شرح كتاب كشف الشبهات 4

الدرس في شرح كتاب كشف الشبهات 4، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

عبادة كفار قريش ودين إبراهيم الحنيف ردًا على الشرك

كان كفار قريش يتعبدون بالحج والصدقة والنذر، لكن شركهم تمثل في اتخاذ وسائط بينهم وبين الله. بعث النبي ﷺ لتجديد دين إبراهيم القائم على التوحيد والولاء والبراء وكسر الأصنام.

أصول الشرك ومقدماته عند المشركين

نشأ الشرك من ثلاث مقدمات فاسدة: ظن محبة الله للملائكة والأنبياء، وعدم رد الله طلبهم، وشفاعتهم لأتباعهم. أدى ذلك إلى عبادة غير الله من ملوك مقربين وأنبياء مرسلين.

رد المقدمات الباطلة التي يستند إليها المشركون

يبطل المقطع زعم محبة الله لأولئك المزعومين، وأن الله لا يرد دعاءهم، وأنهم يشفعون يوم القيامة. الأدلة القرآنية والحديثية تثبت أن الله لا يحب إلا من استحق، ويرد دعاء الأنبياء، ويتبرأ التابعون من المتبوعين.

الأصل الثاني من أصول شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب

يتناول المقطع المقدمة الثانية والأصل الثاني الذي يقرره شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، مبيناً أنه سيشرع في بيانه وتوضيحه. يشكل هذا الأصل جزءاً من المنهج العقدي الذي يدعو إلى التوحيد الخالص.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

