شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 35

الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقوال أهل السنة في أعمال العباد

يشرح اعتقاد أهل السنة والجماعة أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وأن العباد يكسبون أعمالهم بمشيئتهم التابعة لمشيئة الله. يميز بين مفهوم الكسب عند أهل السنة والأشاعرة.

نقد مفهوم الكسب عند الأشاعرة وتوضيح بطلانه

يناقش مفهوم الكسب عند الأشاعرة ويبين أنه يؤدي إلى الجبر على أفعال الإنسان، ويستدل على بطلانه بأمثلة وآراء العلماء. يبرز الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة في هذا السياق.

مسائل الإرادة والقدر وانتقاد الجبرية

يشرح مسائل الإرادة في القدر، ويميّز بين الإرادة الشرعية والكونية، ويؤكد أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. يُنتقد الجبرية لإنكارهم دور العبد في أفعاله.

  • 22 جمادى الآخرة 1442هـ - 04/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام الصابوني رحمه الله: ومن قول أهل السنة والجماعة في أعمال العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون في ذلك، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه. فهذه المسألة في القدر، ويكسب العباد أعمالهم، فأهل السنة يقولون: إن كسب العباد أو أعمال العباد مخلوقة لله، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾، فالعمل مخلوق، وهو الذي خلق الخير والشر خلقًا لحكمة عظيمة، وأفعال الله عز وجل مبنية على الحكمة. وكسب العباد المراد هنا ليس ككسب الأشاعرة، الأشاعرة عندهم كسب، لكن كما قال المؤلف هنا: أنها مخلوقة، لكن للعبد مشيئة، لكن الله عز وجل أعطاه مشيئة. وأما كسب معنى العبد له مشيئة، لكنها تابعة لمشيئة الله، كما قلنا. ولهذا كسب الأشعري، الأشعر يقولون بالكسب، لكن كسب الأشعري ليس ككسب أهل السنة، الأشعر يقول: إن الأصل في العبد أنه مجبور على الفعل، لكن ظاهره الاختيار. هذا عند الأشعر، فالأشعر جبرية في القدر. معنى ذلك أن السنة وسط بين هؤلاء وهؤلاء. ولهذا قبل يومين كنا في شرح حديث زيد بن ثابت، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم»، وذكرنا أن هذا حق، ثم معناه: ذكرت أن هذا حق لأنه ملكهم. نسيت أن أكمل أو ذهب الكلام إلى شرح شيء آخر. فأهل السنة يقولون: هذا، لكن يقولون: إن هذا يكون بحكمة الله جل وعلا. فالله عز وجل وإن كان كذلك هو ملكه جل وعلا، لكن الله عز وجل عاملهم بعدله، عاملهم سبحانه وتعالى بعدله وحكمته. ليس كما يقول الأشاعرة: إن الله عز وجل قد يدخل أفجر الفجار الجنة، وقد يدخل أدق الأتقياء النار، هذا كلام باطل. لأن الله عز وجل قد وعد من عمل صالحًا واتقى أن يدخله الجنة، وربنا جل وعلا لا يخلف الميعاد. فلهذا فهو عامل العباد بعدله سبحانه وتعالى وحكمته. وهم يريدون أنه ليس هناك في أفعال الله عز وجل حكمة. ولهذا تجد أنهم ينفون كل لام غائية، حتى في قول الله عز وجل: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، اللام هنا لام تعليلية غائية. فقالوا: لا، إنما للصيرورة. فهذا فهم يفسرون في تفاسيرهم قول الله عز وجل: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، يقولون: إلا ليصيروا عبادًا. وهذا كلام باطل. وإنما إلا ليعبدون، كما قال ابن عباس: إلا ليوحدون. الغاية من خلق الجن والإنس هي عبادته سبحانه وتعالى. هناك عند الأشاعرة كسب يسمى كسب الأشعري، وهذا الكسب كما يقولون: أن الأصل في الشخص أنه مجبور، لكن ظاهره الاختيار. وهم لم يستطيعوا أن يمثلوا لهذا، يعني: ليس على الواقع، شيء خيال. كيف يكون إنسان مجبورًا في الأصل، وهو ظاهره الاختيار؟ هذا شيء محال، ولا يوجد في الواقع. ذكر بعض الشعراء أنه مما لا حقيقة له في الوجود كسب الأشعري. حتى أن كبارهم، كبار أئمتهم لم يفهموا هذا. كيف يكون مجبورًا وهو ظاهر الاختيار؟ فالرازي، وهو كبيرهم، صاحب كتاب التفسير الكبير، من كبارهم ومن أئمتهم، ثم بعد ذلك تراجع في آخر عمره، فذكر أنه لم يفهم هذه النظرية التي ذكروها. وذكر عبد القاهر البغدادي في كتاب «الفرق بين الفرق» أنه تذاكر مع صاحب له: ما المقصود بقولهم: إن الكسب أنه مجبور، والظاهر أنه مختار؟ فقال له صاحبه: مثال ذلك أن يكون مثلًا حجرة كبيرة، فالرجل القوي لا يستطيع أن يأخذ هذه الحجرة الكبيرة، والرجل الضعيف إذا جاء وحده لا يستطيع أن يحملها، فإذا حملها اثنان، فالناظر فيهما يقول: من الذي يحمل؟ يقول: إنهما كليهما يحملان هذه الحجرة. لكن قال: الأصل أن الذي يحمل هو الأقوى أو القوي، أما الضعيف فلا يحمل. وهذا كلام متهافت، فالضعيف يساعد القوي، وليس أن الأصل فقط أن القوي هو الذي يفعل. وهذا مثال ضربوه، وهو خطأ أيضًا. المهم أن كسب الأشعري هو المراد به الجبر، وأن الإنسان مجبور على فعله، ليس له مشيئة. وقد ذكرنا قبل أن مسألة القدر فيها أربعة مسائل مهمة، من عرفها عرف باب القدر، وهي مراتب القدر الأربع: العلم، والكتابة، والخلق، والمشيئة، ومسألة فعل العبد، وأنه يفعل الفعل حقيقة، له مشيئة جعلها الله عز وجل له: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾، لكنها تابعة لمشيئة الله جل وعلا. والمسألة الثالثة مسألة الإرادة، مسألة الإرادة الشرعية والقدرية. وإنما هؤلاء المبتدعة، سواء كانوا جبرية أو قدرية نفاة، ضلوا في مسألة الإرادة الإرادة الشرعية والقدرية. أهل السنة يقولون: إن الإرادة إرادتين: إرادة شرعية، وإرادة قدرية. الشرعية هذه بمعنى ما يحبه الله وشرعه، كل ما شرعه الله عز وجل فهو إرادة شرعية، كما قال الله عز وجل: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾، ﴿يريد الله أن يتوب عليكم﴾، ﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا﴾. فهذه الإرادة شرعية، يريد الله عز وجل صلاح الناس، فلهذا أرسل إليهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب، وأراد منهم الإيمان، ولم يرد منهم الكفر، ولا يرضى لعباده الكفر. فالإرادة الشرعية بمعنى ما يحبه الله ويرضاه. والإرادة الثانية إرادة الكونية، وهو ما يكون في هذا الكون، أي بمعنى المشيئة، ما يكون شيء في هذا الكون إلا بمشيئة الله جل وعلا النافذة: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ولهذا كما قلنا: هذه المشيئة أو الإرادتين تفهم بمتعلقاتها. قال هنا: لا يمترون فيه، أي: أنها مخلوقة أفعال العباد. وقد ألف الإمام البخاري كتابًا سماه «خلق أفعال العباد»، وذكر عن السلف وعن غيرهم من يقول بهذا، أي: عن أهل السنة من يقول بخلق أفعال العباد، أي: أن العباد أفعالهم مخلوقة لله، أفعال العباد مخلوقة لله كلها، خيرها وشرها، خلقها الله عز وجل، لأنه ما من شيء إلا وخلقه الله سبحانه وتعالى، والله خالق كل شيء. كل شيء مخلوق خلقه الله. وأما ما كان متعلقًا بالله عز وجل فهو له، كلام الله سبحانه وتعالى. قال: ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه، من يقول: إن أفعال العباد ليست مخلوقة، فهذا من المعتزلة القدرية الذين يقولون: بأن العبد يخلق فعل نفسه، يخلق فعل نفسه. هذا باطل. وكذلك أيضًا يقولون كالجبرية، وإن كانوا يقولون: إن الله خلقها، لكن أيضًا يقولون: إن العبد ليس له مشيئة، فأخطأوا في هذا الباب. فهذا خلاصة ما يذكر.