الدرس في شرح كتاب كشف الشبهات 2، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح هذا المحور أقسام التوحيد الثلاثة مبيناً أن توحيد الإلهية هو الغاية من بعثة الرسل، ويعرف العبادة بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله من أقوال وأعمال. كما يوضح أن الدين في اللغة يعني الخضوع والانقياد لشرع الله تعالى.
يؤكد المحور اتفاق جميع الرسل على دعوة التوحيد وإفراد الله بالعبادة مستدلاً بالكتاب والسنة، ويبين أن نوحاً عليه السلام هو أول رسول أُرسل إلى أهل الأرض. كما يذكر أن الفترة بين آدم ونوح كانت عشرة قرون على التوحيد حتى وقع الشرك بتعظيم الصالحين.
يبيّن هذا المحور أن أول شرك وقع في البشرية كان شرك قوم نوح وأن أصله التعلق بغير الله، ويؤكد بإجماع العلماء أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل. كما يوضح أنه كسر الأصنام بنفسه وأمره محذراً من استقرار الشرك في القلوب وصعوبة زواله.
يعلن المتحدث عن انتهاء وقت الدرس الحالي وتأجيل استكمال ما تبقى إلى الغد إن شاء الله تعالى. كما يفتح المجال للحضور لطرح أي استفسارات أو إضافات قد تكون فاتته خلال الجلسة.
في أول ما بدأ بكشف الشبهات قال: اعلم. ما نستفيد من هذا أن كشف الشبه يحتاج إلى العلم، فمن تزود بالعلم انكشفت عنده الشبه. طيب، نكمل إن شاء الله تعالى بقية القراءة. قال المصنف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة. تقدم الكلام على التوحيد، والتوحيد على ثلاثة أقسام عند أهل العلم. التوحيد على ثلاثة أقسام عند أهل العلم: توحيد ألوهية، وتوحيد ربوبية، وتوحيد أسماء وصفات. هذا هو التوحيد. توحيد الله سبحانه وتعالى عبارة عن ثلاثة أقسام لا رابع لها. توحيد الله سبحانه وتعالى ثلاثة أقسام لا رابع لها. توحيد الربوبية: وهو أن يفرد الله سبحانه وتعالى بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة والمنع والإعطاء ونحو ذلك من هذه المعاني. هذا هو توحيد الربوبية. فربنا سبحانه بيده كل شيء، خالق كل شيء سبحانه وتعالى. هذا النوع الأول هو توحيد الربوبية. والنوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات، وهو الاعتقاد بأن الله عز وجل متصف بصفات الكمال ونعوت الجلال سبحانه وتعالى. هذا هو توحيد الأسماء والصفات: أن نثبت لله سبحانه ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ننفي عن الله سبحانه وتعالى ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. هذا توحيد الأسماء والصفات. هذا هو توحيد الأسماء والصفات، يجب أن يفرد الله سبحانه وتعالى به. والنوع الثالث: توحيد الإلهية، وهو إفراد الله بالعبادة. والمصنف هنا قال: «اعلم أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة»، فجعل التوحيد المطلوب هو أن يفرد الله سبحانه بالعبادة. هذا هو التوحيد المطلوب، وذلك أن توحيد الربوبية والأسماء والصفات يندرج تحت توحيد الإلهية. توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية مندرج تحت توحيد الإلهية، لأن توحيد الإلهية يتضمن الأسماء والصفات والربوبية. توحيد الإلهية يتضمن توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات يستلزمان توحيد الإلهية. لكن لما كثر الخلاف في توحيد الإلهية ونزلت من أجله الرسل والكتب، قال المصنف رحمه الله: «اعلم أن التوحيد» فأطلق اسم التوحيد على توحيد الإلهية لا غير، ويندرج تحته تضمنًا توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. هذا ينبغي أن يعلم. قال: «هو إفراد الله بالعبادة». والعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. هذه هي العبادة. تتضمن أربعة أشياء: عبادة الله سبحانه وتعالى أربعة أقسام: عبادة بالقلب، وعبادة بالجوارح، وعبادة بالقلب، وعبادة بالجوارح. هذه هي أقسام العبادة. فعبادة الجوارح منها ما هو باللسان: كالتلفظ بالشهادتين، وذكر الله سبحانه، وقراءة القرآن. هذه عبادة اللسان. وقد يكون بامتثال الطاعات من الصلاة البدنية ونحو ذلك. هذه عبادة الجوارح. والقلب له عبادتان: فمنها أعمال القلب، أعمال القلب من الخوف، هذا عمل قلبي، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والإخلاص، ونحو ذلك. هذا يسمى عمل القلب. فهذه الأعمال لا بد أن تصرف لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. وهناك أيضًا للقلب أقوال، والمراد بقول القلب: التصديق والإقرار. هذا المراد بقول القلب: أن يقر ويصدق بقلبه ويؤمن. هذا هو قول القلب، لأن