الدرس في باب الوضوء 5، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع تفصيل المذهب الشافعي في نوم الجالس المتمكن بأنه لا ينقض الوضوء عند المشهور، بينما ينقض نوم المضطجع. ويستعرض سبب الخلاف الفقهي حول كون النوم حدثاً بذاته أو مظنة للحدث، مع ترجيح قول الجمهور بأنه مظنة لخروج الحدث مع زوال العقل.
اتفق المذاهب الأربعة على أن النوم مظنة للحدث لا حدثاً بحد ذاته، واختلفوا في ضابط ذلك؛ فالشافعية لا يرون نقض نوم المتمكن مقعدته مطلقاً مستدلين بحديث تخفق رؤوس الصحابة، بينما الحنفية يشترطون الإطباق أو الاستلقاء، ونقل عن الشافعي وجوب الوضوء لمن نام قاعداً فرأى رؤيا.
استعرض المقطع أدلة نقض الوضوء بالنوم مطجعاً وبين ضعف حديث ابن عباس، ثم استدل بأحاديث صحيحة دلت على أن الصحابة كانوا ينامون في المسجد ثم يصلون دون وضوء، فدل ذلك على أن النوم مظنة لا موجب قاطع، والراجح التفريق بين النوم الخفيف الذي لا ينقض والنوم الثقيل الذي يغيب فيه العقل.
يبيّن المقطع أن العبرة بغلبة النوم لا بالهيئة؛ فمن نام نوماً يسيراً يشعر بمن حوله ويسمع الأصوات لا ينقض وضوءه، أما من غلب عليه النوم فنقضه، ويروي قصة أبي عبيد القاسم بن سلام التي جعلته يتراجع عن مذهبه في نوم الجالس.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لا نزال في هذا الكتاب النافع الذي هو في فقه الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى، المتوفى سنة أربع ومئتين للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له ولسائر علمائنا المسلمين. نحن نقرأ في كتاب "صفوة الزبد فيما عليه المعتمد"، وهو يعد في الدرجة الثالثة في التفقه في هذا المذهب. وقدمنا في أول الكتاب أنه لا مانع من القراءة في كتب الفقهاء، حنفية كانوا أو مالكية أو شافعية أو حنبلية، أو في قراءة كتب الأئمة المحققين كالشوكاني والصنعاني وابن قيم وغيره. والواجب على طالب العلم أن لا يتعصب، أن لا يتعصب لمذهب وقول إلا لقول الله عز وجل وقول رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن التعصب أن يكره المذاهب الأخرى أو ينفر عن أقوالهم، وهذا أيضا مذموم، فكلهم يريد الهدى وكلهم يبحث عن السنة والحق، وخلافهم خلاف أفهام من الخلاف المعتبر عند أهل العلم. والواجب كذلك الأمر الثاني: من بانت له السنة والدليل ولو في قول مذهب لم يدرسه أو مذهب ليس عليه العمل في بلده، فالواجب عليه أخذ الحجة والدليل، ولا يشرع له أن يترك الحجة والدليل لأن مذهبه كذا أو لأن شيخه قال كذا، هذا من التعصب المذموم. وكم أورث التعصب المذهبي وهو بدعة من الضلالات العظيمة. قدمنا قول ابن الأمير: وأقبح من كل ابتداع سمعته *** وأنكى للقلب الموفق للرشد مذاهب من رام الخلاف لبعضها *** ويعض بأنياب الأساود والأسد يصب عليه صوت ذم وغيبة *** ويجفوه من قد كان يهواه عن عمد على ما جعلتم أيها الناس ديننا *** لأربعة لا شك في فضلهم عندي هم علماء الدين شرقا ومغربا *** ونور عيون الفضل والعلم والزهد ولكنهم كالناس ليس كلامهم دليلا *** ولا تقليدهم في غد يجدي ولا زعم حاشاهم أن قولهم دليل فيستهدي به *** كل من يهدي بلى صرح أن نقابل قولهم *** إذا خالف المنصوص بالقدح والرد هكذا صرحوا. ذكرنا