الدرس في شرح كتاب التوحيد 21، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح الشيخ حديث علي رضي الله عنه الوارد فيه لعن أربع فئات: الذابح لغير الله، واللاعن لوالديه، والآوي للمحجث أو المحدث، وغير منار الأرض. ويبين الفرق بين جواز لعن الصنف العام ومنع لعن المعين إلا بدليل، مع تطبيق ذلك على إيواء المنتمين لفكر الخوارج والإرهابيين في العصر الحاضر.
يقرر الشيخ عدم جواز لعن الشخص المعين إلا بدليل، وينبه إلى تقديم لعن الوالدين على الذبح لغير الله في رواية مسلم، ثم يشرح حديث طارق بن شهاب عن الرجلين والصنم مبيناً صحة وقفه، ويناقش شبهة الإكراه في الشرك واتفاق الأنبياء على أصول التوحيد.
تؤكد الآيات أن جميع الرسل دعوا إلى توحيد الله واجتناب الطاغوت، وأن الله لا يعذب مكرهاً ولا جاهلاً ولا متأولاً مخطئاً لأن التعذيب بغير ذنب ظلم. وتُضرب الأمثلة على من استهان بالشرك وتقرب لغير الله بتعظيم كتعظيم الله فيستحق العذاب باختياره بخلاف المكره.
يبيّن الشيخ أن عمل القلب هو الغاية العظمى حتى عند عبدة الأوثان، وأن صرفه لغير الله يستوجب العذاب، ثم يشير إلى الانتقال لمسائل الباب المتعلقة بالذبح في الدرس القادم.
طيب، نقمن إن شاء الله تعالى. حديث علي رضي الله عنه: قال المصنف رحمه الله تعالى عن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محجثا». محجثا. متقدم أن المحجث بكسر الدال كما قاله الشراح هو الفار المستحق للحد الشرعي، هذا هو المحجث: الفار المستحق للحد الشرعي. فيأتي من يحول بينه وبين الحد الشرعي، إما أن يخبئه، وإما أن يتستر عليه، أو نحو ذلك، فمن فعل ذلك فهو ملعون. من فعل ذلك فهو ملعون، وهو واقع في كبيرة من كبائر الذنوب. وفي الحديث الصحيح: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره». هذه مضادة لله سبحانه، وصاحبها خاسر في الدنيا والآخرة، لا يوفق. وذكر ابن الأثير أن الحديث أيضا روي بلفظ «محدثا»: «من آوى محدثا» بفتح الدال، وهو الأمر المحدث البدعة. فمن نصر بدعة أو أمرا مبتدعا، قام به أو قام عليه ورضي به وقره ونصره ومنع دون إزالته وإذهابه، فهذا ملعون لأنه آوى محدثا بفتح الدال، آوى محدثا أي أمرا محدثا مبتدعا، نصره أو أعانه على أن لا يتمكن من القضايا عليه، فهذا ملعون أيضا. ومن النوازل في هذا الزمان الداخل تحت هذا الحديث: التستر أو إيواء أو مناصرة أو إعانة من يحمل فكر الخوارج المفجرين المكفرين. فمن أعان من يسمون بالإرهابيين في هذا الزمن وفي هذه الأيام فإنه ملعون، ومن دافع عنهم أو ناصرهم فهو ملعون، لأنهم مفسدون في الأرض، مطلوبون من قبل ولي الأمر، فمن ناصرهم أو آواهم أو دافع عنهم أو تستر عليهم أو أعانهم سراً أو خذل دونهم، فهذا ضاد الله في أمره. فإن أولياء الأمور على ما فيهم من تقصير وعظائم - ونسأل الله أن يأخذ بنواصيهم إلى الحق - يطلبونهم في كل بلد، يطلبونهم في كل بلد، أصحاب التفجيرات ونحوها يطلبونهم في كل بلد، فالواجب التعاون مع ولي أمر المسلمين في ذلك. هذا الواجب: التعاون مع ولي أمر المسلمين في ذلك، وأن لا يدافع عنهم، وأن لا يتأول لهم، فإنهم محدثون في الأرض محدثون، ومن آواهم فهو ملعون. وبذلك أفتى العلامة المحقق الشيخ أحمد بن يحيى النجمي رحمه الله تعالى وغفر له، بهذا أفتى في هذا الزمان، قال: من آواهم أو نصرهم أو تستر عليهم أو دافع عنهم فهو ملعون، لأنه داخل في هذا الحديث: «من آوى محدثا». فهؤلاء فارون من جريرة ومن حد شرعي. قال رحمه الله: «لعن الله من غير منار الأرض». أي: علامات الأرض التي تكون بين حقوق الناس، يسمونها أوثانا، جمع وثن، حدود الأرض. فيأخذ من أرض أخيه شيئا بغير حق، يغير منار الأرض، زاعما أن حد أرضه إلى هذا الحد، وهو كاذب في ذلك. هذا فيه وعيد شديد، فيه أنه ملعون. «لعن الله من غير منار الأرض»، وفيه أنه يأخذ مال أخيه بالباطل. ومن اقتطع شبرا من الأرض بغير حق طوقه من سبع أراضين في نار جهنم، كما في الحديث الصحيح. وذكر الشيخ رحمه الله في المسائل: قال: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم. يعني أننا لا نلعن معينا إلا من جاء في حقه الدليل. أما المعين فإننا لا نلعن، ولو كان محدثا أو نحو ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح في حديث أنس لما