باب النجاسات 9

الدرس في باب النجاسات 9، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

حكم بول وروث غير المأكول اللحم

يناقش المقطع خلاف العلماء في نجاسة بول وروث الحيوانات غير المأكولة كالسباع والحمير، حيث ذهب الجمهور إلى النجاسة مستدلين بحديث «هذا ركس»، بينما ذهب الظاهرية والبخاري إلى الطهارة للأصل، مع الإشارة إلى أن مسألة المأكول اللحم أشد خلافاً.

أقوال الفقهاء وأدلة طهارة بول وروث المأكول اللحم

يستعرض المقطع الأقوال الأربعة في طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه: طهارة مطلقة للمالكية والحنابلة، نجاسة مطلقة للشافعية، طهارة للظاهرية، وتفصيل للحنفية، ثم يُرجح القول بالطهارة استناداً للأصل والبراءة وعموم البلوى وأحاديث مرابض الغنم والعرنيين، مع ذكر أدلة إضافية من عرفة الإبل وقصة الجن وإجماع السلف عند ابن تيمية.

باب الآنية: أحكامها وموادها المباحة والمحرمة

يُبيّن المقطع أحكام الأواني من حيث المواد، فيحرم استعمال أواني الذهب والفضة والتزين بها، ويجوز الزبرجد، مع تفصيل في الضبة والحاجة والكراهة، كما يستحب تغطية الأواني والتحري في التمييز بين الطاهر والنجس عند الاشتباه.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في صفوة الزبد فيما عليه المعتمد، الألفية التي نظمها العلامة أحمد بن الحسين بن رسلان رحمه الله تعالى وغفر له. وكنا انتهينا من باب النجاسات، وهو باب كثير المسائل، كثير الفروع، فاللهم لك الحمد على عونك في إتمامه. وبقي مسألتان لم يتعرض لهما الناظم رحمه الله تعالى، وحقهما أن تذكرا. المسألة الأولى: بول وروث ما لا يؤكل لحمه. المسألة الأولى: بول وروث ما لا يؤكل لحمه، هل هو نجس؟ المسألة الأولى: بول وروث ما لا يؤكل لحمه، ما لا يؤكل لحمه كالسباعي ونحوها، ويدخل فيه أيضًا الحمير، فهي لا تؤكل، لحمها لا يؤكل. هذه صورة المسألة: بول هذه الحيوانات، هل هو نجس أم طاهر؟ وروث هذه الحيوانات وفضلاتها، طاهرة أم نجسة؟ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، مسألة بول وروث ما لا يؤكل لحمه فيها خلاف بين أهل العلم على مذهبين مشهورين في المسألة. المذهب الأول: أنها نجسة، أن بول وروث ما لا يؤكل لحمه نجس. هذه المسألة الأولى في بول وروث ما لا يؤكل لحمه، القول الأول أنه نجس، وهذا قول المذاهب الأربعة، وهو قول جماهير العلماء. هذا المذهب هو قول المذاهب الأربعة: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والشافعية. وبه قال جماهير العلماء، قالوا: إن بول وروث ما لا يؤكل لحمه نجس. وإذا قلنا إنه نجس، فيعني أن يغسل كما قدمنا، وما سوى ذيل ففردا يغسل، والحط والتثليث فيه أفضل، يكفيك جري الماء على الحكمية، وأن تزال العين من عينه كما تقدم فيه نظم الزبد. القول الثاني: أن بول وروث ما لا يؤكل لحمه طاهر، وهذا مذهب داود الظاهري، وبه قال الإمام البخاري. هذا مذهب داود الظاهري، وبه قال الإمام البخاري، وقاله من المتقدمين عامر بن شراحيل الشعبي. استدل الأولون بأدلة في الباب، منها: أنه قد ثبت النهي عن أكله لأن لحمه خبيث، فكذلك بوله وروثه خبيثان. قالوا: ثبت النهي عن أكله، ثبت النهي عن أكله، فكذلك بوله لأنه خبيث، خبيث اللحم ليس بطيب اللحم، فكذلك بوله وروثه من باب أولى. ومن أصرح أدلتهم حديث ابن مسعود في صحيح البخاري، هذا من أصرح أدلتهم، حديث ابن مسعود في صحيح البخاري: قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين وروثة، فوجدت حجرين، فلم أجد ثالثة، فأخذت روثة، فأتيته بها. في رواية: روثة حمار، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «هذا ركس، هذا ركس». هذا من أقوى الأدلة للمذاهب في الحكم بنجاسة بول وروث ما لا يؤكل لحمه، فهذا حيوان لا يؤكل لحمه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في روثه إنه ركس، والركس معناه النجس. واستدلوا بأدلة أُخر في هذه المسألة أيضًا، منها: أنه أمر بالغسل من لعاب الكلب، فبوله من باب أولى، فإذا غسل لعابه فكيف ببوله وغائطه؟ كيف ببوله وغائطه من باب أولى؟ هكذا قالت المذاهب الأربعة. استدلوا أيضًا بأمر الجلالة التي تأكل العذرة أو الخبائث، فيصير لحمها خبيثًا، فحبسوها، هذا فيمن قَرَّ عليه الخبث، فكيف بمن أصله خبث، ألا يكون من باب أولى؟ لهم دلائل من هذا النوع، وأقواها حديث ابن مسعود رضي الله عنه، فألقى الروثة وقال: «هذا ركس». القائلون بالطهارة استدلوا بالبراءة الأصلية، قالوا: الأصل براءة الذمة، ولا ينقل عنها إلا بدليل، فالأصل في الأشياء الطهارة، ونحن لا نعلم دليلًا على النجاسة إلا في بول ابن آدم، وما عداه فلا دليل عليه. قالوا أيضًا: كانت الكلاب تدبر وتقبل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكونوا يتتبعون بولها. واستدلوا أيضًا بفعل صحابي جليل، وهو أبو موسى، حيث صلى في موضع تحبس فيه الدواب التي تركب، وهذا ثابت عن أبي موسى. وناقشهم الجمهور بأن حديث ابن مسعود أيضًا وارد في الباب: «هذا ركس»، فهو ناقل عن الأصل. وبأن المسجد قد يكون طهر، الكلاب كانت تقبل وتدبر في آخر المسجد، وكان الجو حارًا في المدينة، والشمس شديدة، يحتمل أنه اكتفي لتطهير الشمس والريح حتى زالت العين. وكيف وهذا إنما كانت الكلاب في مؤخرة المسجد، وليس في وسطه أو أوله. أما فعل أبي موسى فهو اجتهاد منه رحمه الله تعالى، ولم يفعله غيره من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. هذا الجواب من أحسن ما يجاب به عن فعل أبي موسى، حيث صلى في مكان ربط الدواب، وأشار إليهم وقال: «ها هنا وها هنا»، أي البرية سواء، ومكان الدواب فيه بولها، وربما فيه بعرها، وهي تدوسه فيصبح المكان مظنة البول وغيره، ومع هذا يقول أبو موسى: «ها هنا وها هنا»، أي في البر والبرية سواء. هذا ثبت بإسناد صحيح عنه رضي الله عنه وأرضاه، اجتهاد منه رحمه الله، اجتهاد منه رحمه الله. ويحتمل أن يكون المحبوس من الدواب التي يشق التحرز عنها، يشق التحرز عنها كالحمير مثلًا وغيره، كالخيول والإبل، فهي مما تعم بها البلوى دخولًا وخروجًا، ذهابًا وإيابًا، فقد يتغاضى عنها ما لا يتغاضى عن غيرها. وتقدم الكلام في يوم الأربعاء على قول الناظم: «وليعفع النزر دم وقيح من بثرة ودمل وقرح»، أن الأمور اليسيرة أو التي يغلب عدم سهولة التحرز منها، وبول طفل غير در ما أكل يكفيه رش إن يصب كل المحل، يتغاضى عن بعض الأمور. وذكرنا حديث الهرة، حديث الهرة في موطأ إمام مالك رحمه الله عن أبي قتادة، عن ابن أبي قتادة الأنصاري، أن أباه أبا قتادة دخل على زوجته كبشة بنت معقل بن مالك الأنصاري، فأتته بإناء يتوضأ فيه، فجاءت الهرة فجعلت تشرب، فأصغى لها الإناء أي لتشرب، فتعجبت كبشة، وجعلت تنظر إليه، تنظر إلى أبي قتادة، إلى والد زوجها رضي الله عنهم جميعًا، فقال: «أتعجبين يا ابنة أخي؟» قالت: نعم. فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات». حديث صحيح، فدل هذا الحديث عند الجمهور على أن ما عمت به البلوى وصعب الاحتراز منه فالتخفيف فيه، يزيل غلظ ما يظن من نجاسته، «إنها من الطوافين عليكم والطوافات». والحاصل: للأحوط البقاء على قول جماهير العلماء في مثل هذا الموضع، لاسيما ومعنى حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه في قصة روثة الحمار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ألقاها أي رماها، ثم قال: «إنها ركس»، والركس النجس، الركس النجس كما هو معلوم. هذا بالنسبة لبول وروث ما لا يؤكل لحمه. والمسألة الثانية: ما حكم بول وروث الحيوان المأكول اللحم؟ وهذه المسألة أقوى من المسألة السابقة خلافًا بين أهل العلم، هذه المسألة أقوى خلافًا من المسألة السابقة بين أهل العلم، ولهذا تعددت الأقوال فيها إلى أكثر من أربعة أقوال. وأشهر الأقوال في المسألة: القول الأول: أنها طاهرة مطلقًا، بول وروث الحيوان المأكول طاهر مطلقًا، وهو الذي ذهب له المالكية والحنابلة. إذن هذا مذهب المالكية والحنابلة: أن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، ليس بنجس. هذا المذهب الأول: أن بول وروث ما لا يؤكل لحمه طاهر مطلقًا... نعم، ما يؤكل: أن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر مطلقًا. القول الثاني: عكسه، أن بول وروث ما يؤكل لحمه نجس مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية، وقول للحنابلة. هذا مذهب الشافعية، وقول للحنابلة: أن بول وروث الحيوان المأكول اللحم نجس مطلقًا بكل حال. هذا قول الشافعية في مذهبهم. إذن ما هو مذهب الشافعية في بول وروث ما لا يؤكل لحمه؟ ما مذهب الشافعية في بول وروث ما يؤكل لحمه في المسألتين؟ الشافعية يرون النجاسة مطلقًا. المذهب الثالث: مذهب الظاهرية أنها نجست... أنها طاهرة كلها، على أصلهم السابق. هذا مذهب الظاهرية: أن بول وروث المأكول اللحم طاهر مطلقًا، إلا قالوا: لا ينجس من البول إلا ابن آدم. يعني إذا قال الظاهرية في بول ما لا يؤكل لحمه فمن باب أولى ما يؤكل لحمه، إذا كان طاهرًا عندهم ما لا يؤكل لحمه فكيف بما يؤكل لحمه؟ هو طاهر عنده، فمذهبهم واحد في البابين. وأما الحنفية وهو المذهب الرابع، فقالوا: بول الحيوان نجس، وبول الطيور فيه تفصيل. بول الحيوان نجس، وبول الطيور وذرقها، الذرق هو غائط الطيور يسمى ذرقًا. بول الحيوان الذي يؤكل لحمه نجس، والطيور قالوا فيها تفصيل: ما هو التفصيل عندكم في الطيور؟ قالوا: إن كان يذرق في الهواء فطاهر، وإن كان لا يذرق إلا في الأرض فنجس. هذا مذهب الحنفية. قالوا: إن كان كالعصافير وكالحمام والخفافيش ونحوها التي تذرق أي تتغوط وهي تطير في الهواء فهذا طاهر، وإن كانت لا تتغوط أي تذرق إلا في الأرض كالدجاج والبط ونحوه فهذا نجس. وابن القيم ناقشهم في مثل هذا بأن هذا التفريق لا دليل عليه. يستدلون بحمام الحرم وأنه لم يقل أحد بنجاستها وهي تطير، ربما تسقط ها هنا وربما... ولأجل أن لا يطول في المسألة، فالراجح باعتبار الدليل، الراجح باعتبار الدليل هو المذهب الأول، وهو قول من قال: إن بول وروث... إن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر مطلقًا، كما قالت... من هذا مذهب من المالكية والحنابلة. هذا هو الراجح في المسألة لأمور عدة: منها: أنه موافق للأصل وهو البراءة الأصلية، فلا يقال بنجاسة شيء إلا بدليل. هذا الأصل لا نحكم على شيء كما قدمنا في أول قراءة باب النجاسات: أن الأصل الطهارة، لا يخرج عنها إلا بدليل ينص على النجاسة. كيف إذا علمنا أن هذه الحيوانات التي يؤكل لحمها تشتد الحاجة إلى مخالطتها، فتجد أهل الإبل يخالطون إبلهم، وتجد أهل البقر يخالطون أبقارهم، وتجد أهل الغنم يرعون مع أغنامهم، يرعون أغنامهم مع هذا كله، لم يأت نص واحد يفيد نجاسة بول أو روث شيء من هذه البهائم التي عمت بها البلوى، لم يأتنا دليل واحد حتى نتمسك به. هذا الدليل الأول لهم: أن الأصل في الأشياء البراءة والطهارة حتى يأتي دليل، فكيف بما عمت به البلوى؟ وقد كان الصحابة أهل غنم، وكان منهم من يكون أهل إبل، ومنهم أهل أبقار، وكانوا يرعونها، وكانت لها حضائر، وكانت لها أماكن معينة، إلى آخر... مع هذا، مع عموم البلوى بروثها، مع عموم البلوى ببولها، لم يأت دليل واحد لمن قال إنها نجسة، إنها نجسة. أيضًا عندنا في الباب حديث جابر بن سمرة في صحيح مسلم: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أنا أتوضأ من لحوم الغنم»، قال صلى الله عليه وسلم: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ». قال: «أنا أتوضأ من لحوم الإبل»، قال: «نعم». قال صلى الله عليه وآله وسلم: «نعم». قال: «أنصلي في مرابض الغنم؟» قال: «نعم، صل في مرابض الغنم». قال: «أنصلي...» أي: «أصلي في مرابض الإبل؟» قال: «لا». الشاهد: قوله صلى الله عليه وسلم: «نعم» في سؤاله: «أنصلي في مرابض الغنم؟» ومرابض الغنم هي بيوتها التي تسكنها، ولا شك أنه يكون فيها البعر وقد ارتص في الأرض، وتكون فيها أماكن قد بالت فيها، فيها بقع، كما يعرف ذلك من يربون الغنم، معروف هذا. مع هذا، أذن لهذا الرجل أن يصلي في تلك الأماكن، وهذا نص في المسألة، هذا نص في المسألة. لو كانت نجسة لقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصلي فيها، لا تصلي فيها». فلما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، صل في مرابض الغنم»، دل على أن ما يؤكل لحمه يصلي... وأما الطرف الآخر من الحديث: أن يصلي في مرابض الإبل، قال: «لا». هل يدل على نجاستها؟ الإبل من طبعها النفور، وهي حيوانات فيها زهوم، إبل حيوانات فيها كبر وزهوم، ومن طبعها الأذى، من طبعها الأذى، فربما يصلي فتدوس فتؤذيه، لهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مرابض الإبل، بخلاف الغنم، من طبعها السكينة، ولهذا تجد أهل الغنم متكبرين أم متواضعين؟ أهل الغنم كيف يكونون؟ الغالب فيهم بل للأصل أن يكونوا أهل تواضع، بخلاف أهل... فتجد فيهم الجلافة والكبر. وهذا يدل على أن الإنسان يتأثر بجليسه، ولو كان بهيمة، لو يجالس بهيمة فكيف بمن يجالس إنسانًا ألا يتأثر؟ من باب أولى. فإذا كانت إبل... إذا كانت هذه إبل وهذه غنم، لا تخاطبه ولا تتحاور معه ولا تحكي قصصًا مع بعض ولا تضحك مع بعض، ومع هذا يتأثر بأخلاق الغنم ويتأثر بأخلاق الإبل، فكيف بإنسان يحادثه ويتكلم معه؟ فالحاصل: أن مرابض الإبل أمرها أمر آخر، أمرها آخر. والحديث نص في هذه المسألة. أيضًا وقائع كثيرة، منها حديث أنس في الصحيحين في قصة العرنيين الذين اجتووا جو المدينة ومرضوا، فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم مع الإبل يشربون من ألبانها ومن أبوالها، يشربون من ألبانها ومن أبوالها. قد يقول قائل: يجوز التداوي بالنجاسة عند الحاجة. قد يقول قائل مثلًا من أصحابنا أننا نذهب... الشافعي ونحوهم: يجوز التداوي بالنجاسة، فكيف تستدلهم بهذا الحديث؟ سُقِط هذا الحديث، جيبوا دليلًا آخر، كيف نجاوبه؟ إنما يقال: هذا البول لا بد أن يكون له إناء، أليس كذلك؟ وهذا هو الدليل عند المالكية والحنابلة: لم يؤمروا بغسل الإناء الذي يصب فيه البول، لم يؤمروا بغسل الإناء الذي يصب به البول، ولو كان نجسًا لأمروا بغسل ذلك الإناء والعناية بذلك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدلهم على غسل تلك الأواني ونحوها، فدل على أنها على الأصل وهي الطهارة، دل على أنها على الأصل وهي الطهارة. وأيضًا شربها يدل على طهارتها، شربها أيضًا فيه إشارة إلى طهارتها، لا سيما وقد قرنها بالألبان. شربوا... بل في رواية: صلى الله عليه وسلم قدم الأبوال على الألبان، أمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، أمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها. أيضًا