الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 79، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح بتوضيح معنى حديث طوبى للغرباء وغربة الإسلام والسنة، ويبين أن الغربة المقصودة هي غربة الدين وأهل السنة. يُظهر أن التمسك بكتاب الله والسنة يكون صعبًا في زمن غربتهما.
يؤكد على أهمية التمسك بالسنة في الأزمان المتأخرة، ويشير إلى أن ذلك يتطلب الصبر على الأذى والتعب، ويبين أن السلف كانوا يحثون على التمسك بالسنة وملازمة أهلها.
يُناقش ضرورة التواصي بالخير والرفق واللين بين أهل السنة في زمن الغربة، ويشدد على التعامل اللطيف خاصة عند وقوع الأخطاء، مع ضرورة النصيحة والإرشاد بلطف.
ينتهي الشرح بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويتضمن الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وله بإسناده عن المعافري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى للغرباء الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك، ويعملون بالسنة حين تطفأ». هذا الحديث وهو من آخر الأحاديث التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، والذي عنوانه بقوله: باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء. وقد أطال النفس رحمه الله تعالى في تتبع الروايات التي فيها بيان لفضل الغرباء ولصفة أهل الغرباء. وهاهو رحمه الله تعالى ختم هذا الفصل بهذا الحديث أو بهذا الأثر، فقال: وله بإسناده. وقول وله بإسناده، الضمير يعود إلى ابن وضاح رحمه الله تعالى، إذ أنه هو الذي أورد هذا الحديث في كتابه البدع. قال وله بإسناده عن المعافري، والمعافري هنا هو بكر بن عمر المعافري. وهذا الحديث إخواني في الله معلم لم يثبت، إذ أنه انتقد عليه من باب الإعضال. فهو لم يثبت، لكن المعنى صحيح. فقوله عليه الصلاة والسلام: «طوبى للغرباء الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك، ويعملون بالسنة حين تطفأ»، معناها: أن الأدلة قد دلت عليها أدلة الشريعة، وعلى أن الغربة المقصود بها هي غربة الدين. غربة الدين، فيكون العامل بكتاب الله والعامل بشرع الله جل وعلا هم من أقل خلق الله، فهذا هو معنى الحديث بمعناه العام. أما من حيث الإسناد فلم يصح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وفي قولي هنا في هذا الأثر: «ويعملون بالسنة حين تطفأ»، نعم إخواني في الله، وهذه مسألة مهمة وهي المتعلقة بمعاني الغربة. إذ أن من أعظم ما تقع به الغربة ستقع الغربة في باب السنة، في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. إذ أنك ستجد أنها من أضعف التدين عند الناس وهو الاعتصام بالسنة. ولهذا يقول إمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: «أما أنه ما يذهب الإسلام، أما أنه ما يذهب الإسلام، ولكن يذهب أهل السنة، حتى ما يبقى في البلد إلا رجل واحد أو رجلان»، أي: يعدم. فتجد بلدًا كبيرة فيها من الكثافة السكانية البشرية، لكن إذا أردت أن تعد أهل السنة فإنك لن تجد إلا الواحد أو الاثنين. بل ربما تجد بعض القرى ما يوجد فيها أحد يرفع راية السنة، تجد فيها الشركيات والكفريات والبدع والمحدثات، ولا تجد لأثر السنة هناك. فهذه الغربة، هذه الغربة بذهاب أهل السنة، ولا شك ولا ريب أن بذهاب أهل السنة ما الذي سيكون؟ هذا متضمن سيكون هذا بأصالة ذهاب السنة. ولهذا يقول عبد الله الديلمي رحمه الله تعالى: «إن أول ذهاب الدين ترك السنة، يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة»، رواه الترمذي. فهذا ابن الديلمي رحمه الله تعالى يوضّح أن ذهاب الدين إنما بذهاب السنة، فهنا تلازم أصلًا. فبذهاب أهل السنة هذا يتضمن ذهاب السنة، وبذهاب السنة هذا يستلزم ذهاب أهل السنة، فهما يتلازمان بعضهما مع بعض. وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى، وهو أن من أول ما سيكون فيه التغير في دين الله جل وعلا بترك السنة. وقد مر معنا لو تذكرون في حديث حذيفة الطويل، والذي كان فيه حذيفة يسأل عن الخير ويسأل