عندنا القول: قول القلب، وقول اللسان. وعندنا العمل: عمل القلب، وعمل الجوارح. ولا بد من إفراد الله عز وجل بجميع هذه الأنواع الأربعة: بقول القلب، وبقول اللسان، وبعمل القلب، وبعمل الجوارح. لا بد من أن يفرد الله بهذه الأنواع الأربعة من أنواع العبادة. فمن صرف منها شيئًا ظاهرًا أو باطنًا لغير الله سبحانه وتعالى فقد أشرك بربه سبحانه. إذن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. الأقوال على قسمين: قول القلب، وهو التصديق والإقرار، أن يصدق ويقر بقلبه. وقول الجوارح، وهو قول اللسان: أن يتلفظ بالشهادتين، قراءة القرآن، ذكر الله سبحانه وتعالى، ونحو ذلك من هذه الأمور التي تكون باللسان. والعمل أيضًا عملان: عمل ظاهر، وعمل باطن. فالعبادة عبادتان: عبادة أعمال القلب من الخوف، لا بد أن يخلص لله سبحانه وتعالى الخوف والرجاء والتوكل والإنابة ونحو ذلك من معاني أعمال القلب. ولها ارتباط بالظاهر، الباطن له ارتباط بالظاهر، سيأتي في غير هذا المحل بيانه. أعمال الجوارح أيضًا عبادة لله سبحانه وتعالى من الأعمال البدنية: كالجهاد في سبيل الله، وأداء الصلاة، والحج، ونحو ذلك. هذه أعمال بدنية تكون بالجوارح. قال رحمه الله: «اعلم أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده». الدين كما هو معلوم مأخوذ من قولهم: دَانَ يَدِين دِينًا وَدِيَانَةً. الدين من حيث اللغة مأخوذ من قولهم: دَانَ يَدِين دِينًا وَدِيَانَةً، بمعنى الخضوع والذل. بمعنى الخضوع والذل. هذا معنى الدين. هذا معنى الدين: الخضوع والذل لله سبحانه وتعالى. هذا هو الدين، وهو طاعة الله سبحانه وتعالى. هذا المراد، والانقياد إلى شريعته سبحانه وتعالى. هذا هو الدين: طاعة الله سبحانه وتعالى، هذا هو الدين، والانقياد إلى شريعته سبحانه وتعالى. فمن أطاع الله سبحانه وانقاد إلى شرعه فقد دان لله سبحانه وتعالى. قال: «وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده». يعني أن دين الرسل الذي أرسلت به جميع الرسل هو إفراد الله سبحانه بالعبادة. جميع الرسل أرسلت بتوحيد الله سبحانه وتعالى. كل الرسل: ما أرسل الله من نبي ولا رسول إلا دعا قومه إلى التوحيد، إلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة له وحده لا شريك له، ظاهرة كانت العبادة أو باطنة، من أقوال القلب أو أعماله، أو أقوال اللسان، أو عمل الجوارح. الرسل بعثت إلى إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وإلى توحيد الله عز وجل. قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ بأي شيء؟ قال سبحانه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. هذا الذي بعث الله به الرسل. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. هكذا بعث الله جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده لا يشرك به شيئًا. ما من رسول إلا قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾. ما من رسول إلا قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. هذا هو توحيد العبادة، إفراد الله بالعبادة. هذا هو التوحيد: توحيد الإلهية وتوحيد العبادة. قال سبحانه وتعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. هذا هو التوحيد: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾. ما الذي دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم المشركين؟ إفراد الله بالعبادة. إذا سمعوا كبر عليهم هذا وعظم، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. سيأتي الكلام عليه في محله إن شاء الله. المراد أن دين الرسل كلهم في باب التوحيد واحد، من أول الرسل إلى آخرهم. فالرسل في باب توحيد الله عز وجل مختلفون أو متفقون؟ متفقون. كل الرسل على أصل واحد في التوحيد لا يختلفون. كل الرسل على أصل واحد في التوحيد لا يختلفون. كلهم على وجوب إفراد العبادة لله عز وجل، والنهي عن الشرك به سبحانه في عبادته. جميع الرسل على هذا الأصل. ولهذا ثبت في الصحيح: «إِنَّ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَبْنَاءُ عَلَاتٍ دِينُنَا وَاحِدٌ». يعني التوحيد. كل الأنبياء في التوحيد على هذا الأصل، دينهم واحد. فعلى هذا: الشرائع اتفقت في باب التوحيد واختلفت. اتفقت الأنبياء والرسل في باب توحيد العبادة وتوحيد الله عز وجل بأسمائه وصفاته وربوبيته. متفقون أو مختلفون؟ متفقون. هذا أصل من الأصول التي يجب أن تحفظ وتعلم. الرسل كلهم في باب العبادة على أصل واحد. قال: «وهو دين الرسل» يعني جميعا لا يختلفون، الذي أرسلهم الله به إلى عباد. فأولهم نوح عليه السلام. أول الرسل نوح عليه السلام، والدليل على هذا من الكتاب ومن السنة والإجماع. الدليل على أن أول الرسل نوح عليه السلام: الكتاب والسنة والإجماع. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ إلى أن قال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾. فأول الرسل نوح عليه السلام بنص هذه الآية. فأول الرسل نوح عليه السلام. ومن السنة: حديث الشفاعة المتفق عليه عن أبي هريرة، وفيه: «فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسَلَكَ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ». في لفظ: «أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسَلَكَ اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ». إذن من هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض؟ نوح عليه السلام. بدليل حديث الشفاعة، حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. هذا نص في المسألة. وقد نقل غير واحد من العلماء الإجماع على أن نوحًا أول الرسل. إذن من الدليل على أن نوحًا أول الرسل: الكتاب والسنة والإجماع. قال: «فأوله نوح عليه السلام». أما آدم فكان نبيًا. أما آدم فكان نبيًا عليه السلام، ولم يكن رسولًا أرسله الله إلى قومه. لما غَلَوْا في الصالحين: وَدٍّ وَسُوَاعٍ وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرٍ. لما غَلَا قوم نوح في هؤلاء الصالحين وأشركوا بهم وعبدوهم من دون الله عز وجل، أرسل الله نوحًا. فقد ثبت في الصحيح المسند عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشْرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ». ثبت في الصحيح المسند عن أبي أمامة: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على التوحيد. وثبت هذا أيضًا عن ابن عباس موقوفًا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق. ثبت أيضًا عن عكرمة شاهدًا: بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على توحيد الله وإفراده بالعبادة. وكان في هؤلاء القرون في أواخرهم أناس صالحون يسمون: وَدٍّ وَسُوَاعٍ وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرٍ. هذه أسماؤهم. فلما مات هؤلاء حزن الناس عليهم غاية الحزن وتأثروا لفقدهم، فأوحى الشيطان إليهم أن ينصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وصوروا لهم صورهم. يعني: فإذا مررتم بهم ذكرتم عبادة هؤلاء فتأثرتم وعبدتم ربكم سبحانه. فلم يزل حتى إذا هلك أولئك وجاء الجيل الآخر ووجدوا تلك الصور والأنصاب، خُيِّلَ في المساجد وخُيِّلَ في المجالس، فاغتروا، وقال لهم الشيطان: «إِنَّ آبَاءَكُمْ إِنَّ آبَاءَكُمْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا يَعْبُدُونَهَا». فلما تَنَسَّقَ العلم، أي ذهب العلم وقل أهله الذين يبصرون الناس، عُبِدَتْ. وهذا مذكور في صحيح الإمام البخاري في كتاب التفسير. في صحيح الإمام البخاري في كتاب التفسير. بعض العلماء ينتقد هذا الأثر، والقول فيه قول البخاري رحمه الله: لمن نظر وتأمل وأحاط بالأمر. ويقال أيضًا في مثل هذا: إن هذا الأثر عليه إجماع العلماء. فَهَبْكَضَ أَفْتَهُ سَنَدٌ، فَهَلْ تَرُدُّ مَا عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا؟ ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «اسْتَفَاضَ هَذَا عَنِ السَّلَفِ وَتَوَاتَرَ». يعني هذا مذهب السلف. ذكر هذا التفسير والقول به: هذا مذهبهم في هذه الآية، فلا ينبغي بعد ذلك النظر في مجرد الإسناد، كيف هو الإسناد؟ لا غبار عليه. الحاصل أن هذا مما تداوله العلماء ونقلوا فيه الإجماع، ولا يعلم له مُخَالِفٌ، بل كلهم على قبوله والعمل به والاحتجاج به. وأن أول شرك وقع في هذه البشرية: شرك قوم نوح عليه السلام. أرسله الله لهم بعد أن أشركوا ليعيدهم. قال: «وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم». وأصل الشرك بالله سبحانه: التعلق بغير الله سبحانه وتعالى. هذا أصل الشرك. أصل الشرك بالله سبحانه وتعالى: التعلق بغير الله سبحانه وتعالى. حتى لو عُرِّفَ الشرك فقيل: هو التعلق بغير الله سبحانه، كان تعريفًا صحيحًا. الشرك: أصل الشرك التعلق بغير الله سبحانه وتعالى. قد يكون شركًا أصغر، وقد يكون شركًا أكبر. فمن تعلق بهؤلاء الصالحين فقد أشرك برب العالمين سبحانه وتعالى. والغلو أمره خطير، الغلو أمره خطير: الإفراط في المحبة، تجاوز