في صحيح الصحيحين حديث ابن عباس في طواف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير، في طواف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير، يستلم الحجر بمحجر، وهو يطوف حول البيت على بعير. ولو كان بول البعير نجسًا، ولو كان روث البعير نجسًا، لما جاز إدخاله المسجد والبيت الحرام، مع قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، فلما أدخله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يبول، ويحتمل أن يروث، دل على أن الأصل طهارة، دل على أن الأصل طهارة. الوقائع كثيرة أيضًا: حديث ابن مسعود في ليلة الجن، ما جاء في مسلم عن ابن مسعود في قصة ليلة الجن، لما اجتمع النبي صلى الله عليه وسلم بالجان، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم: «وكل عظم سُمِّيَ عليه يصير لحمًا لهم، وكل روث... أي مما يؤكل يصير علفًا لدوابهم»، صار علفًا لدوابهم. وقال: «كل بعرة علف لدوابكم». ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالعظام وبالروث، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بالروث أو بالعظم، صلى الله عليه وسلم، وقال: «إنه طعام إخوانكم من الجن». ولو كان الروث نجسًا لما كان هناك فرق بين أن ينجس بالاستنجاء... إذن جميعه نجاسة دون فرق. لكنه لما ذكر صلى الله عليه وسلم النهي عن الاستنجاء به دل على طهارته، وأنه طعام تطعمه تلك الدواب. ولو سلمنا جدلًا أن هذا الروث نجس، لكان الواجب... لكان الأمر كالجلالة، وهذا لم يأت فيه دليل. فإن الجلالة هي التي تأكل النجاسة، تأكل النجاسة، ولو كان الروث نجسًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الجن أن يحبسوا دوابهم، أن يحبسوا دوابهم، وأن لا يأكلوها لأنها جلالة، ولكن هذا لم يحصل. دل هذا على أن الأصل طهارة تلك الروثة، ولكنها تترك لأنها صارت طعامًا بإذن الله لإخواننا، لدواب إخواننا من الجن. أيضًا ذكر ابن تيمية رحمه الله، وله بحث حافل، ذكر في هذه الأدلة وغيرها: أنه كان في عصر الصحابة كانوا يدوسون الحبوب، يأتوا من السبيل بسنبله ثم يضعونه في موضع معين يسمى البيدر، ثم تأتي الدواب من الأثيران فتدوسه حتى يخرج الحبوب، وقد ديست، ويخرج العلف. ولم يأت قط الأمر بغسل تلك الحبوب أو بغيره، حتى قال ابن تيمية: «فإنا نتيقن...» تقول شيخ الإسلام: «فإنا نتيقن أن الأرض كانت تزرع، ونتيقن أن الحب لا يداس إلا بالدواب، ونتيقن أنها لا بد أن تبول على البيدر، على البيدر». ما هو البيدر؟ قلنا: البيدر هو المكان الذي تجمع فيه الحبوب لأجل أن تداس فتفصل العلف والحبوب. وقد كانت... ما عندهم طاحونات، وعندهم كديمة... ما هو موجود اليوم أو آلات يوضع فيها السنبل فتخرج للحب وتفصل التبن، لا يوجد هذا، إنما كانوا يستخدمون الدواب. يقول شيخ الإسلام مقدمات: «فإنا نتيقن أن الأرض كانت تزرع» هذه مقدمة، «ونتيقن أن الحب لا يداس إلا بالدواب»، «ونتيقن أنها لا بد أن تبول على البيدر الذي يبقى أيامًا ويطول دياسها له»، يطول دياسها له، كأنهم يجعلون دوس الأغنام مرة، أو دوس الإبل، أو دوس البقر مرة بعد مرة، تذهب وتجمع. قال رحمه الله: «فهذه كلها مقدمات يقينية». هذا في المجلد الحادي والعشرين، الصفحة الرابعة والثمانين بعد الخمسمائة، من مجموع الفتاوى. يستدل أيضًا بما يوجد في الحرم المكي من الحمام منذ أزمان، مع الآية: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. يقول بعض العلماء: هذا يدل على الإجماع على أنها ليست من أرجاس، وإلا وجب طردها، ووجب إزالة ما يحصل منها، فدل هذا على إجماع المسلمين، وهو إجماع عملي على