عن الشر، وأخبره نبينا صلى الله عليه وسلم عن الخير، والذي فيه دخل أخبر عن قوم يهدون بغير هدي ويستنون بغير سنته. الضحية تكون السنة أول ما يقع فيها التفريق والتفريط بسنة النبي عليه الصلاة والسلام. يهدون بغير هدي ويستنون بغير سنته عليه الصلاة والسلام. ولهذا إخواني في الله فإن السنة هي من أعظم معاني الغربة، أنك تجد اضمحلالًا وضعفًا وانحسارًا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا يقول يونس بن عبيد رحمه الله تعالى: «إن الذي تعرض عليه السنة فيقبلها لغريب، وأغرب منها صاحبها». هذا الذي تعرض عليه السنة، يعرض عليه منهاج النبوة، يعرض عليه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقوم هذا بقبولها، هذا غريب. وأغرب منه صاحب السنة، أين ستجد يا عبد الله صاحب السنة في مثل هذه الأزمان الغابرة والتي طمت وعمت فيها الشبهات والشهوات وقل فيها التدين لله جل وعلا؟ وإننا إخواني في الله إزاء هذه الأحاديث وهذه الآثار التي تدل على غربة السنة، هذه الأمور تستدعي عدة مسائل. أولى هذه المسألة إخواني في الله فيها الحرص على التمسك بالسنة. فإن من أعظم الطاعات ومن أجل القربات والذي نعنيه بالسنة هو التمسك بما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم في كل أموره، في الاعتقاد، في العبادات، في الطاعات، في الأقوال، في الأعمال، في الأحوال. كل ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم هذه السنة اعتصم بها يا عبد الله. ولهذا كان من أعظم نعم الله على خلقه أن يوفق صاحبها إلى السنة. لهذا يقول ابن شوذب رحمه الله تعالى: «إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك -أي: إذا تقرب وتدين- أن يوافي صاحب سنة يحمله عليها». هذه نعمة أنك يا عبد الله إذا جعلك الله من أهل الشباب فأردت التعبد، فكان من توفيق الله أن تعبدت الله مع ملازمة أهل السنة، فتتعبد الله على السنة، هذا من نعيم من عظيم إنعام الله على خلقه. ولهذا يقول أيوب السختياني رحمه الله تعالى: «إن من سعادة الحدث والأعجمي -من عنوان السعادة لهذه الأصناف، حدث لا زال بالأمس صغيرًا ثم كبر وبلغ، أو الأعجمي الذي كان بالأمس كافرًا ثم دخل في الإسلام- أن يوفقهم الله لعالم من أهل السنة». هذا أنعم به، أن يكون تعبده أول ما يتعبد على مضمار السنة، لا يمين ولا إلى بدع ولا إلى محدثات ولا إلى حزبية ولا إلى ضلالات ولا إلى شركيات ولا كفريات. إنما يتعبد الله على خير منهاج وهو منهاج النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه الآثار تدلنا على أن المسلم يحرص على أنه يتمسك بالسنة، وخاصة في أزمان الفتن وأزمان المحن وأزمان الغربة. فهنا ينبغي أن يكون حرصه أقوى بكثير. ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم عندما قال: «إنه من سيعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا»، وهذا الذي نحن في أزماننا، الاختلاف الكثير في جميع مضامير الدنيا والدين، ما الذي علينا فعله؟ قال: «فعليكم بسنتي»، أمر عليه الصلاة والسلام بعدما أوضح الداء وأظهر المرض، ذكر عليه الصلاة والسلام العلاج والدواء، قال: «فعليكم بسنتي»، أي: بالتمسك بها. فهذه الآثار تدلنا أولًا على أن المسلم يحرص على التمسك بالسنة في كل أوقاته، وخاصة في أوقات الغربة والشدة والفتنة. ثانيًا مما يستفاد من هذه الآثار والأحاديث إخواني في الله: فيه أن المسلم عليه أن يعلم ولابد أن يجعل هذا في ذهنه، على أن التمسك بالسنة ليس بالأمر السهل وليس بالأمر الهين. وأن هؤلاء الذين هم حملة السنة ما ساروا على هذا المنوال وهم على أحسن حال، بل لاقوا العنت ولا زالوا يلاقون التعب والضنك، هذا لابد منه. فإن هذا المضمار إخواني في الله، وهذا المسلك ليس كما يظن البعض مفروشًا بالورود والرياحين، لا، بل فيه من الشوق والأذى والتعب والضيق الكثير. ولهذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام كما جاء من حديث عبد الله بن مسعود قال: «يأتي على الناس زمان المتمسك فيه بسنة عند اختلاف أمة كالقابض على الجمر». وهذا الحديث يحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى كما في الصحيحة. قال عليه الصلاة والسلام: «يأتي على الناس زمان المتمسك فيه بسنة عند اختلاف أمة كالقابض على الجمر». وتخيل يا عبد الله الذي يقبض على الجمر كيف يكون حاله؟ تخيل جمرة ملتهبة مشتعلة تتوهج احمرارًا، فإذا بك تأخذها، كم عسى أن تبقى هذه في قبضة يدك؟ جزء من الثانية ثم ترمي بها. فإن مسكتها ترمي بها ما تستطيع لشدتها. وهكذا الذي سيعتصم بالسنة وتمثل بالسنة وعاش في رحابها وطبقها على نفسه، فإنه سيجد من هذا التعب الشيء الكثير، إما في نفسه في شدة التطبيق على نفسه، لأن النفس لربما ترفض ذلك، إن النفس لأمارة بالسوء، لكن يلزمها ويخضع هذه النفس الأمارة على أن تكون منقادة لسنة الرسول، فهذا تعب. زد على ذلك ما يكون من قبول الناس لهذه السنة التي أنت أتيت بها، فضلًا إذا قمت بالدعوة إليها، فمن عسى أن يجيب لهذه الدعوة؟ فهي شدائد. ولهذا المسلم إذا أراد أن يعتصم ولابد أن يعتصم بالسنة، عليه أن يعرف أن هذا المضمار فيه من الشدة، فيحتاج من الصبر ومن الجلد ومن الاصطيبار. ثالثًا، وبه أختم هذا المقام: نحن أمام هذه الآثار والأحاديث التي تدل على غربة السنة، وأنها مما سيقع فيها الغربة العظيمة، تأتي المسألة الثالثة. وهذا يستوجب على أهل السنة، على أهل الغربة، أن يتواصوا فيما بينهم بالخير والرفق واللين والعطف. وعلى هذا جرى كلام العلماء من أئمة السلف، كما قال سفيان رحمه الله تعالى: «استوصوا بأهل السنة خيرًا، فإنهم غرباء». فإذا كانوا هم غرباء، ما الذي يحتاج الغريب؟ لا تنهرن غريبًا حال غربته، الغريب ما ينهر، وإنما يؤخذ بيده ويعان ويساعد، ليس فقط من قبل الناس الآخرين، بل من قبل إخوانه، من قبل أهله، من قبل أصحابه ممن هم في سلك الغربة، يكون فيما بينهم التواصي. «استوصوا بأهل السنة خيرًا، فإنهم غرباء». وأثر كذلك عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال: «ترفقوا رحمكم الله، فإنكم من أقل الناس». ترفقوا رحمكم الله، فإنكم من أقل الناس. إذا علمت أنك من أقل خلق الله، وأن من سار على هذا المضمار هم الأفراد من المجتمع، ما الذي يستدعي هذا؟ هذا يستدعي الترفق، تترفق به، تتلطف به. الترفق الشرعي ليس فيه مجاملة أو فيه محاباة أو أنك تتركه على إثم ومعصية، لا، إنما أنصح يا عبد الله، لكن مع النصح والإرشاد، خذ بيده، خذ بيده، لا أنك تدفعه دفًا كما يفعل بعض الناس مع بعض إخوانه، لربما إذا وجد منه هفة أو زلة، لربما من ثاني يوم، لربما رمى به وأخرجه خارج الحلبة، هذا ليس من الرفق يا عبد الله. وإنما انظر ما هذا المجتمع الذي يعيش به الخلق وقد ملئ بالشهوات والمظلات، فإنه من الصعوبة بمكان أن يثبت الرجل في هذه الزلة، فإن وقعت منه زلة، اعلم أن هذه الزلة وقعت لغالبة الشهوة أو لضعف الإيمان أو لقوة الشيطان، فحينئذ خذ بيده، خذ بيده، هذا من الرفق بإخوانك يا عبد الله. ولا أن تتركوا لقمة سائغة لشياطين الإنس والجن. ويقول يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى: قال سفيان الثوري: «إذا بلغك عن رجل من أهل السنة في المشرق وآخر من أهل السنة في المغرب، فابعث إليهما بالسلام». ما أقل أهل السنة؟ هذه المعاني العظيمة الذي ينبغي يا عبد الله أن تحملها لإخوانك، ليس فقط الذي تعرفهم بأعيانهم، بل حتى الذي تعرفهم بعمومهم أنه من أهل السنة. حاول أنه ما يأتيك من يأتيهم منك إلا كل جميل. إذا بلغك عن رجل من أهل السنة في المشرق وآخر في المغرب، ابعث إليهما بالسلام. إذا كان هذا حال من هو في مشارق الدنيا ومغاربها، فما ظنك بما هو لمن هو أقرب بالناس إليك، ألصق الناس بك؟ ما الذي سيصله منك؟ إذن الترحاب والجميل والطيبة واللين والرفق للغرباء، والشدة والحدة، هذا ما يتأتي إخواني في الله وأنت في زمن الغربة. فهذا إخواني في الله مما يستفاد من هذا المبحث ومن هذه الآثار الذي أوردها العلماء في أحاديث الغربة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.