قول الشافعي لتلميذه المزني، وقد طلب منه أن يملي عليه أقواله ومذهبه، قال المزني: هذا ما أملاه علي يا أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، مع إعلامه نهيه عن تقليده، رحمه الله تعالى وغفر له. لا نزال في أول نواقض الوضوء في هذا الكتاب "صفوة الزبد" لأحمد بن الحسين بن رسلان، توفي سنة أربع وأربعين وثمانمائة للهجرة. يقول الناظم رحمه الله: كذا زوال العقل لا بنوم كل ممكن *** ولمس امرأة الرجل كذا زوال العقل لا بنوم كل ممكن *** ولمس امرأة الرجل. قدمنا الكلام على زوال العقل وأنه في ثلاث صور، تقدم الكلام عليه: زواله بجنون أو بإغماء أو بسكر، وأنه بقي صورة رابعة وهي زواله بنوم. كذا زوال العقل، قال الناظم: لا بنوم كل ممكن. هذه من المسائل المشهورة في مذهب الإمام الشافعي رحمه الله: "لا بنوم كل ممكن". المراد بهذه المسألة أن النوم إذا كان صاحبه جالسا جلوسا متمكنا بمقعدته في جلوسه من الأرض، فإنه إن نام لا ينتقض وضوءه، ولو كان نومه في صلاة أو كان خارج الصلاة. هذا هو المذهب المشهور، وهو الذي نص عليه الفقهاء من أئمتنا الشافعية في هذا: "لا بنوم كل ممكن". فإذا كان ممكنا أي في قعوده بحيث إن مقعدته لا يظن خروج ريح أو نحو، فمثل هذا لا ينقض. أي هذا النوم، بخلاف ما لو اتجع، لو نام على جنبه واستلقى كما يقولون، عندنا انسدح، عندهم ينقض الوضوء. وهكذا قول كثير من أهل العلم: إن النوم مضطجعا ينقض الوضوء، هذا عند الجماهير من الحنابلة ومن الشافعية ومن المالكية وغيرهم. إذن المذهب المشهور أن النوم إذا كان عن جلوس ممكنا مقعدته من الأرض، فإن مثل هذا لا ينقض الوضوء، مثل هذا لا ينقض الوضوء. هذا مراده رحمه الله تعالى: "لا بنوم كل ممكن"، أي ممكن في مقعدته. هذه المسألة، مسألة هل النوم ناقض للوضوء، فيها نزاع بين الفقهاء. مسألة هل النوم ناقض للوضوء فيها نزاع بين الفقهاء. سبب الخلاف في هذه المسألة: هل النوم حدث ناقض بذاته أم هو مظنة للحدث؟ هل النوم حدث ناقض ناقض بذاته ونفسه، فإذا نام فكأنما بال أو تغوط، أم أن النوم مظنة لخروج الحدث؟ هذا سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة. فمن الفقهاء من يرى أن النوم ناقض وحده، وهذا قول قليل من الفقهاء كإسحاق بن راهويه والإمام أبي عبيد القاسم بن سلام، وهو اختيار الإمام المزني تلميذ أبي عبد الله الشافعي. فالمزني يرى أن النوم بذاته ناقض مطلقا، فلو نام ولو قليلا انتقض وضوءه، كما نقول لو بال قليلا أو تغوط قليلا انتقض وضوءه، فلا يشترط كثرة البول أو كثرة... إلى آخره، بل مجرد حصول... فالمجرد حصول البول كاف، كذلك النوم في مذهب هؤلاء الأئمة وهم قلة. عزي هذا المذهب إلى إسحاق بن راهويه وإلى أبي عبيد القاسم بن سلام، وهو اختيار الإمام المزني. إذن هؤلاء يرون أن النوم بذاته ناقض للوضوء. قابلهم في الطرف الآخر جماعة من أهل العلم، قابلوا هذا القول فقالوا: بل النوم ليس بناقض مطلقا، هذا عكسهم. وعزي هذا إلى جماعة من التابعين على رأسهم سعيد بن المسيب وأبي مجلز وغيرهم رحمهم الله، فيقولون: إن النوم ليس ناقضا مطلقا، لو استلقى أو جلسا أو نام متكئا أو نام متمكنا أو نام قائما أو نام قاعدا، فعندهم ليس بالنوم ناقضا ولا مظنة، هكذا يقولون. إذن نحن دخلنا في أصل الخلاف: المسألة هل النوم حدث وناقض؟ فيه قولان ذكرناهم. الأكثرون من العلماء وهذا المشهور في المذاهب أن النوم ليس حدثا ولكنه مظنة للحدث، فالإنسان إذا نام وفقد شعوره ربما خرج منه فساء أو ضراط أو نحو ذلك وهو لا يشعر بسبب انهماكه وانهماكه بالنوم. فالنوم من هذه الجهة هو من زوال العقل، والعقل هو الذي يجعل الإنسان يتحكم في أعضائه، يتحكم في أعضائه. وأن المجنون ربما بال في نفسه أليس كذلك؟ ذكرناه في المجلس السابق: المجنون لا يتحكم في أعضائه، لهذا أجمع العلماء على أن زوال العقل عندهم ناقض مطلقا لأنه لا يتحكم في نفسه، فتراه يبول في نفسه، تراه يتغوط في نفسه هو مجنون، فإذا سئل الناس قالوا: اعذروه هذا مجنون. كذلك النوم من هذه الناحية يشبه، فصاحب النوم المستغرق يذهب عقله ولا يتحكم في أعضائه، لا يتحكم في أعضائه، لا سيما إذا أكل بعض الفاصوليا... الليله نصر جاه كلها أكله بعض الأشياء وجلست بطنه قرقر وقال بسم الله أول ما يهم بعين ويروح في بحر النوم، كما سيأتي قصة جعلت أبا عبيد... للقاسم سنحكيها فيما بعد، قصة في هذا الموضع، مناظرة بين أبي عبيد وبين رجل يعني متمسك بمذهب الشافعية، وكان أبو عبيد القاسم سنحكيها. شهد أن النوم عند أكثر العلماء وعامة المذاهب الفقهية المعتمدة ليس بحدث في ذاته لكنه مظنة للحدث، مظنة للحدث. هذا في الجملة قول الحنفية وقول المالكية وقول الشافعية وقول الحنابلة وغيرهم من أهل العلم، وغيرهم من أهل العلم، كلهم على هذا، لكنهم يختلفون بينهم البين: متى يكون مظنة للحدث ومتى لا يكون مظنة للحدث؟ هذا الموضع تنازع فيه. إذن المذاهب الأربعة على أن النوم ليس بناقض، ليس بحدث ولكنه مظنة للحدث، أي سبب لوقوع الحدث وخروج، لكنهم يختلفون: متى يكون مظنة للحدث ومتى لا يكون؟ قلنا الشافعية يقولون: "لا بنوم كل ممكن"، كما يقول الناظم رحمه الله. الشافعية قالوا: إن نام ممكنا مقعدته من الأرض أو نحوها، لذلك مثلاً لو جلس على كرسي لكنه جلس جلسة متمكنة لم ينتقض وضوءه على أي هيئة كان، لا ينتقض وضوءه، ولو كان في صلاة، ولو كان في صلاة إذا كان ممكناً مقعدته. قالوا: فإن لم يمكن مقعدته انتقض وضوءه غالباً، ونقول له: توضأ وأعد الوضوء. هكذا قال الشافعية في هذا الموضع. استدلوا بأدلة على قولهم، يقول الناظم: "كذا زوال العقل لا بنوم كل ممكن، لا بنوم كل ممكن". لهم أدلة استدلوا بها على هذا، أقواها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، الحديث في صحيح مسلم. سنذكر لفظه لكن الشافعية رحمه الله اختاروا لفظ أبي داود في سننه، اختاروا لفظ أبي داود في سننه: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون". الراجح أن الحديث ثابت، راجح ثبوت الحديث وصحة هذه الرواية: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون". الحديث أخرجه الترمذي وأحمد والدارقطني وجماعة. ابن المبارك أحد رواة الحديث قال في هذا الحديث: "ولا يكون خفض الرأس إلا إذا كانوا جلوسا، لا يكون خفض الرأس إلا لمن كان جالسا، فالمتجع لا يتصور فيه خفض الرأس". وبهذا استدل الشافعي وغيره من أهل العلم أن قوله: قول أنس بن مالك "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر صلاة العشاء، يؤخر