أن يُغض الطرف عن أمر حمام الحرم. أدلة كثيرة أوردوها، استقصاها شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، وقال رحمه الله تعالى أيضًا: «وبول ما أكل لحمه وروثه طاهر، لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجيسه، بل القول بنجاسته قول محدث، لا سلف له من الصحابة». هذا قول محدث، يقول ابن تيمية، وهو هو في العلم وقوة النقل والضبط رحمه الله تعالى. هذا في مجموع الفتاوى، الجزء الخامس، صفحة ثلاثمائة وثلاثة عشر بعد الثلاثمائة. استدل من يقول بنجاسة بول وروث ما يؤكل لحمه بحديث ابن عباس: «في الرجلين الذين يعذبان»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من البول». في رواية: «لا يستبرئ من البول»، في رواية: «لا يستنزه من البول». قالوا: ولفظ البول لفظ عام، فهذا يدل على أن البول مطلقًا يستنزه منه ويستبرأ منه مطلقًا، أي بول كان. هكذا قال: ولا نعلم مخصصًا يخصص بولًا من بول، لا نعلم مخصصًا يخصص بولًا من بول، بل كل الأبوال يستنزه منها. وهذا كلام عجيب، فإن سياق الحديث في بول ابن آدم، لا في مطلق الأبوال. سياق الحديث إنما جاء في بول ابن آدم: «أما هذا... أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر وهو ابن آدم فكان لا يستنزه من البول». كيف وقد جاء في رواية في الصحيحين: «كان لا يستنزه من بوله»؟ ليس من البول بصيغة الألف واللام، وهذه واضحة في التخصيص. فهذه الحجة فيها ضعف، الحجة فيها ضعف واضح. وعلى هذا فبول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، ولا دليل لنا يصح على نجاسته. وبهذا نكون أكملنا كتاب باب النجاسات تامًا. قال رحمه الله تعالى: باب الآنية. باب الآنية: الآنية جمع إناء، كما تقول: سوار وأسورة وأساور، إناء وآنية وأوان. تقول: سقاء وأسقية، تقول: بناء وأبنية ومبان. ما المناسبة من ذكر هذا الباب لكتاب الطهارة؟ اختلف صنيع أهل العلم، فالحنابلة... فالشافعية والحنابلة يذكرون باب الآنية في كتاب الطهارة، الشافعية والحنابلة والمالكية والحنفية وغيرهم يجعلون كتاب الآنية في كتاب الأطعمة والأشربة. هذا صنيع الفقهاء: الشافعية والحنابلة أين يضعون كتاب الآنية عندك يا أبا عبد الله؟ في كتاب الطهارة. والحنفية وغيرهم، المالكية وغيرهم يجعلون كتاب الآنية في كتاب الأشربة والأطعمة. والباب محتمل، الباب محتمل، الباب محتمل. كأن الشافعية والحنابلة نظروا إلى أن بعض الأواني نجس، كأن الشافعية والحنابلة نظروا إلى أن بعض الآنية نجس عند بعض العلماء، كالجلد المدبوغ إذا صار إناء فإنه نجس عند الحنابلة، طاهر عند الشافعية، وكأنهم نظروا إلى أن بعض هذه الأواني لا يجوز التطهر به، كالذهب والفضة، لا يجوز استعماله في التطهر به، والتطهر يكون بالغسل من الجنابة، والتطهر يكون بالوضوء، والتطهر يكون أيضًا بأشياء كثيرة كغسل النجاسات ونحوها، وإزالة الأذى من الثوب. كأنهم نظروا إلى هذا، ورأى بعضهم أن الأواني أيضًا تحمل الماء، الأواني تحمل الماء، فناسب ذكرها بجانب أحكام المياه. والحاصل: بيان وجه صنيع أهل العلم في هذا الباب. باب الآنية: يباح منها طاهر من خشب أو غيره، لا فضة أو ذهب فيحرم استعماله كمرودي لامرأة، وجاز من زبرجدي، وتحرم الضبة من هذين بكبر عرفًا مع التزين، إن فقدا حلت، وفردا يكره، والحاجة التي تساوي كسره، ويستحب في الأواني التغطية ولو بعود حط فوق الآنية، ويتحرى... ويتحرى لاشتباه طاهري بنجس، ولو... ولو لأعمى قادري للكم والبول وميتة وماء ورد وخمر در أتن محرم. هذا باب الآنية، وفيه عدة مسائل. إذا كان لكم شيء... ولو وقفنا هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر.