الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا المحور أن جرح الرواة أو توثيقهم قد يكون مقيداً بظروف معينة كالمكان أو الزمان، فلا يُحكم على الراوي بالإطلاق. ويضرب أمثلة على من اضطرب حديثهم في بلد لغياب كتبهم ك معمر بن راشد بالبصرة، بينما كان حديثهم متقناً في بلد آخر كاليمن، وكذلك من اختلطوا في آخر أعمارهم.
يبيّن المقطع أن جودة رواية بعض المحدثين تتفاوت باختلاف المكان؛ فحديثهم في بلدانهم أو حيث تتوفر كتبهم يكون أصح، بينما يضعف في الأسفار أو المواضع المزدحمة. وضرب أمثلة بابن أبي الزناد وعبد الرزاق والوليد بن مسلم، مبينًا أن الزحام وغياب المراجع يؤديان إلى الاختلاط والخطأ في الرواية.
يتناول هذا المحور قضية تفاوت ضبط الرواة لحديث أهل إقليم دون آخر، مستشهداً بأمثلة مثل إسماعيل بن عياش وفرج بن فضالة وبقية بن الوليد وزهير بن محمد. ويبين أن العلماء يقبلون حديثهم عن أهل بلدهم أو إقليمهم ويردون ما رووه عن غيرهم لاختلاطهم أو غلط من روى عنهم.
يوضح المقطع أن عبد الرحمن بن يزيد الشامي شخص آخر غير عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حيث روى عنه الكوفيون أحاديث منكرة مما يدل على الاختلاف. ويشير أيضاً إلى أن زهير بن محمد شخصية أخرى وقع فيها غلط من قبل أهل الشام.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله: قد يريد التوثيق والتضعيف لأمرين مقيدين، فلا يحكم بواحد منهما على الراوي بإطلاقه، بل بحسب ما يقتضيان معا من جرح وتوثيق. ومن صور ذلك: توثيق الراوي فيما حدث به في بلد دون آخر، وهذا الباب مثل التوثيق المقيد. هذا قد ضبطه علماء العلم وتتبعوا هذا الأمر بما يكون فيه كفاية، وتجد أنهم حرصوا على التتبع مثل هذه الأمور، فغالبا مثلا يأتي الجرح مقيدا إما بوقت، وإما ببلد، وإما بشخص. معنى مثلا مقيد بوقت: هذا ينطبق على أهل الاختلاط، معنى أنهم يختلطون في آخر أعمارهم غالبا، ومنهم من يختلط فليس في آخر عمره، أو ينسى، أو يحصل له وهم، مثل ما حصل لهمام في بداية ما كان يحدث، ثم لزم الحديث، بمعنى لزم الحديث من كتابه. وأما كما قلنا في الوقت فهو مثل هذا، مثل الاختلاط في آخر العمر، من اختلط في آخر عمره فإن هذا يعتبر مقيدا بآخر العمر، مثل: سعيد بن أبي عروبة، مثل المسعودي، مثل الجريري، مثل عطاء بن السائب، وجماعة كثيرون اختلطوا في آخر أعمارهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأحيانا أيضا يكون مقيدا ببلد، كما سيأتي في الأمثلة. قالوا ذلك لكون الراوي توثيق الراوي فيما حدث به في بلد دون آخر. قالوا ذلك لكون الراوي حدث في مكان لم تكن معه فيه كتبه فخلط، وحدث في مكان آخر من كتبه فضبط، أو لكونه سمع في مكان من شيخ فلم يضبط عنه، وسمع منه في موضع آخر فضبط. ومن أمثلته: معمر بن راشد الأزدي، حديثه بالبصرة فيه اضطراب كثير لأن كتبه لم تكن معه، وحديثه باليمن جيد. عن معمر: لما ذهب يزور أمه لم يأخذ كتبه، والعذر أنه لم يكن يتوقع أن الناس سيجلسونه لأجل التحديث، فلهذا ذهب ولم يأخذ كتبه. فلما وصل إلى البصرة وعرف الناس أن معمرا في البصرة جاءوه من كل مكان، وفي ذلك الوقت كانت البصرة تزهو بالعلم، يعني يتلهفون أن يكون إنسان يأتي ويحدثهم، ومعمر معه حديث الزهري، حديث عظيم وعالي، وكذلك من أكثر الحديث التي كان أهل الحديث يبحثون عنها، فلهذا كان معمر جاء إلى البصرة فأمسكته البصرة، وجاء أهل الكوفة، إذ سمع أن معمرا في البصرة جاء سفيان