صلاة العشاء، فكانوا ينتظرون يجلسون في المسجد جلوسا، هذا يسبح هذا يستغفر وهم أصحاب أعمال فيصابون بشيء من النعاس حتى تخفق رؤوسهم، أي تصعد وتنزل، تصعد وتنزل كعادة من يغلبه النعاس، كعادة من يغالب النعاس. فقوله "تخفق رؤوسهم" يقوله الشافعي وغيره من الأئمة يدل على أنهم كانوا جلوسا. سيأتي مناقشة هذا إن شاء الله. أيضا استدلوا بحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وكاء السهي العينان، فمن نام فليتوضأ". وكاء السهي العينان، فمن نام فليتوضأ. الوكاء هو الحبل الذي تربط به، يربط به رأس القربة، فإذا ربطت القربة لا ينزل الماء من فمها، القربة المعروفة، قربة الماء التي تكون من الجلد وتكون من جلد الغنم ونحوه. وكاء أي الحبل الذي تربط به القربة. فهذا الحديث معناه: وكاء السهي، السهي هو حلقة الدبر، هكذا فسرها العلماء. وكاء السهي العينان، معنى الحديث أن اليقظة كأنها حبل يربط في أسفل الإنسان فيمنع خروج الريح والحجر، كالقربة التي إذا ربطت لم يسقط منها الماء، حتى لو علقت القربة، يعلقون القربة يربطون فمها ثم يعلقون، ما يستكب الماء. وهكذا الإنسان: وكاء السهي العينان، أي ليقظ، المراد بالعينين ليقظ، فإذا كان مستيقظا كان محافظا على نفسه أن يحدث، لاسيما إذا كان في موضع العبادة كالصلاة ونحوها، يمنع نفسه فهو يربط نفسه عن الحدث، هذا معنى الحديث. "وكاء السهي العينان، فمن نام فليتوضأ". لكن هذا الحديث لا يثبت، هذا الحديث ضعيف فيه علل عند المحدثين، هذا الحديث لا يثبت، فيه علل عند المحدثين، فيه عنعنة بقية بن الوليد وهو مدلس، تدليس التسوية. تقدم معنى في الباعث، معنى تدليس التسوية: أن يسقط الراوي ضعيفا بين بين ثقتين، يجعل الحديث يجعل الحديث ثقة عن ثقة عن ثقة عن ثقة، وفي الحقيقة هو في طبقة شيخه بين شيخه وشيخ شيخه واسطة ضعيفة أسقطها، فجعل الحديث ثقة عن ثقة عن ثقة، سوى الحديث، وهذا من أشهر أنواع التدليس. قيل: بقية بن الوليد لم يصنع هذا، قال: أنبأ الأوزاعي أن يروي عن هؤلاء. الشاهد: الحديث لا يثبت، ولهذا ضعفه الحافظ، فيه الوضين بن عطاء أيضا سيء الحفظ، كما يقول ابن حجر في التقريب. الوضين بن عطاء، الحديث لا يثبت. بالنسبة للدليل الأول لأئمة الشافعية وقولهم "تخفق رؤوسهم"، ناقشهم فيه الحنابلة فقالوا: هذا في النوم اليسير، ليس في النوم العميق، هذا في النوم اليسير. وهذه الحجة قوية، فإن الغالب على من يخفق رأسه لم يستغرق في النوم، إنما طرأ عليه شيء من النعاس، فهذا يدل على أنهم لم يكونوا في نوم عميق أو نوم ثقيل كما يقول المالكية، وإنما هم في نوم خفيف كما يقول المالكية أو في نوم يسير كما يقول الحنابلة. سيأتي كلام الحنابلة والمالكية. يزاد، يزاد أيضا على هذا أن الإمام الترمذي رحمه الله قد نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله، والترمذي ثقة فيما ينقله، معتمد فيما يحكيه، أقوى من كثير من نقلة المذاهب المتأخرين وغيرهم، فهو ينقل عن الشافعي أنه قال: "من نام قاعدا فرأى رؤيا"، يقول الشافعي رحمه الله: "من نام قاعدا فرأى رؤيا فعليه إعادة الوضوء". من نام قاعدا فرأى رؤيا أو زالت مقعدته لوسن النوم فعليه إعادة الوضوء. هكذا حكى الترمذي عن الشافعي. على هذا الإمام الشافعي يقول: إذا نام متمكنا في مقعدته لكنه في حال تلك النوم رأى رؤيا مما يدل على أنه تغلغل فيه النوم وصار نومه ثقيلا كما يقول المالكية أو نوما عميقا كما يقول الحنابلة، فهذا عليه الوضوء، هذا عليه الوضوء. وهذا خلاف إطلاق القول بأن بقول ناظم "لا بنوم كل ممكن". ظاهر كلام الناظم وهذا هو المحكي في المذهب أن كل ممكن، كل ممكن مقعدته، فإن وضوءه صحيح، وهذا ليس على إطلاقه، فالإمام الشافعي كما ينقل الترمذي عنه يقول: "من نام قاعدا"، أي ممكن مقعدته، ثم رأى رؤيا فعليه إعادة الوضوء، عليه إعادة الوضوء. هذا يدل على أن هذا الضابط ليس بضابط محكم، وأنه يجوز في مثل هذا الموضع الحدث، ولهذا يقول الشافعي: إن رأى رؤيا حال كونه ممكن مقعدته فعليه إعادة الوضوء. الحنفية: يقول انتهينا من مذهب السادة الشافعية، ويقول السادة الحنفية في مثل هذا: لو نام مطجعا أو مستلقيا انتقض، هذا مذهب الحنفية. عندهم النوم الناقض ما كان مستلقيا أو مطجعا، هذا عند الحنفية. استدلوا بحديث ابن عباس، كذلك استدل به الشافعية في هذا الموضع، لا يختلف كثير من المذاهب فيه. يقول الحنفية: إن نام مطجعا أو مستلقيا انتقض وضوءه. استدلوا بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد وينام، صلى الله عليه وسلم حتى ينفخ، أن يظهر منه صلى الله عليه وسلم صوت الشخير وهو ساجد، صلى الله عليه وسلم ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ. قال ابن عباس: فقلت له: صليت يا رسول الله ولم تتوضأ وقد نمت؟ أي نمت في سجودك، نمت في سجودك. فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما الوضوء على من نام مطجعا". هكذا رواية حديث ابن عباس. يقول أبو داود بعد ذكره هذا الحديث: "هذا حديث منكر"، هذا الحديث ضعيف جدا، لا يثبت، هذا الحديث لا يثبت، حتى إن النووي رحمه الله أورد هذا الحديث في المجموع ضمن أدلة الشافعية ثم ضعف هذا الحديث وقال: "هذا الحديث لا يصح، هذا الحديث لا يصح". وروي في باب نقض الوضوء مطجعا أحاديث لم يصح منها شيء. هناك أحاديث: "من نام مطجعا فعليه الوضوء"، "إذا نمت مطجعا فتوضأ"، وكلها لا يصح منها شيء، ورأسها حديث ابن عباس في سنن أبي داود، والحديث منكر، الحديث منكر، فلا يثبت في باب نقض الوضوء بالنوم مطجعا حديث في الباب لا يثبت. نعم، صح عن ابن عمر أثر في هذا الباب أن ابن عمر كان ينام وهو جالس فلا يتوضأ، فإذا اتجع أو نام مطجعا أعاد الوضوء. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه وإسناده صحيح. شاهد من هذا الموضوع أن النوم مظنة، نحن نتفق جميعا ويتفق عامة علماء المذاهب على أن النوم مظنة. ما معنى مظنة؟ ما معنى مظنة؟ لما يقال النوم مظنة، ما معنى كلمة مظنة؟ المظنة: معنى أمر متوقع، يجوز يحصل، يمكن يحدث بالنوم. فالنوم عند أهل العلم مظنة. عندنا في الباب حديث صحيح وهو حديث صفوان بن عسال المرادي قال: "كنا نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم". هذا الحديث ثابت، هذا الحديث ثابت، هذا الحديث ظاهره يدل على أن النوم مقترن بالبول والغائط في كونه مظنة للبول والغائط أو للفساء أو نحن، فهو في هذا الباب مظنة أيضاً. في الباب حديث عائشة رضي الله عنها، وهذه الأحاديث عمدة مسألة