الدرس في التعليق على كشف الشبهات 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد الدرس أن طريق التوحيد يواجه أعداءً من شياطين الإنس والجن يمتلكون علماً وحججاً، فيجب على المسلم تعلم التوحيد وما يضاده لرد شبهاتهم. كما يبين أن الجهل لا يعذر في المسائل الضرورية من الدين إلا لمن انقطعت عنه أسباب العلم، بينما قد يعذر في جزئيات التوحيد.
يبيّن المقطع أن التمسك بالمحكمات من القرآن الكريم يكفي لدفع الشبهات ورد أهل الباطل، حتى من غير المتخصصين، مستشهداً بآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾. ويؤكد أن العامل بالمحكمات من الموحدين يغلب علماء المشركين لأن المحكم حجة قاطعة لا تتغير.
تحذر الآيات من دعاء غير الله وتؤكد أن دعاء الميت أو الغائب فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك، مستعرضاً قصة عجز الإمام الجويني عن الرد على حجة الهمداني الفطرية. ويؤكد النص أن العام الموحد بالحجة يغلب علماء الشرك لأن جند الله هم الغالبون.
يعبر المتحدث عن قلقه على الموحد الذي يسير في الطريق دون سلاح، مشيراً إلى أن الخوف منصب عليه تحديداً. ثم يختم الدرس موضحاً أنه سيكمل في جلسة قادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد، فذكرنا في درس كشف شبهات ما ذكره الشيخ رحمه الله، وهو قوله: «إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من عداء». أي: عرفت أن طريق التوحيد فيه أعداء متربصون، أعداء شياطين الإنس والجن. أن الشياطين هنا بدل من أعداء، كذلك: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: 112]، من العدو؟ العدو هو شياطين الإنس والجن، ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]. فهناك أعداء للأنبياء، ولا بد ما من نبي إلا وجعل الله عز وجل له أعداء، حتى يرفع دين الله جل وعلا، وحتى أيضًا يسمع دين الله. قالوا: قد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب، وحجج. فلما جاءت رسلهم بالبينات، فرحوا بما عندهم من العلم. فإذا عرفت ذلك، أن عندهم علومًا، وعندهم حججًا، وعندهم أشياء يأتون بها، ليسوا جهالًا، بل فيهم من هو متعلم، فيحتاج لك السلاح. قال: «إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليك، أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير صلاحًا لك، تقاتل بهؤلاء الشياطين». لا بد أن تتعلم التوحيد، تتعلم ما يضاد التوحيد. وذكر هنا العلماء مسألة العذر بالجهل: بماذا؟ ما الذي يعذر به الشخص؟ فذكروا أن المسائل الضرورية التي تعرف من دين الله عز وجل بالضرورة، هذه لا يعذر فيها الجاهل، إلا إن كان بعيدًا من الناس، بعيدًا من التعليم. فهنا ممكن أن يعذر، وبعده هذا ليس هو الذي تسبب به. مثلا: بعض الناس يذهب ويسكن عند الكفار، يذهب مثلا أمريكا، يذهب كذا، تذهب هذه دول الكفر، ما عنده أحد من المسلمين، أو أهل الإسلام قليل عنده، وليس هناك من يعلمه العلم. فهذا لا حجة له في ذلك المكان، مثلا أو خروجه إلى ذلك المكان. فإن وقع فيما يكون فيه شرك بالله، أو وقع في الأمور الضرورية، فهو لا يُعذر، وإنما يُعذر من امتنعت عنه الأسباب. فهذا الذي يُعذر، يُعذر. وأما من توفرت فيه الأسباب، وانتفت الموانع، فهذا لا عُذر له، خاصة في الأشياء الضرورية. أما أفراد التوحيد، فقد يُعذر الإنسان بها. هناك ما عذر الله عز وجل قوم موسى بالجهل: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138]. وعذر النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا الذين قالوا: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط». قال: «إنها السنن». فلهذا، فإن أهل التوحيد لا بد أن يكون معهم علم، بهذا يكون عندهم علم بما يصد، وبما يرد، ما يأتي به أولئك الشياطين، أولئك دعاة الشرك، دعاة الباطل، يرده بحججه التي علمها. قال الذين قال إمامهم، مقدمه لربك عز وجل: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16-17]. ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حججه وبيناته، فلا تخف ولا تحزن. فلا تخف في الدنيا، ولا تحزن على... لا تخاف في الآخرة، ولا تحزن على ما فاتك، أو لا تحزن على ما يرده أولا، ولا تخف أيضًا كذلك. فعندك ما يقاوم أعداء الله، عندك الحجج، عندك البينات، عندك العلم الذي ترد به شبهات هؤلاء. أعظم هذا العلم: المحكم الذي عندك. عندك المحكمات. ولو كان الشخص مثلا لا يعرف إلا هذه المحكمات التي في القرآن، يستطيع أن يرد على هؤلاء، الذين أو أهل الباطل. مثلا من المحكمات: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. هذا محكم، ففيه رد على كل... مثلا من قال: إن هناك غير الشرك يكفر به، يكفر به الإنسان. أنا إذا كان مثلا هناك مثلا معاصي، الكبائر، هناك الخوارج يقولون: يكفر به. هذا المحكم، هذا المحكم الذي حتى لو كان