إن كان هناك ما يكون في الثلاجة أدخل في الثلاجة، وإلا ما لا يمكن حاول أنك تغطي على هذه الأطعمة وعلى هذه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولو تعرض عليه بعود». ما معنى هذا اللفظة؟ «ولو تعرض عليه بعود»، إذا كان عندك إناء وهذا إناء فيه طعام أو شراب وأردت أن تغطيه لكنك لم تجد غطاء ما وجدت غطاء، ماذا تفعل؟ أقل ما يمكن أن تفعله في هذا الوقت أنك تأتي ولو بعود بعود وتجعله على هذا الإناء. فقط عود قد يقول قال: وهل العود يعتبر غطاء؟ صحيح العود لا يعتبر غطاء، لكن هذه بركة السنة افعل هذا. مثاله أحيانًا أنت عند نومك تحب أن يكون عندك كأس ماء، هذا بعض الناس اعتاد على ما ينام إلا والماء عنده، فلا تبقي هذا الماء مكشوفًا طيلة اليوم، لا تجعله مكشوفًا وأنت نائم، وإنما غطه إذا سطى هناك غطاء خاص أو هناك وعاء أو هناك ورقة أو هناك دفتر، إذا ما استطعت ما عندك شيء عندك قلم ضع القلم على هذا الإناء ويكفيك ونم، فإنه محمي ببركة السنة. فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ولو تعرض عليه بعود». ضع عود ويكفيك هذا تطبيقًا للامتثال للأمر النبوي، ولن يضرك شيء بإذن الله. هذا في حال ما لم تجد غطاءه، فإن وجدت الغطاء فعليك به. فهذا إخوانا في الله من الآداب التي أمر نبينا بأن نلتزم بها عند دخول الليل خاصة وعند ذهابنا وقبل رقودنا بأن نتفقد هذه الأشياء، فالأبواب تغلق، والمصابيح إن كانت نارية فإنها تطفأ كالسرج، وكذلك الأسقية ماذا يفعل بها؟ يُشد عليها الوكاء إن كانت موجودة، وإن كانت دبب كالموجود الآن يُغطى بغطائها، يُغطى بغطائها دبب الماء. وأما الأطعمة فإن يُغطى عليها الغطاء. وآخر شيء عباد الله، وعليك كذلك عند فعلك لهذه الأمور عليك أن تذكر الله، وقد ثبت في البخاري ومسلم قال عليه الصلاة والسلام: «أغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله». فكلما فعلت شيء سمِّ الله. جاءت عند الباب بسم الله أغلق الباب، غطيت الأواني بسم الله، كلما فعلت شيئًا فإنك تذكر اسم الله جل وعلا، فإن هذا فيه حراسة لك يا عبد الله وحفظًا لك في حال نومك وحفظًا لأمتعتك. فهذا مما يذكر إخواني في الله من المسائل التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم قبل إيوائه إلى نومه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.