الدرس في باب المسح على الخفين 3، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يعرض المقطع الخلاف الفقهي في جواز الترخص برخص السفر كالمسح على الخفين ثلاثة أيام لمن أنشأ سفره لمعصية، حيث ذهب الجمهور إلى المنع بينما أجازه الحنفية والظاهرية مستدلين بآية ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ مع اختلاف في تفسير البغي والعدوان.
يناقش المقطع خلاف الفقهاء في جواز المسح على الخفين لمن سافر لمعصية مع تفصيل رأي ابن تيمية، ويوضح شرط المسح وهو لبس الخفين بعد كمال الطهارة، مبيناً حكم من لبس خفاً بعد غسل رجل ثم الآخر وحكم الشك في انقضاء مدة المسح.
يشرح المقطع رأي الشافعية بأن الطهارة يجب أن تكتمل بغسل القدمين قبل لبس الخفين، فإن لبس الخف الأيمن قبل غسل اليسار وجب نزعه وإعادة لبسه، بينما يرى الحنفية والظاهرية وابن تيمية جواز التتابع في الغسل واللبس.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء لله تعالى أن يمنّ على الحاضرين بالفقه في الدين والهداية، ويصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم ومبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذا المختصر النافع «صفوة الزبد فيما عليه المعتمد» للعلامة الزاهد أحمد بن الحسين بن رسلان رحمه الله تعالى وغفر له، ونحن في باب المسح على الخفين. نقرأ متنه ونظمه وندرس مسائله. قال رحمه الله تعالى: «باب المسح على الخفين: رخص في وضوء كل حاضر يوماً وليلة، وللمسافر في سفر القصر إلى ثلاث مع لياليها من الإحداث». بقي هنا تتمة في مسألة مهمة لا ينبغي إغفالها؛ لأن لها نظائر في كتب الفقهاء. وهي مسألة: هل يترخص من سافر سفر معصية برخص السفر ومنها المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها، أم أنه لا يشرع له الترخص؟ هذه المسألة لا بد أولاً من الفرق بين السفر لأجل المعصية، وبين حصول المعصية في السفر. لا بد من الفرق بين السفر لأجل المعصية، وبين حصول المعاصي في السفر. لا بد من الفرق بينهما. فالثاني: وهو من يسافر فيقع في معاصٍ أو معصية حال كونه مسافراً، فإنه لا يمنع من الترخص برخص السفر ومنها المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها. نُقِل في هذه المسألة الاتفاق بين العلماء، وقال النووي: «بلا خلاف» أي بين أهل العلم. فالصورة الثانية، وهي حصول المعصية في السفر، لا أو المعاصي، لا تمنع من الترخص برخص السفر ومنها المسح على الخفين ثلاثاً بلياليها. الصورة الأولى هي محط مسألة البحث والكلام ها هنا، وهي: من أنشأ السفر ابتداءً لأجل معصية الله عز وجل. إذن صورة البحث التي نحن فيها: إذا أنشأ السفر ابتداءً لأجل معصية، لا في وقوع المعصية حال كونه مسافراً. فرق بين الصورتين. الثانية: يترخص برخص السفر باتفاق العلماء بلا خلاف. الصورة الأولى: من أنشأ سفراً لأجل معصية كقطع طريق، أو ركوب فواحش ومنكرات، أو أكل مال بغير حق، أو أي ذنب ومعصية من المعاصي. هل يشرع له أن يترخص بالمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها أم لا؟ هذه المسألة فيها قولان للفقهاء في المشهور. هذه المسألة فيها قولان مشهوران للفقهاء: القول الأول: أن له أن يمسح. القول الأول: أن له أن يمسح في هذا السفر الذي أنشأه لأجل معصية الله عز وجل، يمسح مسح مسافر ثلاثة أيام بلياليها. وبهذا قال الفقهاء الحنفية، وبهذا قالت الظاهرية، وانتصر له ابن حزم أيضاً. هذا القول الأول في المسألة وهو قول مشهور. القول الثاني: أنه لا يجوز لمن أنشأ سفراً لأجل معصية أن يترخص برخص السفر ومنها المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها. هذا المذهب الثاني، وهذا مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة، ومذهب المالكية. مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة: هذا مذهب جمهور العلماء. يقولون: لا يجوز له الترخص برخص السفر إذا أنشأ السفر لأجل معصية الله، فلا يجوز له المسح على الخفين. يقول الإمام الشافعي في «الأم»: «وليس لأحد في سفر معصية أن يقصر ولا يمسح مسح المسافر. وليس لأحد في سفر معصية أن يقصر ولا يمسح مسح المسافر. فإن فعل أعاد، أي أعاد الصلاة والوضوء، ولا تخفيف على من سفره في معصية». انتهى كلام الإمام الشافعي رحمه الله. هذا الذي قطع به جمهور الشافعية: أنه لا يجوز لمن أنشأ سفر معصية أن يمسح مسح مسافر ثلاثة أيام بلياليها. هكذا قالوا. قلنا: وبهذا قالت الحنابلة وجمهور العلماء. دليلهم على هذه الآية: قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. في تفسير هذه الآية: نُقِل عن قتادة وعن بعض السلف أنه قال: إن الباغي هو الذي يبغي على إمام مسلم فيخرج عليه بالسيف، هذا هو الباغي. والعادي هو الذي يتعدى على المسلمين يسرقهم أو يقتلهم أو يؤذيهم أو نحو ذلك من أنواع العدوان. فمثل هذا إذا وجد ميتة فاضطر إلى الأكل لا يأكل. هكذا قال قتادة وبعض المفسرين. هل فهمنا الاستدلال عندك يا أستاذ أحمد؟ هل فهمنا الاستدلال؟ ما هو الاستدلال؟ بأي آية استدلوا على أن المسافر سفر معصية لا يترخص بمسح المسافة؟ بأي آية؟ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. بماذا فسروا الباغي؟ الباغي عندك يا أخ سعيد، فسروه بماذا؟ الذي يبغي على إمام المسلمين ويخرج عليه بالسيف. طيب، والعادي؟ غير باغٍ ولا عادٍ، العادي من؟ الذي يتعدى على المسلمين، يسفك دماءهم، ينهبهم، يضربهم، يؤذيهم. هكذا استدلوا. هذا دليلهم في هذه المسألة. والحقيقة أن هذه الآية، هذا الفهم منها، هو مخالف لما ذكره جماهير المفسرين من السلف الصالحين في تفسير هذه الآية. وذلك أن السلف والمفسرين، وهو الصحيح الصواب، قالوا في تفسير هذه الآية: «غير باغٍ» في أكله من الميتة، «ولا عادٍ» في أكله من الميتة. إذا وجد ما يأكله من الأكل الحلال فلا يجوز له في هذا الحال أن يترخص بالأكل من هذه الميتة. فالبغي جملة حالية في هذا الموضع، يقول الله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ ثم جاءت الجملة الحالية: حال كونه غير باغٍ ولا عادٍ. فهذا في المضطر إذا وجد ما يكفيه، فيقال: لماذا تبغي؟ لماذا تتعدى وعندك ما يكفيك ويسدك من اللحم الحلال والأكل الحلال؟ وبهذا جزم شيخ المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله، وبهذا قال المفسرون في تفاسيرهم. يقال أيضاً من أجل تنشيط الأذهان: أرأيتم رجلاً باغياً عاديا، باغياً على إمام المسلمين، وعاديا على دمائهم وأموالهم، وصل إلى حالة، حالة يكاد أن يموت، وأمامه ميتة. هل يجوز له أن يأكل منها؟ نحن نسأل أصحابنا، نسأل أصحابنا الشافعية هذا السؤال: رجل باغٍ على إمام المسلمين، عادٍ على المسلمين، وصل به الحال إلى أنه إن لم يأكل من هذه الميتة فإنه سيموت. فهل يجوز له أن يأكل أم لا؟ عندك يا أخي؟ هذا عندك، طيب. هذا عندك، عندك يجوز. طيب، أحد يخالف؟ هو شيء، أحد يخالف؟ أبضل إلى عمزة؟ عند الشافعية، عند الشافعية: نعم، نعم، يقولون لا يجوز. نقول لهم: سبحان الله! أَيَجْمَعُ كَبِيرَتَيْ قَتْلِ الأنفس البريئة وقتل نفسه المعصومة؟ أنتم معي في هذا: يجمع جريمتين. يعني تنتخدون عليه أنه يقتل الأبرياء، طيب. وهل يجوز له أن يقتل نفسه؟ أو ليس الواجب على مثل هذا أن يأكل ليحيي نفسه، بدلاً من أن يكون قاتلاً للغير وقاتلاً للنفس، فيجمع بين جريمتين؟ أليست هذه الحجة حجة ظاهرة لمن فهم؟ وأيضاً: لم يوجد في عصر نزول الآية أحد كان باغياً على إمام المسلمين، ولا كان عند نزول الآية للمسلمين إمام، وإنما كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الإمام الأعظم، وهو الرسول الكريم. لم يوجد من يتعدى على المسلمين في ذلك الوقت حتى يقال الآية فيه. فلهذا الراجح - وإن تداول الفقهاء من الحنابلة والشافعية يتداولون هذه الحجة في كتبهم - يقول الشافعية أيضاً: إن الترخص في مثل هذا الحال إعانة له على المعصية. إن الترخص لمثل هذا الصنف من الناس إعانة له على المعصية. بدل ما يصلي الصلاة كاملة أربع ركعات، يوفر له زمناً للمعصية بمقدار ركعتين. وبدل ما كان يروح يتوضأ ويتعب، هكذا يتأخر في الوضوء، وفرتونه وقتاً. هكذا يقولون. وهذه المسائل كما تقدم: مسائل قابلة للأخذ والرد والنقاش العلمي مع احترام العلماء جميعاً. ولهذا كتب ابن تيمية فتوى طويلة في هذه المسألة، ناقش فيها أقوال أصحابهم الحنابلة، وأصحابنا الشافعية، وغيرهم من الفقهاء من جمهور العلماء، ورد هذه الأقوال، حتى قال ابن تيمية: «إنما احتجوا به حجج ضعيفة. الجهة منفكة: هو عاصٍ من جهة، ولكنه مأمور من جهة أخرى. هو عاصٍ من جهة عصياناً عظيماً، نسأل الله السلامة والعافية، لكنه من الجهة الأخرى مأمور بصلاة الجماعة، مأمور بالوضوء، مأمور بالتوبة عن هذه الذنوب التي يفعلها أو يريد أن يفعلها، مأمور بالتوبة والاستغفار. فيجب عليه أن يتوب وأن يستغفر، ويجب عليه أن يصلي، ويجب عليه أن يتوضأ. فهذا وجوب وهذا حرام، اجتمع والجهة منفكة. هو آثِمٌ بمعصيته، فإن لم يصل صار له عليه إثمان: صار عليه إثم المعصية وإثم ترك الواجب». من الأمور الغريبة في المذهب: يقول الشافعية رحمه الله: «ويجوز له أن يترخص بمسح المقيم يوماً وليلة، ولا يجوز له أن يترخص بمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليها». هذا الذي أنشأ سفر المعصية، عند أصحابنا في المذهب يقولون: يجوز له أن يمسح، لكن كم المدة؟ قالوا: يوم وليلة وبس، يوم وليلة فقط دون زيادة. قياس هذا التأصيل أن يقال: لا يجوز له المسح مطلقاً. لكنهم قالوا: يجوز له المسح مسح مقيم. خالف في هذه المسألة ابن سريج من أئمة الشافعية، وقال: لا يجوز له المسح مسح مقيم. واستغربوا منه ذلك، وعدوه من غرائب الأقوال، وأنه قول شاذ في هذه المسألة. وهو القياس لمن أراد أن يطرد: لا فرق بين المسح والترخص، وهو رخصة يوم وليلة أو ثلاثة أيام بلياليها. لا فرق في الجنس، كله مسح. لا فرق في الرخصة، كلها رخصة. أليس الغسل هو الركن الواجب؟ أم لا؟ الجواب: بلى، الغسل هو الركن الواجب. فنزلنا إلى المسح، وكان للمقيم، وكان المسح للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها. كل ذلك مسح. لهذه هذه المسألة مذكورة في كتب الفقهاء. الواجب على هذا أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، ويبادر بالتوبة قبل حلول الأجل. الواجب التوبة: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ولكن المنع يحتاج إلى أدلة أقوى في المسألة. وتقدم كلام ابن تيمية في هذا طويل في «مجموع الفتاوى» في هذه المسألة، يراجع إن شاء الله تعالى. يقول الناظم رحمه الله: «فَإِنْ يَشُكَّ فِي انْقِضَاءِ غَسْلَا ** وَشَرْطُهُ اللُّبْسُ بِطَهْرٍ كَمُلَا» يعني الناظم رحمه الله تعالى بهذا البيت: «فَإِنْ يَشُكَّ فِي انْقِضَاءِ غَسْلَا» أي في انقضاء إذا شك المقيم أو المسافر في انقضاء وانتهاء مدة جواز المسح، وصار شاكاً، فالواجب عليه الغسل؛ لأنه الأصل. هذا معنى هذا البيت. مثال: رجل توضأ وغسل رجليه قبل صلاة الفجر، وصل الفجر لابساً خفيه. بعد ذلك الغسل، في اليوم الثاني توضأ ومسح على خفيه في صلاة الفجر. طيب، جاءت صلاة الظهر فشك، قال: متى أنا مسحت؟ أول مسحة قبل الظهر، بعد الظهر، ساعة عشر الصباح، ساعة ستة، ما ترجح. شك: متى مسحت؟ قال: والله ما أم الفجر، فأنا جقينا داخل، لا زال في وقت المسحة. لكن الظهر عندي موضع شك. يقال له: اخلع خفيك وتوضأ واغسل رجليك، ثم إن شئت أن تمسح، ثم إن شئت أن تلبس خفيك فالبس. هل فهمنا هذه هذه المسألة؟ «فَإِنْ يَشُكَّ فِي انْقِضَاءِ غَسْلَا» أي في انقضاء مدة المسحة، مسافراً كان أو مقيماً. إن شك في انقضاء مدة المسحة لأن الأصل... الأصل الغسل. والمسح رخصة، هو ليس كذلك. الأصل الغسل للقدمين أو للمسح القدمين عندك يا أخي؟ الغسل. الدليل؟ ما الدليل على أن الأصل الغسل للقدمين؟ نعم: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، إيش عراب وجوهكم؟ وين أصحاب النحو؟ إيش عراب وجوهكم عندك؟ مفعول به. ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. هذا دليل على الغسل؛ لأنه معطوف على المفعول به في الغسل. تقدير الكلام: واغسلوا أرجلكم، أو فاغسلوا أرجلكم. طيب، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم في السنة بيانه: كان يغسل قدمه. في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ويل للأعقاب من النار» حينما لم يغسل الرجل بعض عقبيه. «فَإِنْ يَشُكَّ فِي انْقِضَاءِ غَسْلَا»: إذا أصابك الشك في مدة المسح، تمت ما تمت، وترددت: أول مسح متى؟ الظهر، العصر، ما دره. خلاص، ألغِ مسألة المسح كاملة، عد إلى الأصل. «وَشَرْطُهُ اللُّبْسُ بِطَهْرٍ كَمُلَا»: هذه مسألة دخلنا في شروط المسح على الخفين عند الناظم رحمه الله تعالى. أي: وشرط الترخص برخصة المسح على الخفين وترك غسل القدمين: أن يلبس الخفين على طهارة كاملة. هذا شرح هذا المقطع من عجز البيت: «وَشَرْطُهُ اللُّبْسُ بِطَهْرٍ» لحديث المغيرة بن شعبة: «لحديث المغيرة بن شعبة: فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين». هذا الحديث نص في أن الخفين لا يلبسان إلا بعد الطهر، وهو غسل القدمين. هذا واضح. لكن الناظم يقول: «بِطَهْرٍ كَمُلَا». فما مراده بقوله «كَمُلَا»؟ هذه مسألة عند الفقهاء. هذه مسألة عند الفقهاء: وهي لو أن رجلاً توضأ وضوءه للصلاة، غسل يديه، وتمضمض واستنشق واستنثر، وسل وجهه، غسل يديه إلى المرفقين، مسح برأسه، غسل رجله اليمنى، فلما أكملها لبس الخف، غسل رجله اليسرى، فلما أكملها لبس الخف. أنتم معي في هذا: ماذا عمل هذا الرجل؟ بعد أن غسل رجله اليمنى غسلاً تاماً لبس الخف، ثم لما غسل رجله اليسرى غسلاً تاماً ماذا عمل؟ لبس الخف. جمهور العلماء يقولون: لا يجوز له الترخص برخصة المسح. الشافعية يقولون: لا يجوز له الترخص برخصة المسح، لا يجوز له. لماذا قالوا؟ لأن الطهارة غير كاملة. كيف غير كاملة؟ قالوا: لبس الخف الأيمن ورجله اليسرى لم تغسل بعد. هل فهمنا هذا؟ رجله اليسرى لم تغسل بعد. هكذا يقولون. ما هو الحل؟ قالوا: ينزع خفه الأيمن ثم يلبسه. هل فهمنا هذا؟ إيش الحل؟ جبونا حل، لاتخلونا معلقين هكذا. ينزع خفه الأيمن ثم يلبسه. تمت الطهارة. هذا مذهب الشافعية. هل فهمنا يا جماعة؟ نعم، ينزع الخف الأيمن بس، ينزع الخف الأيمن ثم يرجع ويلبسه، يكون لبسه على... على طهارة. قالوا: وقد أجمع العلماء على أن الترتيب في لبس الخفين ليس بشرط. إيش معنى هذا الكلام؟ أجمع العلماء على أن الترتيب في لبس الخفين ليس بشرط. إيش معنى هذا؟ عندك يا باعد الرحمة؟ يعني لو غسلت رجليك، وقدمت اليسار ثم اليمين، جاهز. غسلت رجليك، لبست اليمين ثم اليسار، جاهز. ولهذا يقولون في مثل هذا الحال: اخلع الخف، طيب، اخلع الخف، قالوا: البس الخف، لبس الخف، قالوا: يلا خراص، امسح براحتك بعده. هل فهمنا هذا؟ هذا معنى قول الناظم: «كَمُلَا». هذا مذهب جمهور العلماء. هذا مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة. هل فهمنا هذا؟ هذا مذهب من الآن، مذهب الجمهور من العلماء، من هم؟ الشافعية، ومن المالكية، ومن الحنابلة. ثلاثة المذاهب كلها على هذا. القوم قالوا: ظاهر الرواية: «دعهما، فإني أدخلتهما طاهرين» يدل على إكمال الطهار. ولو قبل غسل الرجل اليسرى، قالوا: لم تتم الطهارة بعد. هذا المذهب الأول في المسألة. أنتم معنا يا جماعة؟ عندك أخاش، أنتم معنا؟ ما هو مذهب الشافعية في هذه المسألة؟ «وَشَرْطُهُ اللُّبْسُ بِطَهْرٍ كَمُلَا». إيش معنى «بِطَهْرٍ كَمُلَا»؟ إلا بعد غسل القدمين جميعاً. طيب، أنا يا جماعة استعجلت وما أدري إيش يسوي. إذا حين غسلت اليمين لبست، برد، ثم غسلت اليسار ولبست، كيف يحل؟ يعني معكم: اخلع اليمين، قالوا له: البس بره ثاني. طيب، هذا المذهب. وهذا مذهب المالكية والحنابلة. هنا قول آخر في المسألة، وهو مذهب الحنفية والظاهرية، وهو الذي انتصر له ابن تيمية وجماعة من متأخر الشافعية. انتصر له ابن تيمية وبعض متأخر الشافعية. القول الثاني: قول الحنفية والظاهرية، وانتصر له ابن تيمية وبعض متأخر الشافعية. قالوا: لو فعل تلك الصورة لم يخرج من الحديث عندنا. لو فعل تلك الصورة لم يخرج من الحديث عندنا؛ لأنه أدخل خفه وقدمه طاهرة، وأدخل الخف الآخر وقدمه الأخرى طاهرة. فهذه الصورة لا تخرج عن حديث المغيرة، بل هي داخلة في حديث المغيرة، غير خارجة عنها. هكذا قالوا. كونه لبس خف، غسل ثم لبس، لبس في اليمين، ثم غسل ثم لبس في اليسار، لا يخالف حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: «دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين». فهو يدخل في مثل هذا اللفظ: ما لو غسل ثم لبس، ثم غسل ثم لبس. قالوا أيضاً: قولكم بنزع اليمين ثم لبس، عبث، إلا إذا قلتم بإعادة غسل الرجل اليمنى، فنعم. أنتم معي في هذا: كونه عندكم يخلع الخف ثم يلبس الخف، قالوا: نوع عبث، هكذا قالوا، إلا إذا قلتم يعيد غسل القدم، فهذا تابع لها، هذا تابع لها. وأنتم بالإجماع بيننا وبينكم لا تقولون بوجوب غسل القدم التي لبس عليها، التي ألبست ذلك الخف. فدل الإجماع على صحة أنها طاهرة، وأن الطهارة فيها كاملة. ولو كانت الطهارة فيها مقدوحاً لقلتم: فلتعد غسل القدم. هذا حاصل هذه المسألة. والإنسان في مثل هذا الموضع يخرج من الخلاف: وإذا غسل قدميه جميعاً لبس. يقول النظم رحمه الله: «فَإِنْ يَشُكَّ فِي انْقِضَاءِ غَسْلَا ** وَشَرْطُهُ اللُّبْسُ بِطَهْرٍ كَمُلَا». فإذا كان لكم شيء، وإلا وقفنا ها هنا عند هذا البيت. وينبغي حفظ المنظومة، ينبغي حفظ المنظومة؛ فإنها تضبط لك مذهب الشافعية. ولا أنصح بحفظ المقدمة؛ لأن المقدمة احتوت على مباحث في علم الكلام في نحو سبعين بيتاً، تقدم التعليق عليها ومناقشة النظم فيها، أخذها في غالبها من «جمع الجوامع» للتاج السبكي، غفر الله للجميع. فيها مباحث على مذهب الكلابية، ومذهب الأشعرية، ومذهب الجهمية، كدليل الأعراض. تقدم المناقشة جميعاً في السنة العام الماضي في ذكر الأبياء. لا ينصح بحفظها؛ لأنها احتوت على أشياء من الغلط فيها. كذلك الخاتمة فيها خاتمة في التصوف، لا داعي له. يحفظ الإنسان المتن الفقهي، يحفظ المتن الفقهي، فهذا أنفع لما فيه من ضبط المذهب وضبط المذاهب. محمود إن شاء الله، ضبط مذاهب الفقهاء محمود؛ فإنها اجتهادات لأئمة لهم شأن في الفهم وبصيرة في الدين، من غير تعصب ولا ولاء ولا براء، ولا امتحان، ولا إذن لمن أخذ ذلك. ولهذا ندرس مثل هذا الكلام، ندرس مذهب الشافعية، لا مانع، لا مانع منه، ونلتزم ذكر الدليل وتنشيط الأذهان، ذكر الحجة، الاعتراض، حتى يتمرن طالب العلم على فهم الدلائل وبناء المسائل، ويحسن الطرح ويحسن الأخذ والرد في المسائل العلمية. هذه الطريقة التي كان يحمدها العلماء، وهي التي دعا إليها متقدمو الشافعية، وكذلك دعا إليها الأئمة من جميع المذاهب الإسلامية المعتبرة. فكلهم إخوان، كلهم إخوة، ليس بينهم منافرة ولا عداوة ولا بغضاء. كلهم يبتغي الوصول إلى الحق في المسائل. فمن أصاب فله أجران عند الله عز وجل، ومن أخطأ لكونه استدل بحديث ضعيف، أو بقياس بعيد معلول، أو بفهم فيه غلط، فله أجر واحد. هذا في الأئمة، لا في المقلدة المتعصب. هذا في الأئمة، أما المتعصب فيخشى عليه: المتعصب يرد الحق ويرد الدليل، نسأل الله العافية والسلام. وأما المتجرد لله فهو معذور، عالماً كان أو مقلداً، إذا كان من غير عصبية أو عناد. لهذا يعد بعض العلماء أهل التحقيق التعصب للمذاهب من البدع التي جاءت في المتأخرين. تقدمون كانوا أهل سماحة وسعة صدر، كما يقول ابن الأمير: «وَأَقْبَحُ مِنْ كُلِّ ابْتِدَاعٍ سَمِعْتُهُ ** وَأَنْكَاهُ لِلْقَلْبِ الْمُوَفَّقِ لِلرُّشْدِ مَذَاهِبُ مَنْ رَامَ الْخِلَافَ لِبَعْضِهَا ** وَعَضَّ بِأَنْيَابِ الْأُسَاوِدِ وَالْأَسْدِ يَصْبُّ عَلَيْهِ وَصْبَ دَمٍ وَغِيبَةً ** وَيَجْفُوهُ مَنْ قَدْ كَانَ يَهْوَاهُ عَنْ عَمْدِ عَلَى مَا جَعَلْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ دِينَنَا ** لِأَرْبَعَةٍ لَا شَكَّ فِي فَضْلِهِمْ عِنْدِي هُمْ عُلَمَاءُ الدِّينِ شَرْقًا وَمَغْرِبًا ** وَنُورُ عُيُونِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَلَكِنَّهُمْ كَالنَّاسِ لَيْسَ كَلَامُهُمْ ** دَلِيلًا، وَلَا تَقْلِيدُهُمْ فِي غَدٍ يَجْدِي وَلَا زَعَمُوا حَاشَاهُمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ ** دَلِيلٌ، فَيَسْتَهْدِي بِهِ كُلُّ مُسْتَهْدٍ بَلَى صَرَّحُوا أَنْ نُقَابِلَ قَوْلَهُمْ ** إِذَا خَالَفَ الْمَنْصُوصَ بِالْقَدْحِ وَالرَّدِّ» إلى آخره. فهذا موقف العقلاء وموقف العلماء في مثل هذه المسائل. فأسأل الله جل جلاله أن يفقهنا في دينه، وأن يوفقنا لهداه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.