قنت يدعو ويقول: «اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا»، أنزل الله سبحانه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128]، فترك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك. هذا من أصح حديث الباب، فلعن المعين لا يجوز، لكن لعن صفة المعين يجوز. نقول: لعن الله شارب الخمر، لعن الله من آوى محدثة على سبيل الأنواع والعموم، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من غير منار الأرض، لعن الله من ذبح لغير الله على جهة العموم. أما الأعيان فالراجح في قول الجماهير ترك ذلك. والخلاف في هذه المسألة قول، لكن هذا الذي عليه العلم، هذا الذي عليه المحققون من العلم: أن المعين لا يلعن إلا من جاء في حقه الدليل. قال: رواه مسلم. والمصنف رحمه الله قال: الثالثة، أي: من المسائل، البداية بلعن من ذبح لغير الله. هذه الثالثة من المسائل، وهذه فيها نظر، فإن الحديث في صحيح مسلم بلفظ: «لعن الله من لعن والديه، لعن الله من ذبح لغير الله»، بتقديم لعن الوالدين. فقوله في المسألة الثالثة: البداية بلعنة من ذبح لغير الله، ليست من رواية الحديث، فهذا فيه نظر. لفظ الحديث في صحيح مسلم: «لعن الله من لعن والديه» بتقديم لعن الوالدين، ثم لعن من ذبح لغير الله. والترتيب لا يضر، الترتيب لا يضر، والعطف لا يلزم منه الترتيب، العطف لا يلزم منه الترتيب. فقد يبدأ بالأخير قبل الأول في قوله سبحانه: ﴿وَاسْجُدُوا وَارْكَعُوا﴾ [الحج: 77]، فقدم السجود على الركوع، ولهذا نظائر في لغة العرب. قال رحمه الله تعالى: وعن طارق بن شهاب - صحابي صغير له رؤية - حديثه متصل، حديثه متصل لأن الواسطة معلومة، فهو يروي عن الصحابة رضي الله عنهم. ومن سماه مرسلا غلب، من سمى حديث طارق بن شهاب مرسلا غلب، فلا يوجد شيء اسمه مرسل صحابي، لا يوجد شيء اسمه مرسل صحابي، هذا من المباحث المدخلة في كتب المصطلح. قال: وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دخل الجنة رجل في دباب، ودخل النار رجل في دباب». قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيء، فقالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء نقرب. قالوا له: قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا، فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا من دون الله عز وجل، فضربوا عنقه فدخل الجنة. رواه أحمد، والحديث صحيح موقوفا على طارق بن شهاب، وعلى سلمان، الحديث صحيح موقوفا على طارق بن شهاب وعلى سلمان رضي الله عنهما. أما رفعه إلى رسول الله فلم يثبت. وهذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي تدل على عظم شأن التقرب إلى غير الله سبحانه. «دخل الجنة رجل في دباب» أي: في أمر حقير، والذباب الطائر الصغير، سواء كان بعوضا أو ذبابا يسمى ذبابا، فهي اسم جنس يشمل البعوض وما يسمى عندنا اليوم ذبابا والحشرات الصغيرة كلها تسمى ذبابا، اسم جنس يدخل تحته كل حشرة صغيرة. «دخل الجنة رجل في دباب» أي: في أمر حقير تافه في أعينكم، «ودخل النار رجل في دباب» أي: في أمر حقير تافه في أعينكم. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ يعني: يدخل النار بشيء صغير مثل هذا؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد، يعني: لا يمر به أحد حتى يقرب له شيئا. فقالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء أقرب. قالوا له: قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، أي: تركوه، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب شيئا لأحد من دون الله عز وجل، فضربوا عنقه فدخل الجنة. والحديث في مصادره بتقديم الذي لم يقرب على الذي قرب، بتقديم الذي لم يقرب على الذي قرب. وبعضهم يستشكل هذا الحديث ويقول: كيف لا يعذر وقد أكره؟ فلو لم يقرب لضربت عنقه، فهو مكره. هكذا قال بعض علمائنا رحمة الله عليهم. قال: كيف يعذب بالنار وقد قتل صاحبه؟ ولو لم يقرب لقتل، فهذا معذور لأنه مكره. وقال آخرون من علمائنا: لعل في عصرهم الإكراه غير معذور به، لعلهم كانوا لا يعذرون بالإكراه، فلو أنه قرب مكرها دخل النار، وكانوا يؤمرون بالصدق، لعله هكذا. هكذا احتمل بعض العلماء الفضلاء رحمة الله عليهم. وهذا أيضا فيه نظر، فإن باب التوحيد والشرك، الأنبياء والرسل متفقون عليه. باب التوحيد والشرك، وما يعذر من الشرك، وما يدخل في التوحيد، وما ينقض التوحيد، الأنبياء والرسل فيه سواء. ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: 13]، قال سبحانه: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]، أي: أخلصوا لله التوحيد وتجنبوا الشرك. ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: 13]، أي: من الإخلاص لله في التوحيد. وهكذا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. فالإكراه يعذر به في أمتنا وفي أمتهم، والجهل يعذر به في أمتنا وفي أمتهم، والتأويل يعذر به في أمتنا وفي أمتهم. ومن قال: إن الإكراه لا يعذر به في أصرهم، أو إن الجهل لا يعذر به عندهم، أو إن التأويل لا يعذر به، أو إن الخطأ لا يعذر به في مسائل التوحيد، فهذا أعظم المقالة في هذه المسألة. فإن هذا ظلم، والله يقول: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]. كيف يعذب الله من لم يمل بقلبه إلى الشرك؟ لا يعذب الله هذا. هذا لم يكفر. قال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: 106]، هذا الذي لا يعذر. والآية عامة في شرعنا وفي شرع غيرنا. ومن ادعى التفصيل فعليه الدليل. والله لا يعذب مثل هذا الذي أخطأ أو كان جاهلا لا يدري، أو كان متأولا لم ينتبه ولم يقصد، أو كان مكرها فدى نفسه. لا يعذبه الله سبحانه، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، فلا يقاض بخسا ولا هضم، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]. فتعذيب مثل هذا يعتبر من الظلم. فالأصل في الشرائع: أنها في باب التوحيد ومسائله، وباب الشرك ومسائله، متفقة كلها، لا خلاف بينها. هذا الذي عليه المحققون من العلم. قد يقول قائل: فكيف عذب هذا وإنما فدى نفسه؟ فالجواب: أن الله لا يعذب أحدا إلا بذنب، الله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بذنب اقترفه. فهذا ما عذبه الله وأدخله النار إلا بذنب. هذا الذي نعتقده ونجزم به: أن الله لم يعذبه ولم يدخله النار إلا بذنب ارتكبه. قال سبحانه: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: 8]، هذا في النار. قالوا: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: 9]، وقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]، قال سبحانه: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك: 11]. هذا الذي دخلوا من أجله النار، الذنب الذي اقترفوه. هذا الرجل قرب بقلبه واستهان بالشرك بالله سبحانه. هذا رجل قرب لهذا الصنم معظما لهذا الصنم كما يقرب لله جل وعلا، فكفر بربه سبحانه بذلك، فعذبه الله بذنبه. ولهذا جاء في مصنف ابن أبي شيبة في ذكر هذا الحديث: قالوا له: قرب. قال: وما أقرب؟ قال: ليس عندي شيء أقرب. قالوا: قرب ولو دباب. قال: وأيش دباب؟ إيش الدباب؟ هكذا قال. هذا في مصنف ابن أبي شيبة، والحديث والأثر صحيح. قالوا: قرب ولو دباب. قال: وأيش دباب؟ فقرب، فدخل النار. إذن هو استهان بالشرك، وقرب معظما لغير الله سبحانه كتعظيم الله سبحانه. فهل ظلمه الله حين أدخله النار؟ لم يظلمه الله سبحانه، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، والله لا يظلم أحدا. ومن اللطائف التي يحكيها الأئمة: أن فاطمة بنت الشيخ محمد بن عبد الوهاب - من اللطائف التي يحكيها الأئمة في هذا الباب في غير الشروحات - أن فاطمة بنت الشيخ محمد مرضت، فقالوا لها: قربي لولي الله فلان ترابا. قالت: لا أقرب، التراب خير من الدباب. هكذا قالت. قالت: لا أقرب، التراب خير من الدباب. وهذا من فقه هذه المرأة الصالحة، هذا من فقه هذه المرأة الصالحة. ولهذا: من تقرب لغير الله بذبيحة فقد أشرك، سواء عند طلعة السلطان يذبح الذبيحة ويريق دمها عند طلعة السلطان، أو طلعة الملك، أو طلعة الوزير، أو الرجل المعظم، هذا شرك أكبر، هذا يعتبر من الشرك الأكبر بالله سبحانه وتعالى. ولهذا قال الشيخ رحمه الله: المسألة الثانية عشرة، الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان، فهذا صرف عمل القلب لغير الله، فعذبه الله بذلك. طيب، إن شاء الله تعالى قد نأخذ مسائل الباب، الذبح، والمقصود من الباب، ونقرأ الباب القادم إن شاء الله. فإذا كان لكم شيء وإلا وقفنا هنا.