شرح كتاب القواعد الأربع 10

شرح كتاب القواعد الأربع 10

الدرس في شرح كتاب القواعد الأربع 10، الدرس العاشر:من(وحديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه ... تمت ؛ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحليل حديث أبي واقد الليثي وخطورة الجهل بالتوحيد

يشرح الشيخ ابن بريك رحمه الله حديث أبي واقد الليثي ويبين خطورة الجهل بالتوحيد. كما يتطرق إلى مسألة التبرك وما هو مشروع وما هو ممنوع شرعا.

تفاوت درجات الشرك بين المشركين الأولين والمتأخرين

يشرح المقطع خطورة الشرك وتفاوت درجاته بين المشركين الأولين والمتأخرين. مبينا أن شرك المتأخرين أشد وأغلظ لاستمراره في الرخاء والشدة.

شرك المتأخرين وعباد القبور في الشدة والرخاء

يتناول المقطع شرك المتأخرين وعباد القبور في الشدة والرخاء. ويستشهد بأشعار البوصيري وغيره التي تظهر غلوهم في مدح النبي والآل والصالحين.

تأكيد صحة الحديث وختام البحث

على الرغم من ضعف أحد رواة الحديث، إلا أن الشيخ الألباني صححه في "الصحيحة" لوجود شواهد وعمومات تؤيده. يختتم البحث بالتأكيد على انتهاء البحث في هذا الموضوع.

  • 18 جمادى الأولى 1429هـ - 23/05/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «القواعد الأربعة» أو ما يسمى بـ«أربعة قواعد»: قال: «وحديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» الحديث. ويشير كما مر معنا إلى حديث أبي واقد الليثي في السنن، عند الترمذي وغيره، وفيه قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قالوا ما قالوا: «الله أكبر، إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون». وفي هذا من المؤلف، رحمه الله تعالى، إشارة أولا إلى أن مما يعبده المشركون الأشجار، فإنهم كانوا يعبدون الأشجار، كما أشار رحمه الله تعالى في الآية: ﴿فرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾. وهكذا أشار بإيراد هذا الحديث إلى معنى آخر، وهو أن معنى العبادة أعم كما تقدم في دروس سابقة من معنى السجود، فالعبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فصرف ذلك لغير الله جل وعلا يعد شركا وكفرا. فلا يجوز أن يصرف لغير الله، وكل ما كان من خضوع وذل مع محبة وتعظيم لغير الله عز وجل كان عبادة. وهذا الحديث فيه أن شرك هؤلاء كان بالتبرك بهذه السدرة، فعلم أن الشرك لا ينحصر بالسجود لغير الله، وإنما معانيه كثيرة، حتى التبرك منه ما هو شرك. فإن كان تبركا فيه معنى اعتقاد النفع والضر، كما كان يفعل المشركون يعكفون عند هذه السدرة ويعلقون عليها أسلحتهم يطلبون بها القوة والنصر، فهذا طلب للنفع ودفع الضر من غير الله سبحانه وتعالى، واعتقاد ذلك في غير الله جل وعلا شرك أكبر، ويصير الآن فعلهم من الشرك الأكبر. وبه نعرف كذلك أن العبرة بالحقائق والمعاني لا بالأسماء، وما أكثر ما تسمى الأسماء بغير حقيقتها وبغير معانيها، فالصواب أنه لا يخرجها ذلك عن حقيقتها ومعانيها الصحيحة. فكونهم يسمون ذلك تبركا أو إناطة أو نحوه لم يخرجه عن كونه شركا، بل هو شرك، وهو كفر بالله سبحانه وتعالى. ومثله ما يفعله بعض عباد القبور في هذا الزمان، فإنهم ربما سموا دعاء غير الله جل وعلا من الميتين والغائبين توسلا، وربما كذبوا ودجلوا وقالوا: توسل مشروع، واستدلوا ببعض الشبه. فتسمية