الحدود. قال: «وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم». هذا آخر الرسل بأدلة من الكتاب والسنة وغيرها. قال ربنا سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. قال ابن كثير: ما حاصله: إذا كان خاتم النبيين فمن باب أولى أن يكون خاتم الرسل، لأن نبي الأقل وهي مرتبة النبوة يلزم منه نبي الأكثر وهي مرتبة الرسالة، من باب أولى. ومن السنة: أحاديث كثيرة في الباب. قال ابن كثير: هي متواترة. أحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم آخر الرسل متواترة، كثيرة في الصحيحين وفي غيرهما، كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم آخر الرسل. منها حديث جبير بن مطعم في الصحيحين. منها حديث جبير بن مطعم في الصحيحين: «إِنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي...» إلى أن قال: «وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ». في الصحيحين أيضًا حديث جابر رضي الله عنه. في الصحيحين حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا... وَكُلَّمَا رَآهَا رَائِنٌ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا إِلَّا مَوْضِعَ هَذِهِ اللَّبِنَةِ. قَالَ: فَأَنَا مَوْضِعُ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، أَوْ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُتِمَ بِيَ الْأَنْبِيَاءُ، أَوْ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». أحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل والأنبياء متواتر. قال: «وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين». النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين. وأدلة هذا كثيرة جدًا. منها حديث ابن مسعود في صحيح البخاري: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت، وفيه ثلاثمائة وستون نَصْبٌ، ثلاثمائة وستون صنمًا أو نَصْبًا، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسقطها من حوالي الكعبة بعود معه. فهو الذي كسرها بنفسه، وكسرها بأمره صلى الله عليه وسلم. فقد كان يرسل الرسل، ويقول لهم: «لَا تَدَعُوا صَنَمًا إِلَّا طَمَسْتُمُوهُ»، كما في حديث علي، في حديث أبي الهياج عن علي: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا أَوْ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ». وهكذا أرسل النبي صلى الله عليه وسلم خالدًا ومن معه إلى الطائف، في حديث مشهور في اقتلاع العُزَّى وقتلوا السَّدَنَةَ. فالشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كسر صورة الأصنام، وكسر الأصنام بنفسه وبأمره. ومن المعلوم أن القائد عند العرب: أن المعظمة إذا أمر بشيء نسب إليه هذا الشيء، فيقولون: بَنَى الْأَمِيرُ دَارًا، والأمير لم يبنها أصلًا، وإنما أمر ببنائها. هذا معلوم. ويقولون: بَنَى عُمَرُ بْنُ الْعَاصِ الْفُسْطَاطَ، وعمر بن العاص لم يبنها، وإنما أمر ببنائها. وهكذا. فالشاهد: قول الشيخ رحمه الله: «وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين»، يعني بنفسه وبأمره صلى الله عليه وسلم. ومن صور هؤلاء الصالحين: صورة وَدٍّ وَسُوَاعٍ وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرٍ. فإنها كانت في العرب، كانوا يسمون بـ: عَبْدُ وَدٍّ، وَعَبْدُ سُوَاعٍ، وَعَبْدُ يَغُوثَ، وَعَبْدُ يَعُوقَ. هذه أسماء وجدت في أشعار العرب وفي الجاهلية. ومن هنا أفاد الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: أن هذا الأمر الذي ذكره الشيخ رحمه الله بهذا المحل أمر عجيب. أصنامهم عُبِدَتْ عند أول الرسل، ولا يكسرها إلا آخرهم، وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع وجود الطوفان الذي زالت به أمم، زالت به تَرَكَةُ الْأُمَّةِ. ومع هذا جاء الشيطان إلى العرب فأوحى إليهم أن هؤلاء الصالحين معبودون وسائط إلى الله، فعبدوهم. قال: «هذا يدل على أن الشرك إذا تعلقت به القلوب يصعب زواله». أصنام عُبِدَتْ في زمن أول الرسل، ولا يكسرها ويزيلها إلا آخر الرسل صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا يدل على أن الشرك إذا تعلق في قلوب الناس يصعب زواله. فمن هنا يستهين بعض الناس بالشرك، وهذا مزلق خطير، يدل على انحرافهم عن جادة منهج الأنبياء والرسل في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. طيب، إن شاء الله تعالى نقف هنا. نكمل غدًا إن شاء الله ما بقي. إذا كان لكم شيء ولا وخفنا عنه.