طيب، إن شاء الله تعالى نراجع شيئًا مما تقدم. فمما تقدم الكلام عليه: قول المصنف رحمه الله: «هؤلاء أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله». فما الدليل على أن كفار قريش والعرب كانوا يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله؟ عندكم: كانوا يعرفون عبادة الاعتكاف والنذر. حديث نذر عمر رضي الله عنه واعتكافه ليلة في الجاهلية، هذا الشاهد. وماذا أيضًا؟ عندكم صدق: كانت في أمور الجاهلية يتعبد بها الله، من صلة الموائد والصدقة. فسأل عنها رسول الله ﷺ فقال: «قد أسلمت، تعالى مسألة فيها خير». نعم، أسلمت على ما أسلفت من خير. حديث حكيم بن حزام أيضًا: «أرأيت أعمالًا كنت أتحنث بها في الجاهلية؟» أتحنث يعني ماذا؟ أتعبد. هذا معناه. إذن كانوا في الجاهلية يتعبدون. وما الفائدة من ذكر هذه المقدمة التي ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله؟ لماذا يذكر هذه المقدمة؟ عند من؟ يا إخوان، عندما... يا إخوان، هذا بيان لأصل عظيم، وهو أن المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ كانوا على عبادة، ومعرفة هذا يعين على فهم نوع الشرك الذي كفروا من أجله. فكونهم أهل عبادة ثم يقاتلون ويكفرون، دل هذا على أنهم إنما أشرعوا في جعل الوسائط بينهم وبين الله سبحانه وتعالى. نعم، وفي هذا رد على المشركين المعاصرين. لماذا نقول المشركين؟ سيأتي الكلام عليه محلًا، وأن هذا يلتبس على بعض الناس لإطلاق لفظ الشرك. المصنف يقول: «فهؤلاء البشر» يكون يخاطب القبوريين، هذا على جهة الوصف والإطلاق لا على جهة التعيين، فلا إشكال. هذا على جهة الإطلاق، مثل أن نقول: السارقون، وهكذا. هذا على جهة الوصف بعملهم لا الحكم بأعيانهم. سيأتي الكلام عليه. طيب، البقية نراجع. عند قراءة ما سيأتي سيتكرر معنا. قال المصنف رحمه الله تعالى: «فبعث الله تعالى محمدًا ﷺ يجدد لهم دينهم، دين أبيهم إبراهيم». وما هو دين إبراهيم عليه السلام؟ عندك؟ دينه الحنيفية. وماذا أيضًا؟ وكيف الحنيفية هذه؟ عند من عندها الجهة هذه؟ عندك يا أخي: الله، عبادة الله وحده، واحد. دين إبراهيم مبين في كلام الله سبحانه: عبادة الله وحده، وأن لا يشرك به شيئًا. وأيضًا: الولاء والبراء. عندك: الولاء والبراء، والتكفير، والعداوة، والبغضاء، والحكم على الأعيان: «كفرنا بكم». هذا دين إبراهيم أيضًا. فضل؟ نعم، وكسر الأصنام. هذا أيضًا من دين إبراهيم. كل هذا من دين إبراهيم الخليل عليه السلام، ولهذا يقال: إمام الموحدين. سيأتي أنه مع هذا خاف على نفسه من الشرك، ومن عبادة الأصنام. وهكذا خافت الأنبياء والرسل: خاف يوسف على نفسه، خاف نبينا ﷺ. سيأتي الكلام عليه عند الكلام على الخوف من هذا الأمر العظيم. قال رحمه الله تعالى: «ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله تعالى؛ لأن هذا التقرب والاعتقاد هو عين التأله لغير الله سبحانه وتعالى. فما يسمونه تقربًا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، هذا التقرب محض الإلهية. وكذلك الاعتقاد في غير الله سبحانه وتعالى هو محض الإلهية والتأله، كما هو معلوم أن يصرف الإنسان الرجاء والخوف ونحو ذلك من المعاني القلبية، فيؤدي بعد ذلك عبادة لغير الله سبحانه من نذر أو ذبح أو نحوها إلى غير الله سبحانه وتعالى. هذا هو التأله، هذا هو التأله». قالوا: يخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله تعالى، لا يصلح منه شيء لغيره، إنما هو من حقوق الرب سبحانه وتعالى، فمن أشرك مع الله غيره فيها فقد كفر. قال: «لا لملك مقرب»، يعني مقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ذو منزلة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى، ومع هذا لا يجوز أن تصرف له العبادة. ومن صرف العبادة لملك، فإن هذا الملك يوم القيامة يتبرأ ويكفر، وينزه الرب سبحانه وتعالى عن هذا، كما قدمنا: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم}. نزه الله سبحانه وتعالى: «سبحانك»، أي ننزهك عن هذا الأمر العظيم الجلل. قال: «لا لملك مقرب، لا يجوز صرف العبادة لغير الله، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلًا عن غيرهما». فإذا كان هذا لا يصح لهؤلاء مع علو مرتبتهم، فكيف بغيرهم من الأحجار والأشجار، بل والعصاة؟ هذا من باب أولى. وأصل شرك هؤلاء الناس أنهم ظنوا أن هؤلاء محبوبون عند الله سبحانه، مقربون. هذه المقدمة الأولى: يظنون أن الله سبحانه وتعالى يحبهم ويقربهم. هذه المقدمة الأولى. المقدمة الثانية: يظنون أن الله لا يرد طلبهم منه أبدًا. هذه المقدمة الثانية. المقدمة الثالثة: يظنون أن هؤلاء سيشفعون لهم ويقربونهم، ولن يتخلوا عنهم أبدًا. بهذه الثلاث حصل الشرك عند المتقدمين. بهذه الثلاث حصل الشرك عند المتقدمين: بثلاث مقدمات كانت نتيجتها الشرك بالرب سبحانه وتعالى. المقدمة الأولى: أن هؤلاء يحبهم الله سبحانه وتعالى، وأنهم مقربون إليه جل وعلا. هذه المقدمة الأولى. المقدمة الثانية: أن هؤلاء لا يرد الله طلبًا لهم أبدًا مهما كان، فإذا سألوه نفذ، ولا يرد لهم طلبًا، ولا يرد لهم طلبًا. والمقدمة الثالثة: أن هؤلاء سيجادلون عنهم، ويشفعون لهم، وينفعونهم عند الله سبحانه وتعالى. فكانت النتيجة ماذا؟ كانت النتيجة أن عبدوهم من دون الله سبحانه وتعالى. هذه كانت النتيجة. ومن نظر بهذه المقدمات الثلاثة رأى أنها مقدمات خاطئة. أولاً: كونهم محبوبين إلى الله، هذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. فمن تسمونهم أولياء، لا يلزم بمجرد ظنكم أنهم أولياء أن الله عز وجل بأعيانهم يحبهم ويقربهم إليه، بل قد يكون عكس ذلك. ولهذا ذم الله من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}. ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ}. والمقدمة الثانية: أنهم يزعمون أن الله لا يرد لهم طلبًا. هذا أيضًا من الخطأ، فالله عز وجل قد رد على الأنبياء بعد طلبهم. رد على نوح لما شفع في ابنه، رد عليه هذه الدعوة: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. قال: {وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ}، ومع هذا قال الله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. استغفر النبي ﷺ لجده أبي طالب، ومع هذا لم ينفع أبي طالب هذا، بل نهى الله نبيه عن الاستغفار: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى}. فلا ينفع استغفار النبي ﷺ لمشرك، ولو كان جدًا له، أو قريبًا، بغير رسول الله ﷺ. المقدمة الثالثة: أنهم سيشفعون لهم، ويدافعون عنهم. الله سبحانه وتعالى يقول: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا}. فذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وما هم بخارجين من النار. وهكذا في غمرات النار يتجادلون: {قَالُوا إِنَّا كُنَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}. قالوا: {نَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ}. قال الذين اتبعوا للذين استكبروا: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا}. فالشاهد: في يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض. فهذه المقدمات حصلت بها الشرك عند هؤلاء الناس. قال: «لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلًا عن غيرهما». أصل الشرك: تقدم من ثلاث مقدمات عند هؤلاء الناس. وهكذا يتكرر: تجد بعض الناس يقول: فلان ولي، يحبه الله. ما أدرك أن الله يحبه؟ أطلعت على اللوح المحفوظ، أم نزل به لك وحي من الرب سبحانه أن فلانًا محبوب عند الله؟ قال رحمه الله: «فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات ومن فيهن، والأرضين السبع، ومن فيهن، كلهم عبيد، أو كلهم عبيد، وتحت تصرفه». هذه المقدمة الثانية التي يقررها، والأصل الثاني الذي يقرره شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب: بيان