الثوري وجماعة من الكوفة، فاضطر إلى التحديث فوهم في بعضها، وحصلت له أوهام في بعض الأحاديث، وحدث بها على غير ما كان يحدث بها في اليمن. قال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني يضعف ما حدث به عبد الرحمن بن بزينات بالعراق، ويصحح ما حدث به بالمدينة. هذا الآن يعني ذكر هنا سببين: السبب الأول كون الراوي حدث في مكان لم تكن معه فيه كتبه، والسبب الثاني حدث في مكان آخر من كتبه فضبط، أو لكونه سمع في مكان من شيخ فلم يضبط عنه، وسمع منه في موضع آخر فضبط. مثل أيضا معمر، معمر سمع في البصرة على خلاف ما سمعه في غيره. طيب، الآن أولا ذكر مثالا للأول: معمر بن راشد الأزدي، حديثه بالبصرة فيه اضطراب كثير لأن كتبه لم تكن معه، وحديثه باليمن جيد. وهذا أيضا حصل لكثير من المحدثين، تجد أن حديثه مثلا بعضهم حديثه في بلده أفضل من حديثه في غير بلده، وإن كان الأفضل أنه يضعه هنا لكن المؤلف أخره في القسم الثاني، أيضا مثل زهير بن محمد أو زهير بن محمد العكس. طيب، أيضا ذكر ابن أبي الزناد: حديثه بالعراق فيه ضعف، حديثه بالعراق فيه ضعف، وحديثه بالمدينة أحسن. وإلا فحديث عبد الرحمن بن ابن أبي الزناد فيه ضعف، وإن أخرج له البخاري فضعفه بعض الأئمة من قبل حفظه، لكن حديثه بالمدينة أحسن، حديثه بالمدينة أحسن. أحيانا الإنسان لما يكون عنده كتبه يراجعها وكذا يكون أفضل، وأما إذا خرج مثلا في سفر أو في كذا وكتبه ليست عنده فغالبا تجد أنه يخلط أو ينسى بعض الأشياء، وهذا حصل لكثير من رواة الحديث. قال الإمام أحمد في رواية الأثرم: سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جدا، روى عن عبيد الله حديث مناكير هي من حديث العمري، وأما سماعه باليمن فحديث صحاح. أنا روى حديث عن عبيد الله، عن عبيد الله، عبيد الله بن عمر العمري أيضا، لكنه قصد الإمام محمد أنه روى حديث عبيد الله نحن من طريق سفيان فجعلها عن عبيد الله بن عمر العمري، وليست عن عبيد الله بن عمر، وإنما هي عن عاصم بن عبيد الله، عاصم بن عبيد الله العمري، فخلط بين رواية سفيان عن عبيد الله ورواية سفيان عن عاصم، مثل ما ذكرنا في الحديث الذي ذكرناه في حديث: «يا عمر متشهدا وعش حميدا، أو عش حميدا ومتشهدا، وتبعث إن شاء الله وحيدا»، فهذا الحديث هو من حديث عاصم عن عبيد الله، طريق سفيان عن عاصم، فرواه من طريق عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر، طريق سفيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، فأخطأ فيه، أو رواه أقصد من طريق معمر، رواه من طريق معمر عن الزهري عن عبيد الله عن سالم عن أبيه، وإنما هو رواه سفيان عن عاصم، عن عبيد الله العمري عن سالم، عن عبيد الله، عن عاصم، فجعله بدل عاصم، جعله من طريق معمر عن الزهري، وعبد الرزاق لما سمع من سفيان في مكة اختلط عليه بعض الأشياء، لأن هناك في مكة غالبا يكون الأمر مزدحما، أن الناس كثير وزحمة، وبالكاد أن الإنسان يسمع الحديث صحيحا، فلهذا تجد أنه تفوته بعض الأشياء وبعض الكلمات بكثرة الزحام، حتى أنه أحيانا لا يستطيع أن يسمع. ذكر الحميدي مرة أن الوليد بن مسلم لما جاء إلى مكة اجتمع عليه الناس، الحديث في مسجد الخيف، تعرف مسجد الخيف، مسجد الخيف صلى فيه سبعون نبيا، مسجد الخيف، مسجد منى، أين لان، أين لان، أين لان، أسمى الخيف، أه، مسجد الخيف، مسجد منى، أسمى الخيف معروف، من مسجد الخيف، فجاء إلى مسجد الخيف واجتمع عليه الحديث، فغص بهم، قال الحميدي: فجئنا ورأينا المسجد مليان، مسجد ممتلئ بأهل الحديث، قال: فبقينا في آخر الصفوف، فكان الوليد المسلم يتكلم ولا نسمعه، قال: وكنا شبابا معنا، كان في بداية الشباب، قال: فقلنا: كيف لا نسمع والناس يسمعون، وعننا كيف نحن ما نسمع وأولئك يسمعون؟ قال: فضغطنا عليهم، صحنا عليهم، فكانوا يقولون: أنتم الذين في الخلف، وكذا، فازداد الصوت في المسجد، فخرج الوليد بعد ما سمع، لا هم سمعوا. فكان في مكة غالبا خاصة على هؤلاء الذين اشتهروا بالعلم، فسفيان الثوري، سفيان بن عيينة، وجماعة من هؤلاء، تجد أن مجالسهم في أوقات المواسم تمتلئ، في أوقات الحج، في رمضان، وكذا تمتلئ المسجد أو تمتلئ المجالس، فلهذا عبد الرزاق ما سمع جيدا، أن الظاهر من سفيان في مكة، لكن لما كان في اليمن سمعه جيدا، وكان عنده، وأنا قريب منه يجلس عنده معمر، وأراد ملك اليمن في تلك الفترة أن يجلسه عنده في القصر لكن رفض، فجلس عنده معمر، وكان يحدث، يحدث، فقال لهم: أعطوني بكاتب، أعطوني كاتب يكتب الحديث، قال: فكتبوا فأعطوه، قالوا: رضينا بالقاضي، قاضي من؟ شامل بن يوسف الصنعاني، شامل بن يوسف الصنعاني، فكان يكتب كتب حديث سفيان، فكان قال عبد الرزاق: فكنا ننقل من كتاب القاضي على ما فاتهم، ما لم يكتبوه نقلوه من كتاب القاضي. طيب، قال: توثيق الراوي فيما حدث به عن أهل إقليم دون آخر، وذلك لكون الراوي سمع من أهل مصر أو أهل إقليم فحفظ حديثه، وسمع من أهل مصر آخر أو إقليم آخر فلم يحفظ حديثهم. ومن أمثلته: إسماعيل بن عياش الحمصي، إذا حدث عن الشامين فحديثه جيد، وإذا حدث عن غيرهم فحديثه مضطرب. فرج بن فضالة الحمصي ضعيف، قال الإمام أحمد: ما روى عن الشامين فصالح، وأما ما روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري فمضطرب. بل يقول الحاكم: أن أهل الشام إذا رووا عن أهل الحجاز زلقوا، إذا روى أهل الشام عن أهل الحجاز زلقوا، أي كأن حديثهم ما يثبت، أي غير ثابت، حديث أهل الشام عن أهل الحجاز، فتجد فيه أشياء، ولهذا كان العلماء يقولون في حديث بقية: ما كان عن أهل الشام، عن بحر بن سعد، وعن ضمرة بن حبيب، وعن كذا، فهؤلاء فهذا حديثه صحيح، وأما ما كان عن أهل الحجاز فينظر في حديثه، عن الذي يرويه عن أهل الحجاز فينظر في حديثه. ولهذا أيضا أحيانا حتى في حديث زهير بن محمد المكي الخراساني، فإن أهل الشام رووا عنه حديث منكرة، إما أنه كما قال لما قال محمد، أنه معنى أن زهير بن محمد الذي روى عنه أهل الشام ليس هو زهير بن محمد هذا المعروف، ووافقه البخاري، وأما بعض العلماء كأبي حاتم فقال حديثه منكرة، لكن الظاهر كلام الإمام أحمد، وكذلك تأييد البخاري هو الذي رجح العلماء، لأن زهير بن محمد ثقة وله أحاديث صحيحة، لكن الظاهر أن أهل الشام غلطوا فيه، مثل ما غلط أهل الكوفة في عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي، فرووا عن رجل يقال له عبد الرحمن بن يزيد، وهو شامي لكنه تميمي، فظنوه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، لأنه قال لهم لما سألوه: من أنت؟ قال: أنا عبد الرحمن بن يزيد الشامي، فظنوه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فروى عنه بعض أهل الكوفة كأبي أسامة، حماد بن أسامة، وحسين، وحسين بن علي الجعفي، وعمر بن سليم، وجماعة، رووا عنه أحاديث منكرة، رووا عنه أحاديث منكرة، فالظاهر أنه آخر، وهكذا زهير بن محمد، فإنه الظاهر شخص آخر غلط فيه أهل الشام. طيب، إن شاء الله نكتبه هذا.