الأشياء بغير حقيقتها لا يخرجها عن حكمها، بل العبرة بالحقائق والمعاني الصحيحة للأشياء، وهذا الحديث يدل عليه. ولهذا التبس على هؤلاء المبتدئين وحدثاء العهد بالإسلام، وحدثاء العهد في الخروج من الكفر، فهم الذين طلبوا هذا من النبي عليه الصلاة والسلام، التبست عليهم الأسماء، وظنوا أن تسمية الشيء بغير اسمه يجيزه، والأمر ليس كذلك، فالعبرة بالحقائق والمعاني. فهؤلاء اتخذوا ندا لله سبحانه وتعالى، فصار شركا، ولو كانت شجرة يعلق عليها، فما بالكم بقبور تعبد من دون الله عز وجل، ويطلب منها ما يطلب من الله، بل وأعظم، وغير ذلك مما يفعله عباد القبور، فهو أشد. ومسألة التبرك كذلك ينبغي أن نعلم أن حقيقته أن منه ما هو مشروع، ومنه ما هو ممنوع، فأما المشروع فهو ما دل الدليل الشرعي على جواز التبرك به، كالتبرك بذات النبي صلى الله عليه وسلم وشخصه، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك التبرك ببعض ما دل الشرع عليه، كماء زمزم، وهكذا كذلك ما دل الشرع على أن فيه البركة، فإنه يكون كذلك. وما لم يدل دليل على ذلك، فالأصل فيه التوقف، لأنه أمر غيبي، ولأنه كذلك أمر تعبدي، فيجب أن يتوقف فيه. وبه نعرف الكثير من التبرك الممنوع الذي توسع فيه بعض المتأخرين، خصوصا من المتصوفة وعباد القبور، حتى وصلوا بذلك إلى الشرك، فجعلوه فيه معنى النفع والضر، الذي هو من جنس ما في هذا الحديث، حديث أبي واقد الليثي. ومنها ما هو دون ذلك، لكنه من التبرك الممنوع الذي هو ذريعة للشرك. وبه تعرف خطأ بعض الفضلاء الذين توسعوا في هذا الباب، كأمثال النووي، رحمه الله تعالى، فكثيرا ما يذكر في شرح مسلم أن هذا فيه جواز التبرك بالصالحين، وليس الأمر كذلك. فما ثبت في حق النبي عليه الصلاة والسلام لا يتوسع فيه في حق غيره، وذلك لأمور، أولها: أن هذا الباب تعبدي، لا يجوز أن يتعدى فيه إلا بنص ودليل، ولا دليل على ذلك، وأنه من الأمور الغيبية، إذن لابد كذلك من التوقف فيه. والأمر الثاني: أنه ذريعة للشرك، أي التوسع فيه في حق غير النبي عليه الصلاة والسلام، ذريعة للشرك، فيجب سده. ولهذا سده الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم، كما رويت في ذلك الآثار الكثيرة، فلم يثبت عن أحد من الصحابة أنهم أجازوا التبرك بأحد من الصالحين، لا منهم، فضلا عن غيرهم ممن هو دونهم. والأمر الثالث: أن أمر الصلاح لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، فليس فعل الأعمال الصالحة دليل للصلاح، فإن المنافقين يعملون الأعمال الصالحة، المنافقون لهم أعمال صالحة، منهم من جاهد مع النبي عليه الصلاة والسلام، ومنهم من أقام الصلوات، ومنهم من خرج إلى حج بيت الله الحرام، ومنهم من صام رمضان، ومع ذلك هم من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار. فعلم بهذا أن الصلاح حقيقته لا يعلمه إلا الله، لكننا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء. فإذا كان كذلك، فمن أين لهم أن هذا فلان من الناس من الصالحين الذي يتبرك به؟ فالتبرك به جزم بصلاحه وتحقيق لنجاته وسلامته، وهذا ليس من عقيدة أهل السنة والجماعة، بل أدلة الكتاب والسنة تدل على خلاف ذلك، تدل على أننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. وفي هذا الحديث كذلك مسألة أخرى، فيها خطر الجهل بالتوحيد، فإن الجهل بالتوحيد أمره عظيم، وربما يوقع في الشرك، والإنسان لا يشعر. وكما علمنا أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرادوا أن يفعلوا ذلك، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وعذرهم بجهلهم. ولو خهلوا ففعلوا بعد علمهم بنهيه عليه الصلاة والسلام، لكفروا كما قال أهل العلم، لكنهم استجابوا لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفيه كذلك خطورة التشبه بالمشركين، وبيان أن من أسبابه العظيمة، أي النهي عن التشبه بالمشركين: أنه يوصل إلى الشرك والكفر، ولو كان بعض ذلك التشبه في أوله ليس بشركا، لكنه ذريعة للشرك والكفر، ومنها يكون شركا وكفرا، مثل ما في هذا الحديث. فلذلك ينبغي للمسلم أن يحذر من التشبه بالمشركين. وفيه كذلك من المسائل: ما سبق أن التبرك منه ما هو شرك أكبر، كما في هذا الحديث. وهكذا كما جاء في تفسيري الآية السابقة: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾، قال القرطبي، رحمه الله تعالى: «قال: الآية فيها حذف وتقديره: أفرأيتم هذه الآلهة، هل نفعت أو ضرت حتى تكون شركاء لله؟ ومعنى أنهم كانوا يعتقدون في هذه النفع والضر». فكيف بما يفعله عباد القبور عند تلك القبور، والأوثان والأنصاب التي تعبد من دون الله عز وجل، بأنواع العبادات؟ فهو أعظم وأعظم وأشد. وفيه كذلك من المسائل: ما سبق أن العبرة بالمعاني والحقائق لا بالأسماء، فما سمي من اسم على خلاف حقيقته، لا يغير من أمره شيئا. وفيه من المسائل كذلك: أن الإنسان ينبغي عليه أن يحذر من استحسان شيء بغير دليل الشرع، فليس كل ما يستحسنه الإنسان فهو حسن، فمنه ما هو حسن، ومنه ما هو قبيح. وينبغي عليه أن يحذر من استحسان شيء بخلاف ما دل عليه الشرع، خصوصا إذا كان على جهل، فالجهل أمره خطير عظيم. وهكذا كذلك في قوله، رحمه الله تعالى: «وحديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه» إلى آخره، إشارة منه رحمه الله تعالى إلى أن هذا قليل من كثير، فالمراد التمثيل لا الحصر، فالأمثلة كثيرة، كما سبق من أن المشركين الأولين كان عندهم شيء مما يصنعه هؤلاء المشركون، أي المتأخرون. فلم تنفعهم أعمالهم الصالحة، ولا كذلك ما كان عندهم من بعض إقرار ما داموا قد عبدوا غير الله سبحانه وتعالى. وهكذا ما تقدم من أنه لا فرق بين عبادة شجر أو حجر أو ملك أو نبي أو رجل صالح، وكل ما عبد من دون الله عز وجل، فقد كان شركا، وصاحبه يستحق ما يستحق المشرك. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: «القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظوا شركا من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة، والدليل قوله تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾». قال: «تمت، وصلى الله وسلم على محمد، وآله وصحبه وسلم». قوله: «القاعدة الرابعة»، هذه القاعدة هي كذلك من القواعد المهمة، ولهذا ذكرها رحمه الله تعالى في هذا الكتاب. وكما مر معنا أن القاعدة أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته. والمؤلف رحمه الله لم يرد حصر القواعد بأن القواعد في باب الاعتقاد أو في هذا المبحث أربع فقط، ولكن أراد أن ينبه إلى أعظمها وأهمها. وأراد أن ينبه رحمه الله بهذا الحصر إلى المسائل العظيمة التي وقع فيها المشركون في زمان المؤلف