شرح رسالة فضل الإسلام 78

شرح رسالة فضل الإسلام 78

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 78، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية التمسك بالدين في آخر الزمان

يشرح أهمية التمسك بالدين في آخر الزمان حيث يصبح الأمر صعبًا ويحتاج إلى صبر وجهاد. التمسك يحتاج إلى رجال صادقين يقومون بدين الله ويتحملون المكاره.

مضاعفة الأجور والصبر في آخر الزمان

يجب التسلح بالصبر والتمسك بدين الله في آخر الزمان رغم الشبهات والشهوات. الأجر على الأعمال الصالحة يضاعف بسبب غفلة الناس وانشغالهم بالفتن.

فضل العمل الصالح في زمن الغفلة

في آخر الزمان، يعظم الأجر على العبادة بسبب قلة المعين وغفلة الناس. المسلم يجد نفسه وحيدًا في عبادته، مما يزيد من فضل وثواب عمله الصالح.

الحث على الاستمرار في العمل الصالح وخاتمة

يشجع على الاستمرار في العمل الصالح مهما شعر المرء بالوحدة أو صعوبة الطريق. يُؤكد على أهمية لزوم العمل الصالح في كل زمان ومكان ويتضرع إلى الله أن ينفع بما قيل.

  • 20 جمادى الآخرة 1442هـ - 02/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى-: وروى ابن وضاح معناه من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-: «يأتي على الناس زمان أصبر فيه على دينه كالقابض على الجمر». قيل: يا رسول الله، منهم؟ قال: «بل منكم». ثم قال: أنبأنا محمد بن سعيد قال: أنبأنا أسد قال: سفيان بن عيينة، عن أسلم البصري، عن سعيد أخي الحسن، يرفعه. قلت لسفيان: عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم، «إنكم اليوم على بينة من ربكم، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله، سكرة الجهل وسكرة حب العيش، وستحولون عن ذلك، فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون في الله، وتظهر فيكم السكرتان، فالمتمسك يومئذ بالكتاب والسنة له أجر خمسين». قيل: منهم؟ قال: «لا، بل منكم». هذه الأحاديث التي أوردها المؤلف -رحمه الله تعالى- فيها من الضعف وفيها من العلل ما لا ينتهض للحجية، ولهذا أوردها الألباني -رحمه الله تعالى- كما في السلسلة الضعيفة. إلى أن أصل الحديث كما مر معنا من حديث أبي ثعلبة الخشني قد صح عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: «يأتي على الناس زمان أصبر فيه على دينه كالقابض على الجمر». وهذا رواه أبو داود والترمذي، وهو صحيح، صححه الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى-. كذلك رواية أخرى في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون بمثل عمله». وهذه اللفظة كذلك صحيحة، فلها شواهد كثيرة تؤيد صحة هذا المعنى. فمن خلال هذه الألفاظ التي صحت في السنة في بيان حال القابض على الدين كالقابض على الجمر، واللفظة الثانية والتي فيها أن أجر العامل فيه كأجر خمسين عامل، تأتي لنا عدة فوائد من هذه الألفاظ. أولى هذه الفوائد: فوائد -إخواني في الله- في بيان حال المستمسك بدينه. علينا أن نعلم -إخواني في الله- أن هذا الدين الذي حبانا الله جل وعلا به، وما اجتمع من شرائع وأحكام وطاعات وعبادات وواجبات وقربات ومعاملات، هذا الدين -إخواني في الله- يحتاج إلى تمسك، وهذا التمسك يُعتبر نوعًا من أنواع الجهاد. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، فسمى ربنا جل وعلا التمسك بدينه جهادًا؛ لأن هذا التمسك -إخواني في الله- يحتاج إلى متابعة، يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى أن تضيع ملذات الدنيا. ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: «حفت الجنة بالمكاره»، الطريق إلى الجنة ليس بالطريق السهل، ليس بالطريق الميسور، بل هو طريق قد حف بالمكاره، النفس تتأذى من هذا الطريق لما ترى من صعوبته. ولهذا الإنسان يُرغم هذه النفس إرغامًا على أن تقوم بدين الله وتقوم على طاعته، ولا يقوم بهذا الدين إلا الرجال. كما وصف ربنا جل وعلا حال عباده حيث قال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، فالله وصفهم ماذا؟ بالرجال، وتأمل ليس بالذكور، فرق بين أن تقول: فلان ذكر، وفلان أنثى، هذا ليس مقام لبيان الجنس، وإنما هذا المقام في مقام الجد، فليس كل ذكر رجل، ليس كل ذكر رجل، وهذا واضح في دين الله. كم نرى من الذكور وهم كثر، لكنهم في دين الله ليسوا بذلك، ليسوا برجال، فهم يتركون الصلوات، منهم من يضيع الواجبات، ومنهم من أدبر عن طاعة ربه ودينه وشريعته، هؤلاء ليسوا برجال. ولهذا وصف ربنا الرجال بقوله: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، فهذا الدين -إخواني في الله- لا يحتاج إلى شدة وإلى قوة. ولهذا قال ربنا: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، قالوا: المفسرون أي بجد واجتهاد. إذا كان هذا في حال متمسك بدين الله بشكل عام، فما ظنك بالمتمسك في آخر الزمان؟ فالأمر يعظم؛ لأن آخر الزمان -يا عبد الله- تتكالب الفتن على عباد الله، تزداد أمواج الفتن من الشبهات والشهوات، ولهذا يكثر الانحراف في دين الله جل وعلا. فالمسلم الصادق في إيمانه يستمسك دائمًا وأبدًا بدين الله، سواء كان بالأمس أو ما يكون في المستقبل، ولا يزال متمسكًا، ويعلم أن الأمور وأن الأيام كلما تقادم بها العهد فإن الأمر يحتاج إلى قوة وإلى جلد في شدة التمسك بدين الله جل وعلا. في آخر الزمان -إخواني في الله- يصل الحال بعباد الله أن الواحد لربما بعدما يقرب ويدنو إلى قبر من القبور يتمنى أن يكون في بطن الأرض، يتمنى أن يكون ميتًا، يكون جثة هامدة؛ لما يرى من عظم الفتن، إذ ربما ستؤثر على دينه، يتمنى أنه لو مات وما رأى هذه الفتن العظام. ومن الناس من لربما -كما قال -عليه الصلاة والسلام-: يفر ويذهب إلى سفوح الجبال وإلى الهضاب وإلى الأعالي؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- «يفر بدينه من الفتن»، هذا كله إشارة وأمارة إلى ما سيقع في آخر الزمان. وهذا كله -إخواني في الله- يجرك إلى أن المسلم في آخر الزمان عليه أن يتسلح بالصبر، يصبر على دين الله، يصبر على الطاعات، يستمسك بهذا الدين، لا يفرط فيه مهما تكالبت عليه الشبهات أو الشهوات أو المغريات، لا يغير ولا يبدل، وإنما يمسك. وتأمل لحال قول نبينا «القابض على الجمر»، الجمر معروف، وهي هذه الحجرة الملتهبة، تخيل أنك تقبض عليها، من هذا الذي يقدر؟ ما تستطيع، فإنك لو أخذتها بيدك ولو لثانية سترميها، ثم ستمسك، ثم سترمي، وهكذا الحال، ما يمكنك. وهكذا حال متمسك بدين الله من شدة ما يرى من أهوال الفتن يوم القيامة. ولهذا المسلم في تلك الأيام يستعين بالله جل وعلا ويتسلح بالصبر، فهذا من أعظم الطاعات، ومن أعظم الأخلاق التي أمر الله جل وعلا بفعلها للتمسك بدينه: الصبر. يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. ثم في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «للعامل فيهن كأجر خمسين عاملة»، أي أن العامل بالأعمال الصالحة ولم يتمسك بدين الله عند حصول الفتن والطامات والأمواج من البلايا والعظائم، فإن أجر المسلم يضاعف. وهذا -أخواني في الله- فيه بيان أولًا لأن آخر الزمان فيه بصيص أمن، فآخر الزمان صحيح أنه مظلم، بحيث زمن وهي حب زمنية قد كثر فيه الشر وطغى العمل، لكن مع ذلك يجعل فيه ربنا جل وعلا ما يسمى بروح أمن. فأنت -يا عبد الله- مع تراكم هذه الظلمات في آخر الزمان من الفتن، ومع ذلك أوجد ربنا جل وعلا أملًا لعباد الله الصالحين، وهي مضاعفة الأجور، الأجر في ذلكم الزمان يضاعف، حتى أنك إن عملت عملًا صالحًا أجرك كأجر خمسين عاملة، كأجر خمسين عامل يعمل في طاعة الله جل وعلا وفي دينه. وهذا -أخواني في الله- على القاعدة المعروفة كما قال نبينا: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء»، فكلما عظم البلاء فإن الأجر يُعظم لصاحبه. ولماذا الأجر -أخواني في الله- يُعظم في آخر الزمان؟ طبعًا هناك قواعد كثيرة وفوائد استفادها العلماء في أن العمل في آخر الزمان يُضاعف مضاعفة كثيرة؛ ذلك لأمور وأسباب، من أسبابها مسألة وهي أن العمل في وقت غفلة الناس يُضاعف، الوقت إذا كان هذا وقت غفلة، القليل من عباد الله من يتعبد الله في أوقات، فمن تعبد الله في هذه الأوقات وهي ساعات الغفلة فإن أجرها يُعظم لصاحبه. ولهذا مثاله: صلاة الليل، أجرها عظيم جدًا، بين درجتها بعد الصلاة المكتوبة، قيام الليل لماذا؟ قيام الليل أجرها مضاعف عن باقي النوافل؛ لأنها تُفعل في أوقات غفلة الناس، تُفعل في أوقات غفلة الناس. كذلك العبادة في أيام الفتن، كما روى الإمام مسلم في صحيحه، قال -عليه الصلاة والسلام-: «العبادة في الهرج كهجرة إلي»، العبادة تُؤجر عليها، لكن لماذا ضُعف أجرها في هذه الأوقات؟ العبادة في الهرج، والهرج هنا هي أيام الفتن، لماذا يُضاعف؟ لأنها وقت غفلة، الفتن إذا هاجت ترك الناس العبادة والتعبد لله جل وعلا، وانشغلوا بأنفسهم وانشغلوا بالفتن الجارية، بالقيل والقال والاشتراك فيها. فالناس يبتعدون شيئًا فشيئًا، لكن تجد فئة من الناس من جرفوا خلف الفتن، وإنما هم باقون على العبادة، أجرهم مضاعف؛ لأنهم في وقت غفلة، في وقت غفلة عن عبادة، هم عبدوا الله، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «العبادة في الهرج كهجرة إليه». ولما أخر نبينا صلاة العشاء في زمنه، أخرها حتى صلاها في وقت متأخر، فلما انتهى من صلاته بيَّن نبينا من حكمة ذلك، قال: «أنه لا أحد على وجه الأرض في هذه الساعة يصلي لله إلا أنتم»، لا أحد في وقت -عليه الصلاة والسلام- ما أخر صلاة العشاء إلى تلكم الساعة ما هناك أحد في الأرض في ساعته يتعبد الله حينها إلا أنتم في هذه الصلاة، في صلاة العشاء. فأراد نبينا من هذا العمل أن يبين أن الأجر يعظم في وقت غفلة الناس؛ لأن فيها استمرار الحياة بعبادة الله، الحياة تستمر للناس بأوقات النهار يصلون ويصومون، لكن في وقت الغفلة ينام الخلق، فتخف العبادة، تهدأ، تكاد أن تنقطع العبادة، فيقول عباد من عباد الله: ذاك الوتر، ذاك القيام، فيحيي العبادة، تحيي العبادة. وهكذا في زمن الفتن تكاد أن تخلو