عاميا، يستطيع أن يرد عليه بهذا المحكم، لأنه ليس هناك ما ينقض هذا المحكم. وكذلك أيضًا الذي يقول مثلا: إن الشرك لا يؤثر، وأن دعاء غير الله لا يؤثر، يقال له: لا، الله عز وجل لا يغفر الشرك. لو قال مثلا: هؤلاء عامة، هؤلاء مثلا كذا وكذا، فيقول: إن الله عز وجل لا يغفر أن يُشرك به، لكن دون الشرك قد يغفره الله. كذلك: إذا أصغيت إلى حجج الله، لا تخف ولا تحزن، لا يصيبك الخوف، لأن معك ما تعرفه من توحيد الله جل وعلا. قال: «والعامل من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين»، كما قال عز وجل: ﴿فَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 173]. العامل من الموحدين، ليس الذي لم يتعلم شيئا أبدا، لا. المراد بالعامل: الذي عنده علم، تعلم بعضه. معناه: عنده العلم الواجب، عنده العلم الواجب. هذا ما يسمى جاهلا، بل هو عنده العلم الواجب. ممكن لو سُمّي عاميا، لأنه ليس طالب علم، ما نعتبر من عوامل ناس، ليس هو عالما ولا طالب علم، لكن عنده علم، كما ذكر الشيخ رحمه الله في بداية كلامه: عنده علم، ولو كان هذا العلم إجماليًا. لو كان هذا علم إجماليًا، عنده المحكمات، فيرد على شبه هؤلاء بما وقع، أو بما عنده من علم المحكمات. ولهذا سيأتي إن شاء الله، سيقول الشيخ في جوابه: «أنا لا أعرف هذا الذي تذكره، لكن أعرف كذا وكذا». معناه: أن هذه الشبهات التي تذكرها ما أعرفها، لكن عندي أصل أصيل في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذا وكذا من المحكم. وهذه الطريقة يستطيع العام أن يرد على العالم، من أهل الشرك، ومن أهل البدع، ومن غيرهم. فلا يزعزع نفسه عن المحكم، لأن المحكم لا يتغير، لأن المحكم لا يتغير. مثلا عندنا من المحكم: أن من دعا غير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو مشرك. هذا محكم في الآيات، وآيات كثيرة. ربنا جل وعلا يحذر من الدعوة لغير الله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: 56]، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: 22]. فآيات كثيرة تدل على أن دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو من الشرك. معنى دعاء الميت، دعاء الغائب، وغيرها من هذه الأمور. فهذه محكمات، إذا عرفها العام، فإنه لا يستطيع... ولو رجل من علماء هؤلاء أهل الشرك، وأهل البدع، لا يستطيع أن يقاومه، لأنه... لأن المحكم لا يستطيع أحد أن يقاومه. فهذا الجويني، عالم كبير من علماء الشافعية، لكنه كان عنده الزيغ في الأسماء والصفات، وعنده الفلسفة مقدمة على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء يتكلم في النقليات والعقليات، وأن العقل يرفض أن الله عز وجل بصفاته، وأنه كذلك فوق سماواته. فقال له رجل من علماء التوحيد، من علماء السنة، وإن كان دونه في العلم، لكنه عنده الحجة: قال له: «يا أبا المعالي، اتركنا من هذا النظر، وهذا الفلسفة، وهذا الذي تقوله، وانظر إلى ما من داع يدعو الله عز وجل، إلا وهو قلبه متعلق إلى السماء. ما من داع إلا وإذا دعا، وجد فطرة خلق الله عز وجل فيه، أن قلبه يلتفت إلى السماء». فما استطاع أن يرد عليه الجويني، وهو يسمى إمام الأئمة، أو يسمى إمام. إذا رأيت في كتب الشافعية: «الإمام»، ما يقصدون به الإمام الشافعي، لا. إذا قالوا: «الإمام»، فالمراد به إمام الحرمين الجويني. فهذا إمام إمامهم، لم يستطع أن يرد هذه الشبهة، فخرج من مجلسه الذي كان يتكلم فيه، وقال: «حيرني الهمداني، حيرني الهمداني، أنا ما استطعت أن أرد عليه». فهذه كلمة يعرفها العام: أنه متى ما دعا، توجه إلى السماء، توجه قلبه إلى السماء. بعض الأشاعرة مثلا أراد أن يرد هذه الشبهة، قالوا: لأن قبلة الدعاء السماء، قبلة الدعاء السماء. فلهذا الإنسان يتوجه إلى السماء. من الذي قال لكم: إن قبلة الدعاء السماء؟ فهذا كلام لم يأت في الكتاب والسنة. لهذا قال ابن أبي العز رحمه الله، شارح الطحاوية: «الشيطان أوحى إليكم أن السماء قبلة الدعاء». ما عندنا في الوحي... عندنا قبلة الصلاة هي قبلة الدعاء. ما عندنا في الوحي أن الإنسان إذا أراد يدعو، يتوجه إلى السماء، ومثلا يديه، وبقلبه، وكذا. ما عندنا هذا في شرع الله. لكن هذه فطرة جعلها الله عز وجل في قلوب عباده. لهذا قد يكون حتى العام يغلب... من العام، كما قلنا، الذي عنده الأدلة. قال: «ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حججه وأبيناته، فلا تخف». والعام من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين، كما قال جل وعلا: ﴿فَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان، في الجهاد. وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق، وليس معه سلاح. هذا الخوف عليه، يسلك الطريق ويدخل، وليس عنده سلاح. طيب، إن شاء الله نكمل في درس قادم، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرا.