شرح رسالة فضل الإسلام 75

شرح رسالة فضل الإسلام 75

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 75، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في صفات الغرباء

يتناول شرحًا لحديث النبي حول صفات الغرباء بأنهم النزاع من القبائل، أي المنفصلون عن قبائلهم لانضمامهم للإسلام. يُفسر ذلك في سياق بداية الإسلام حيث كان المسلمون متفرقين.

إصلاح النفس في زمن الغربة

يجب على الغرباء الاهتمام بإصلاح أنفسهم في زمن الغربة والفساد، وذلك بالاستعانة بالله والعودة إلى الطاعة والعبادة. كما يشمل إصلاح النفس الإقبال على السنن والنوافل والعلم الشرعي.

ختام الدرس والتأكيد على الصلاة والسلام

يختم الدرس بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر أهمية هذه العبادة في الإسلام. يُبرز الختام علم الله تعالى.

  • 17 جمادى الآخرة 1442هـ - 30/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وروى أحمد من حديث ابن مسعود، وفيه: «من الغرباء: النزاع من القبائل». وفي رواية: «الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس». أورد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذه الأحاديث بعد تبويبه لذلك بابًا: باب ما يتعلق بفضل الغربة، وأبنى ما يتعلق بهذا الباب من مسائل وأحكام. ثم أورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى ما ثبت في مسلم من قوله عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ». وأشرنا حينها كذلك إلى الفوائد المستنبطة والمستفادة من هذا الحديث النبوي. ثم ناسب أن المؤلف رحمه الله تعالى أتبع في هذا الباب بذكر الصفات الصحيحة والصريحة في صفة الغرباء الذين زكاهم ربنا جل وعلا على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام. فكان من صفات الغرباء ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «طوبى للغرباء»، قالوا: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «النزاع من القبائل، النزاع من القبائل، النزاع». قال العلماء: جمع نازع ونزيع، وهو الذي نزع أو نزع عن أهله وقبيلته وعشيرته، فأصبح غريبًا عنهم. فهذا هو معنى «النزاع من القبائل»، أي ممن خرج عن أهله وعن عشيرته. قال العلماء في شرحهم لهذا الحديث: أن من وصف الغرباء أنهم كانوا من «النزاع من القبائل» يتعلق ببداية الإسلام، وكيف أن الإسلام عندما أتى به نبينا صلى الله عليه وسلم كان في غربة. وكان من أحوال الناس الذين دخلوا في الإسلام كانوا أفرادًا ووحدانًا، وكانوا يأتون من قبائل ومن عشائر شتى. لربما جاء هذا الرجل من همدان، وجاء ذلك من غطفان، وجاء ذا وجاء ذا، يأتي الواحد والاثنين من قبائل شتى، الواحد والاثنين وهلم جرًا. ومن تأمل إلى غربة الإسلام في بداية أمره، وتأمل في وجوه الصحابة الأول، لعلم أنهم قد اجتمعوا من قبائل شتى، وكانوا أفرادًا. بعد ذلك دخل الناس إلى دين الله أفواجًا، فالحاصل أن بداية الإسلام كانت على هؤلاء ممن هم في الحقيقة «نزاع من القبائل»، ليس القبائل العربية بل حتى الأقاليم الدولية. فقد كان من أوائل الصحابة سلمان الفارسي، من أين؟ من فارس، وصهيب الرومي، من أين؟ من الروم، وبلال الحبشي، من أين؟ من الحبشة. هؤلاء وحدانًا وأفرادًا قدموا من بلاد بعيدة من أصقاع المعمورة، كلهم أذعنوا لهذا الدين، وكانوا في أمرهم غرباء. فهذا الذي عناه نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: «النزاع من القبائل»، فيما يتعلق في الإسلام عندما ظهر في بداية أمره. وأما في الرواية الثانية، والذي سئل عليه الصلاة والسلام عن الغرباء، قال: «الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس». الذين يصلحون، فمن صفة الغرباء إخواني في الله: أنهم يصلحون أنفسهم، يهتمون بأنفسهم التي بين جنبيهم. أكيد في زمن الغرباء يعم الفساد، يعم الفساد سواء كان في باب الشبهات أو في باب الشهوات، فيسقط الكثير من الناس عن الجادة، ويتقهقر الكثير من أهل الإسلام إلى الوراء إلى الانحراف والانحلال والبعد عن دين الله. فكان من شأن الغرباء، وهم فيها زمن الغرباء، أنهم من أعظم ما اهتموا به أنهم اهتموا بتربية أنفسهم. فهذا الذي عناه نبينا بقوله: «الذين يصلحون»، أي يصلحون أنفسهم إذا فسد الناس. وإصلاح النفس إخواني في الله من الأمور العظيمة، حتى قال من قال: إنه قد من أقوال أهل التربية والسلوك، وعليها اتفقت كلمة أرباب السلوك: على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب. النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأن الناس إخواني في الله على قسمين: قسم ظفرت بهم أنفسهم فملكتهم وأهلكتهم، وقسم هم الذين ملكوا أنفسهم، فكانت تبعًا لأوامرهم، تنقاد حيثما قادوا لها. ولهذا قال بعض العارفين من سلفنا الصالح: قال: «من ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خاب وخسر». فالله الله يا عبد الله في الاهتمام بإصلاح النفس. بل إن ربنا جل وعلا أوضح هذا، إذ أنه سبحانه وتعالى أخبر أن خيرية العبد إنما تكمن في إصلاح نفسه. بل أقسم ربنا سبحانه وتعالى على ذلك، فقال جل في علاه: ﴿والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها﴾. فالفلاح يا عبد الله إنما يكمن في أنك تستعين في هذه الأزمان، في زمن الغربة، على إصلاح نفسك. ومن أعظم ما يعينك على إصلاح نفسك التي بين جنبيك: أن تستعين بالله عليها، أن تسأل ربك جل وعلا أن يعينك على إصلاح نفسك. ولهذا كان من دعائه ومن تضرعه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يقول: «اللهم آتي نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها». فكان عليه الصلاة والسلام يتضرع إلى ربه جل وعلا في أن يعينه على إصلاح نفسه التي بين جنبيه. «اللهم آتي نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها»، إشارة إلى عظيم العناية بأمر الأنفس. وهكذا الاستعانة بالله جل وعلا. وقد ذكر العلماء: أن من أعظم ما ينبغي أن تصلح به النفوس: أن تعودها على باب الطاعة والعبادة، أرغمها، عودها يا عبد الله، خاصة في زمن الغربة، وخاصة في زمن الغربة. لأن النبي ذكر أن من صفة الغربة: «الذين يصلحون»، أن يصلحون أنفسهم إذا فسد الناس. الناس لما فسدوا، لأنهم اعتنوا بأنفسهم، فنجى الله الغرباء في آخر الزمان، وفي فترة الغربة، أنهم اعتنوا بأنفسهم فأصلحوها. ومن أعظم ما يصلح الله جل وعلا الأنفس والقلوب والصدور: أنك تخضعها على دين الله جل وعلا، بإقامة الطاعات والعبادات، من الإقبال على السنن والنوافل والمستحبات، وإرغامها على الفرائض والواجبات، وأن تحملها على مكارم الأخلاق والآداب. فهذا إخواني من أعظم ما تصلح به الأنفس. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «العبادة في الهرج كهجرة إلي»، رواه مسلم في صحيحه. «العبادة في الهرج» قال العلماء: الهرج هنا هي أيام الفتن، الفتن طمت وعمت وانتشرت وكثرت. فإذا بخلق من خلق الله في خضم هذه الفتن المتلاطمة، ما الذي يفعل؟ يهتم بإصلاح نفسه، بماذا؟ بأن يتعبد الله. أنتم تعرفون إذا هاجت الفتن، اشرأبت لها القلوب، وتطاولت لها العيون، والكل يتلهف لهذه الفتنة، ينظر إليها، بل ربما الكثير خض فيها. لكن طائفة من الناس أصلح الله حالهم، فأشغلهم بإصلاح أنفسهم، وهؤلاء لهم الأجر العظيم عند الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «العبادة في الهرج كهجرة إلي»، يعطى له كمن هاجر إلى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. فالحاصل إخواني في الله: أن المرء يعتني في زمن الغربة بإصلاح نفسه، لقوله عليه الصلاة والسلام عن الغربة: «الذين يصلحون» -بفتح اللام والياء- «الذين يصلحون» -بضم اللام- إذا فسد الناس، أي أنهم اعتنوا بأنفسهم فأصلحوها. فاحرص يا عبد الله، وأنت في هذه الأزمان والتي تعتبر قد ظهرت فيه بوادر الغربة، أن تعتني بنفسك. احرص يا عبد الله على الصلاة، على القيام، على الصيام. صم يا عبد الله في الأسبوع يومًا واحدًا إن استطعت لذلك سبيلًا، أو يومين في الاثنين والخميس. احرص يا عبد الله على النوافل من السنن القبلية والسنن البعدية. فإنك كلما اعتنيت بنفسك، فالله جل وعلا ينفع عنك، يدفع عنك كل سوء ومكروه. ومن أعظم كذلك ما يستعان به على إصلاح النفس: أن تقبل على العلم الشرعي. وهذا من أعظم ما تميز به أهل السنة في زمن الغربة: أنهم يشغلون أنفسهم بالعلم الشرعي. لهذا قال من قال: «من كان لله أعرف، كان منه أخوف». فالعبد كلما زادت معرفته بربه جل وعلا علمًا، ما يتعلق بجناب الرب جل وعلا من الإجلال والإعظام، فأدى حق ربه، بخلاف الجاهل والمغرور، والذي ما فقه شيء من دين الله، فأن أن يتعرف إلى حدود ما حرم الله لا يمكن هذا. ولهذا إخواني في الله، فالإنسان يحرص في زمن الغربة على الإقبال على العلم الشرعي، وعلى ما يعينه على إصلاح نفسه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.