الأرض من عمارة الأرض بعبادة الله؛ لانشغال الخلق بالفتنة، فلما تكاد تنقطع يظهر في أمن الناس يعبدون الله بالعلم والتحصيل وبالذكر، فيعظم الأجر. ولهذا فهؤلاء في آخر الزمان عندما ينشغل الناس بالدنيا، حتى قل من يعبد الله، يقوم هؤلاء فيعبدون الله، فتحيي الأرض بعمارة ذكر الله جل وعلا، فتعظم له الأجر والمثوبة. فهذا من أسباب مضاعفة الأجور في آخر الزمان؛ لأنها في وقت غفلة الناس. وكذلك من أسباب مضاعفة الأجور في آخر الزمان -قال علماء- لقلة المعين، لقلة المعين، صرح بهذا الإمام الخطابي -رحمه الله تعالى-، وهكذا ابن رجب، بيَّنوا على أن الأحاديث الدالة على أن العامل في العمل الصالح في آخر الزمان أجره يضاعف؛ لقلة من يعين في آخر الزمان. الواحد -إخواني في الله- مثاله: عندما تكون مع مجموعة من الناس العبادة تسهل، مثل رمضان، عندما يأتي رمضان تجد الواحد يصوم -لله الحمد- ما يجد التعب في الصيام؛ رمضان يجد من يعينه، يجد الأم، يجد الأب، يجد الأخت، يجد الأقارب، يجد الأسرة كلها تصوم، فيصوم مع الخلق، فتسهل عليه العبادة. لكن انظر في قضاء رمضان تثقل، في قضاء رمضان تثقل، ما أحد يعينه على الصوم، حتى يضطر أنه ينتظر صومًا جماعيًا، صوم الاثنين أو الخميس، أو الصيام كذا من أيام المواسم، يتشجع مع الجماعة. فالواحد لوحده يضعف عن عبادة، بخلاف إذا وجد أحدًا يعينه فيقوم، فلهذا قال العلماء: في آخر الزمن لقلة من يعين على الخير، يفتر الخلق، لكن لما يقوم واحد من الناس ويصلي لوحده، يتعبد لوحده، فإن أجره يعظم. ولهذا ذكر ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- أن ابن المديني -رحمه الله تعالى- قال ذات يوم: ما قام أحد بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي بحمل الدين، ما قام أحد بعد رسول الله إلا ما قامه أحمد بن حنبل، ما هناك أحد يعني قام بالدين حق القيام بعد رسول الله ما هناك إلا أحمد بن حنبل. فقيل له: والصديق كيف نسيت ما قام به أبو بكر الصديق؟ يعني ترى أن أحمد في قيامه قام أفضل من الصديق؟ قال ابن مديني: ولا الصديق، يعني لا زال مستمسكًا بعبارته، يرى أن الإمام أحمد قام بحمل الدين أعظم من غيره، قال: ولا الصديق؛ إن الصديق كان له أعوان وإخوان، أي هذه العلة، الوكيل الصديق لما قام بحروب الردة كان له وزراء، وكان له أصحاب، وكان له من قام معه. لكن الإمام أحمد ما الذي قام معه؟ لوحده. ولهذا كان مقامه عظيمًا. فشهد -إخواني في الله- أن آخر الزمان الأجر فيه يضاعف؛ لأن المسلم قل من يجد من يعينه على هذا الطريق، ومع ذلك سار لوحده مع أفراد، قلة، فكان له الأجر والمثوبة. وبهذا -إخواني في الله- فيه تسلية، تسلية لكل مسلم إذا وجد نفسه في غربة، وهذا من فضائل الغرباء، أنك غريب -يا عبد الله- غريب عن أهلك وعن جماعتك وعن مجتمعك؛ بأنك تسير لوحدك إلى الله جل وعلا، وتستمسك بالحلال والحرام، معظمًا لجانب الأمر والنهي، متبعًا لهدي نبيك -عليه الصلاة والسلام-، والناس في وادٍ آخر، مع أعرافهم، مع عاداتهم، مع سوالفهم، مع شبهاتهم، مع شهواتهم، وأنت لوحدك. لربما تستوحش الطريق، لا -يا عبد الله- اعلم، سر على هذا الدرب، فإن أجرك يضاعفه الله -مضاعفة عظيمة-، وهذا فيه التحضير على لزوم العمل الصالح في كل زمان وفي كل مكان. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.