رحمه الله، وأنها شبيهة بمسائل المشركين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي أشد. فإذا علم هذا في هذه القواعد، علم أن غيرها كذلك، وربما كان أشد. وأراد بهذه القاعدة التي ختم بها هذه القواعد، وهذا من حسن تنسيق المؤلف رحمه الله تعالى، وهكذا كذلك حسن ختامه. وكما يقولون: فقه الرجل بحسن ابتدائه وختامه، فإنه لما ذكر ما ذكر، ناسب أن يختم بهذه القاعدة التي فيها بيان أن الشرك، أي المشركين في زمان المؤلف، وهو كذلك إلى زماننا هذا، أغلظ من شرك المشركين الأولين، وبين ذلك بهذا المثال. أما قوله: «أغلظ»، قد يقول قائل: هو شرك وكفر، وهل الشرك والكفر يكون درجات؟ فإنه ليس بعد الشرك والكفر ذنب، كما يقول بعض العلماء. الجواب: نعم، ليس بعد الشرك والكفر ذنب، بمعنى أنه أم القبائح، وهو الموجب للخلود في نار جهنم، لكن مع ذلك أهل الخلود هؤلاء هم درجات، بقدر غلظ ذاك الشرك وعظمه. ويدل عليه أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة. فمن أدلة الكتاب: قول الله جل وعلا: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾، فعلم أن الكفر فيه زيادة ونقصان، فالكافر الذي يفعل كفرا واحدا، يستحق عذابا على قدر ذاك الكفر. والكافر الذي يفعل أنواعا من الكفر، بعضها أشد من بعض، فإنه يستحق أشد من ذلك. وهكذا الكافر الذي يبتدئ الشرك للناس، فإنه يستحق العذاب لأجل ابتدائه أشد من غيره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في عمرو بن لحي. وقد قال عليه الصلاة والسلام معنى ذلك في عمومات كثيرة، كقوله: «ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»، إذن هذا أشد، معناه: يتحمل أوزار ناس آخرين كثر، ويعذب على ذلك بما هو أشد. وهذا هو قوله: «أن مشركي زماننا أغلظوا شركا»، يعني: شركهم أغلظ، أشد. وبيّن هذا المعنى بقوله: «أن الأولين كان شركهم في الرخاء يعني فقط»، كما أخبر الله سبحانه بقوله: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾. وهذا هو الغالب الأعم من حال المشركين الأولين، هذا هو الغالب الأعم، قد يوجد أن بعضهم يشرك في الرخاء والشدة، ولكنه قليل ونادر، ولكن الغالب والأعم أنهم يشركون في الرخاء، ولا يشركون في الشدة. ومن معنى ذلك: هذه الآية. وقد رويت في ذلك أشعار كثيرة، كقول القائل، وهو أوس بن حجر، أحد الجاهليين: «وبالله والعزى ومن دان دينها * وبالله إن الله منهن أكبر». وقال: «وبالله إن الله منهن أكبر»، وهذا يدل أنهم يرجعون عند الله في الأمور الكبيرة. وهكذا كذلك قال قائل آخر، وهو درهم بن زيد الأوسي: «أين ورب العزى السعيدة * أين ورب العزى السعيدة الذي دونه بيت سرف». يعني: يريد أن يقول: أن حقيقة الربوبية وأعظمها هو لله سبحانه وتعالى، مع أنهم كانوا يجعلون بعض معاني الألوهية لغير الله، لكن ما كانوا يساوون تلك المعبودات بالله سبحانه وتعالى. ولذلك في الشدة يلجأون إلى الله، لعلمهم أنه لا ينفع إلا هو سبحانه. وأما حال المشركين المتأخرين في زمن المؤلف، وإلى زماننا هذا، فإنه عندهم من الشرك ما هو أعظم، فيشركون مع الله غيره في الرخاء وفي الشدة. ومن أشعار هؤلاء المشركين، عباد القبور في هذا المعنى: أنهم يشركون في الرخاء والشدة، أشعار كثيرة، منها تلك الأبيات المشهورة للبوصيري في قوله: «يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به * سواك عند الحادث الأعظم». ومعناه: أنه في الشدة ما له إلا النبي عليه الصلاة والسلام، والعياذ بالله. بينما كما سمعنا في الآية، وآيات أخرى كثيرة، نرى أن المشركين الأولين كانوا في الشدة يلجأون إلى الله سبحانه وتعالى. ويقول الآخر: «يا رسول الله ضاق الاضطرار بي * من كروبي وجسيمي وهن». «يا رسول الله عما الخطب من كل وجه * ظاهر وباطن فتداركني». «ونفس كربي وافتقد حالي * افتقادا حسنا». انظر: وهذا شيء آخر من شركهم كذلك في الشدة، وهذا منافي لما كان عليه أهل الشرك الأولين، فشركهم -أي المتأخرون- أشد من شرك المتقدمين. فانظر ماذا قال: «فتداركني -يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام- العياذ بالله، ونفس كربي وافتقد حالي افتقادا حسنا». وهكذا كذلك من أشعارهم: ما جاء عن بعضهم، ويذكر في بعض الموالد المشهورة اليوم، كمولد ابن الديبع، نحوه يقول: «وإذا ذكرت العيد روس كل كربة * تنجلي غار يا عيد روس في عجل لا تمهلي». يعني: في الكرب يلجأ إلى العيد روس، مع أن المشركين في الكرب يلجأون إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما يعبدون ما يعبدون في الرخاء. وفي الشدة يعلمون أنه ما ينفعهم إلا الله، ويقول الآخر: «يا آل باعلوي شفاعة كل كربة * تنجلي، وبكم يا أهل الولاية كل حاجة تنقضي». كذلك يستغيث بغير الله من آل باعلوي، ويطلب منهم الشفاعة، وهو عين الشرك كما تقدم، خصوصا في وقت الكرب، وهذا من معنى ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. وهكذا الأشعار في هذا كثيرة جدا. وهكذا من الأوجه الأخرى التي فيها بيان أن المشركين المتأخرين شركهم أغلظ من شرك المتقدمين: أن المتأخرين شركهم كان في الألوهية والربوبية، كان شركهم في الألوهية والربوبية، بخلاف الأولين كان عندهم شيء من الإقرار في الربوبية، وهذا الغالب الأعم. وكان غالب شركهم في الألوهية، أما هؤلاء فشركهم هو في ماذا؟ شركهم في الربوبية والألوهية، وهذا كثير عندهم. ومن هذا الكثير: أشعار كثيرة يذكرها هؤلاء عباد القبور، والمفتونون بها. ومن ذلك: أشعار البوصيري المشهورة: «إن من جودك الدنيا وضرتها * وإن من علومك علم اللوح والقلم». انظر: ماذا ترك لله سبحانه وتعالى؟ وهذا من معاني الربوبية، جعلها للنبي عليه الصلاة والسلام، والعياذ بالله، يقول: «إن من جودك الدنيا وضرتها»، أي الآخرة، فجعل الدنيا والآخرة من جود النبي عليه الصلاة والسلام. وزد على ذلك قال: «وإن من علومك علم اللوح والقلم»، يعني: كل شيء علمه النبي عليه الصلاة والسلام. والله يقول: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾، فالرسول يعلم بعض الغيب بما أعلمه الله، هذا نص القرآن. والله يقول: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾، وهؤلاء يجعلون الغيب لغير الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك قول هذا البوصيري في بعض أشعاره: «هذه علتي وأنت طبيبي * ليس يخفى عليك في القلب داء». يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام. ومن هذا الذي لا يخفى عليه ما في القلب؟ إنه الله سبحانه وحده، هو المتفرد بهذا، قال سبحانه: ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾. فإن بغينا أن نعلم وننتبه لهذا. وهكذا كذلك من شرك هؤلاء في أشعارهم: ما تذكر من أبيات في بعض تلك الموالد، كقول القائل: «أنا عرشها والكرسي أنا * للسماء بانيها». انظر: إلى هذا العتو الذي ما قاله حتى فرعون، على كفره وزندقته، من هذا الذي يستطيع من المخلوقين أن يقول: «أنا عرشها والكرسي أنا للسماء بانيها»؟ يزعم أنه بنى السماء. فرعون الذي دعا الربوبية والألوهية، ما قال: أنه خلق السماء، ما قال: أنه خلق السماء. وهؤلاء زعموا أنهم هم بنوا السماء، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وهذا شرك في الربوبية. وهكذا قول القائل الآخر: «سائر الدنيا كلها تحت حكمي * وهي في قضتي كفرخ الحمامي». وانظر: إلى هذا العتو والغلو والزندقة والكفر في الربوبية، يقول: «سائر الدنيا كلها تحت حكمي»، هل هذا صحيح؟ أم هذا لله سبحانه؟ الجواب: بلا شك ولا ريب، هذا لله سبحانه. وهذا المخذول يزعم أنها له، يقول: «سائر الدنيا كلها تحت حكمي وهي في قبضتي كفرخ الحمامي»، يجعل قبضته مثل قبضة الله سبحانه وتعالى، والسماوات مطويات بيمينه، وهذا يقول مثل ذلك. وغير ذلك كثير من أشعارهم. وهكذا أمر ثالث، فيه بيان غلظ شرك المشركين المتأخرين: أن شرك المتأخرين كان للصالحين، وهكذا للمشعودين والسحرة والفاسقين والفاجرين والكافرين، بخلاف شرك الأولين كان للصالحين. عبد اليهود عزيرا، وعبد النصارى المسيح، وعبد بعض مشركي العرب بعض الصالحين، كاللات، كما مر معنا في أثر ابن عباس، فيما رواه الفاكهي: «أنه رجل صالح، لما مات، قال لهم عمرو بن لحي: إنه دخل لم يمت، وإنه دخل في هذه الصخرة، فبنوا على الصخرة بيتا، فعبدوه من دون الله سبحانه وتعالى». وأما هؤلاء المتأخرون، فإنهم عبدوا غير الله من الكفرة والفجرة، ومعظم السحرة والمشعودين، وهذا كثير في زمن المؤلف، وفي غيره. وقد أشار إلى هذا المعنى المؤلف في كتابه «كشف الشبهات» رحمه الله تعالى. وهكذا ذكر غيره من العلماء، فتجد الكثير من متأخري المتصوفة وعباد القبور يعبدون هؤلاء الكفرة والفجرة والسحرة والمشعودين، كما ذكر معنى ذلك الشعراني في كتابه «الطبقات»، الذي هو من أفضع كتب المتصوفة في الفجور والكفر والفسوق. ذكر فيه جميع الفواحش من زنا ولواط وغير ذلك، كرامات الأولياء، انظر من الأولياء عندهم؟ عندهم أصحاب الفواحش. وذكر أنواع الكفر من ترك الصلاة، والسجود للكلب والخنزير، وعبادة غير الله، وجعل هذا من الكرامات، وجعل هذا من الكرامات. وهذا حال الكثير ممن يسمى عندهم بالأولياء، كالحلاج، وابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، وهكذا كذلك البدوي والرفاعي، وغيرهم ممن علموا في تاريخهم وسيرتهم بالفجور والفسوق والسحر والشعودة وغير ذلك، فجعلهم أولياء لله سبحانه وتعالى. وبهذا نكون قد انتهينا. وأما قوله: «تمت، وصلى الله وسلم على محمد، وآله وصحبه وسلم»، فهذه طريقة أهل العلم، ختم كتبهم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الله، استئناسا بما ورد من أحاديث في هذا الباب. ومنها ما رواه الحاكم والترمذي من حديث أبي هريرة: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم». والحديث، وإن كان مداره على صالح مولى التوأمة، وهو صدوق يخطئ، لكن الشيخ الألباني، رحمه الله، صححه في «الصحيحة»؛ لأن له مع عمومات تؤيده. وبهذا ننتهي، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.