النوم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتم بالعشاء، أي تأخر في صلاة العشاء، حتى نداه عمر رضي الله عنه: الصلاة يا رسول الله، رقد النساء والصبيان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ينتظرها أحد في الأرض إلا أنتم"، ما ينتظرها أحد في الأرض غيركم. والحديث في صحيح البخاري ومسلم. ركزوا على هذا الحديث: "ما ينتظرها أحد غيره"، يتأخر النبي صلى الله عليه وسلم فيقول عمر: يا رسول الله الصلاة، رقد النساء والصبيان، رقد النساء والصبيان. في حديث ابن عمر نفس القصة: شغل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فأخرها، أي صلاة العشاء، حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا ثم خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ليس أحد في الأرض ينتظر هذه الصلاة غيركم". هذا حديث رواه البخاري في صحيحه. حديث ابن عمر: أخر النبي شغل عنا ليلة حتى رقدنا ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا، كم مرات حصل النوم واليقظة؟ مرتين ناموا ومرتين استيقظوا، حتى نمنا ثم استيقظنا ثم نمنا، أو حتى رقدنا ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم وقال: "ما ينتظر هذه الصلاة". في صحيح مسلم أيضا حديث قتادة عن أنس: "أن كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون". قال شعبة: قلت لقتادة: أنت سمعته من أنس؟ قال: إي والله. قتادة، شعبة كان يتتبع في قتادة، في قتادة لأن قتادة عنده تدليس، فإذا قال سمعته كتب شعبة. في هذا الموضع في صحيح مسلم يقول قتادة: أن أنس رضي الله عنه قال: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون". هذه الأحاديث التي قرأناها: الذين خلف النبي صلى الله عليه وسلم جماعة كثر، وقد طال انتظارهم رضي الله عنهم حتى ناموا ثم قاموا ثم ناموا ثم قاموا، ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم أحدا ولا سأل أحدا: هل رأيتم رؤيا في النوم؟ أو هل كنتم جلوسا ممكنين لمقعدتكم؟ لم يسألهم النبي صلى الله عليه وسلم، أو هل كان أحد منكم مستندا على جدار؟ أو هل سقط من أحدكم عضوه أو يده؟ أو هل سال من أحدكم ريق في فمه على لحيته أو نحو ذلك؟ لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم. فيهم النساء، فيهم الصبيان، فيهم الصغار، فيهم الكبار، فيهم الضعفاء، وقد طال الليل، ولم يسألهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكانوا جماعة كثيرة. وهذا يدل على أن النوم مظنة، وأن الراجع في المسألة اعتبار النوم اليسير الخفيف أو النوم العميق. فالنوم العميق غالبا يقع به حدث لأنه يفقد الإنسان شعوره، غالبا في النوم العميق يحصل الحدث للإنسان، بخلاف النوم الخفيف، النوم الخفيف بخلافه. ولهذا يقول الحنابلة: إذا كان النوم يسيرا فإنه لا ينتقض. ويقول المالكية: إذا كان النوم خفيفا. قيل: ما الخفيف عندكم والثقيم؟ قالوا: الثقيل هو الذي تسقط أعضاؤه أو يسيل عليه لعابه أو يرى رؤيا أو نحو ذلك، فهذا مظنة للحدث. فمن كان ممكن المقعدة أو كان لم ينم نوما عميقا وإنما نوم بين بين مثل النعاس ينزل عليه، فمثل هذا وضوءه صحيح ما لم يغب عقله. فإذا غاب عقله حتى يرى رؤيا في المنام أو يخرج في وعيه في خيالات كما يقول الشافعي رحمه الله، فإن عليه إعادة الوضوء. فالأمر يرجع إلى نفس النوم الذي هو مظنة، فإن فقد الإنسان شعوره ولو كان ممكن ممكنا مقعدته قلنا له: أعد، كما قال الشافعي في من كان جالسا ممكنا مقعدته، قال: إذا رأى رؤيا أعد. فدل على أن النوم هذا الراجح في المسألة، وهو الذي تلتئم به، تلتئم به الأدلة في هذا الباب. هذا الراجح في المسألة. في الباب أيضا حديث إسناده صحيح: في حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يضعون جنوبهم فينامون ثم منهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ". وهذا الحديث إسناده صحيح. حاول بعض العلماء أن يقول: هذه الزيادة شاذة، زيادة "يضعون جنوبهم". في نفس الواقع وهذا متوقع، أم من الناس جلوس لصلاة العشاء، هذا يتعبه الجلوس على الأرض يتكى على اليمين، هذا يحب يستلقي، هذا يحب يستند، وهم ينتظرون، كل هذا متوقع. ولهذا سعيد بن أبي عروبة أثبت الناس في قتادة، والراوي عن سعيد بن أبي عروبة أيضا من أثبت الناس في سعيد بن أبي عروبة وهو خالد بن الحارث، فالظاهر ثبوت هذه اللفظ، والقول بأنها شاذة فيه نظر لأن الرواة هم أثبت الناس فيها وهي متوقعة. حاصل أن المسألة الراجع فيها أن النوم الممكن، الممكن مقعدته، إن كان يسيرا فإنه لا ينقض الوضوء، إن كان عميقا فإنه ينقض الوضوء، لا فرق بين النوم بين المتكئ وبين الجالس وبين غيره. أختم بقصة جعلت أبا عبيد يتراجع عن هذا المذهب، مذهب الشافعية في المسألة. قال أبو عبيد: كنت جالسا في يوم الجمعة، كنت أفت الناس أن من نام جالسا لا وضوء عليه، حتى خرج إلى جنبي يوم الجمعة رجل فنام وهو ممكن مقعدته يوم الجمعة. قال: فخرجت منه ريح. أبو عبيدة، أبو عبيد القاسم بن سلام يقول: خرجت منه ريح، فقلت له: قم فتوضأ، قلت له: قم فتوضأ. فقال: أنا لم أنم، ماذا قال الرجل؟ أنا ما أنمت أصلا، أنا لم أنم. فقلت: بلى، وقد خرجت منك ريح تنقض الوضوء. قال أبو عبيد: فجعل يحلف أنه ما كان من ذلك شيء، قال: والله ما خرجت مني ريح ولا حصل شيء، أنا صاحي، سبحان الله. قال: فجعل يحلف أنه ما كان من ذلك شيء. الرجل جالس متمكن. قال: وقال لي: بل منك خرجت، سبحان الله، يعني حلف يمينه بعدها، قال: أنت اللي سويتها مو أنا. قال أبو عبيد: فتركت ما كنت أعتقد في نوم الجالس ذلك المجلس، جعل أبو عبيد يتراجع عن المسألة كلها، نوم الجالس المتمكن، ما الذي يقول بالمسألة من أصله؟ قال: فجعلت، فتركت ما كنت أعتقد في نوم الجالس، وراعيت غلبة النوم. فماذا ذهب أبي عبيد فيما يحكيه؟ العبرة بغلبة النوم، هذا الذي عليه أهل الحديث في هذه المسألة. الخلاصة في المسألة: العبرة في النوم بالغلبة فيه، فمن كان نام نوما يسيرا يشعر بمن حوله، يسمع الأصوات، لو ناداه مناد قد لا يستطيع أن يجيبه لكن يقول: يا فلان، أنا سمعتك وأنا نايم، سمعتك وأنا نايم، أنت تصيح لتقول لي يا فلان، أو سمعت فلان يتكلم مع فلان، هذا في مرحلة من مراحل النوم، يقولون مراحل النوم ثمان، هكذا يقولون، هذا في أوائل المراحل، عنده نعاس. يقول الناظم رحمه الله: "كذا زوال العقل لا بنوم كل ممكن". تهينا من هذه المسألة، فنسأل الله جل جلاله أن يفقهنا في دينه ويوفقنا لطاعة وهدى. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.