التعليق على مقدمة المجموع 50

الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 50، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مكانة التلميذ وأهمية إكرامه عند المعلم

يُناقش أهمية محبة الخير للآخرين خاصة التلميذ والمعلم، ويستدل بحديث النبي وأقوال السلف على وجوب إكرام التلميذ. ينبغي للمعلم أن يبذل ما في وسعه لإفادة التلميذ.

سهولة ويسر المعلم في إلقاء العلم

ينبغي للمعلم أن يكون سهلا في إلقاء العلم دون تكلف أو انتظار مقابل، مع الحرص على إفادة الطالب إذا كان أهلا لذلك. يشدد على أهمية التيسير في نقل العلم.

حكمة المعلم في إعطاء العلم لمن يستحقه

يُناقش أهمية أن يُعطي المعلم العلم لمن يستحقه مع مراعاة تأثير ما يُلقى على المتعلم. بعض السلف كانوا يتحفظون في إلقاء بعض الأحاديث لئلا تُفهم خطأ.

  • 22 جمادى الآخرة 1442هـ - 04/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في مقدمة المجموع: قال ينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه من الخير، ويكره له ما يكره لنفسه من الشر. معنى هذا أن المعلم من أفضل الناس عنده تلميذه؛ لأنه مشارك له في الخير، فلهذا فهو أولى الناس بمحبته له الخير. فقال: وينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه من الخير. قال في الصحيحين: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وهذا من باب الواجب؛ أنه يحب للمسلمين ما يحب لنفسه من الخير. كما جاءت في رواية الإمام النسائي: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير». وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس. وجاء أيضا كذلك من حديث أبي هريرة في البخاري. فقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، أي من الخير، وليس المراد من الدنيا. وهذا يدل على أن الإنسان يحرص على تعليم إخوانه وإفادتهم، وكذلك أيضا يحرص على الدلالة على الخير؛ فالدلالة على الخير كفاعله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال: «أكرم الناس علي جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي، لو استطعت أن لا يقع الضباب على وجهي لفعلت». وهذا كلام عظيم من هذا الإمام البحر. وهذا الأثر صح عنه، قد ذكره الفسوي في المعرفة والتاريخ، وذكره كذلك الخطيب الفقيه والمتفقه. وفيه معزة الطالب وإكرامه، وأنه أعز الناس عند معلمه. فقال ابن عباس: «أكرم الناس علي جليسي»، المراد جليسه الذي يستفيد منه، «الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي»، يعني يجلس بقربه حتى يتفهم كلامه. قال: «لو استطعت أن لا يقع الضباب على وجهي لفعلت». وفي رواية: «أن الضباب يقع علي فيؤذيني». وينبغي أن يكون سمحا. وهذا من السخاء الذي يكون عند المعلم، كذلك من حرصه على المتعلمين. قال رحمه الله: «وينبغي أن يكون سمحا يبذل ما حصله من العلم سهلا بإلقائه، لا مبتغيه أن إذا كانوا أهلا لهذه الفائدة فيعطيهم إياها، ولو تعب عليها». أن المعلم يأتي بالفوائد ويعطيها تلاميذه سهلا، ولو كان هذا قد لا يلقاه الإنسان سهلا. كما قال الشعبي لأبي إسحاق الشيباني لما حدثه بحديث النعمان بن بشير: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين». فقال له الشعبي: «خذها»، هو الذي قال: «والله إن الرجل ليلقى مثل هذا الحديث فيرحل عليه شهرا أن أخذها سهلا، وفائدة جاءتك وإلا فهذا الحديث يرحل إليه شهرا أو شهرين لأجل أن يلقى من يحدثه بهذا الحديث، وأنت الآن خذه بلا شيء». وهذا من سهولة العلم أن المعلم يفيد إخوانه ويفيد تلاميذه من الفوائد التي قد يكون حصل عليها بصعوبة أو حصل عليها بعد التفتيش والتنقيب، فيأتي لهم بهذه الفائدة سهلة فيكتبونها. وأيضا هذا من تسهيل العلم. ولهذا قال: «أن يكون سمحا يبذل ما حصله من العلم سهلا بإلقائه، لا مبتغيه»، متلطفا في إفادته طالبيه، مع رفق ونصيحة وإرشاد إلى المهمات، وتحريض على حفظ ما يبذله له من الفوائد النفيسات، ولا يتدخر عنهم من أنواع العلم شيئا يحتاجون إليه إذا كان الطالب أهلا لذلك. وهذا مهم؛ إذا كان الطالب أهلا لذلك فلا يضيع العلم عند من ليس بأهل. لهذا كان السلف يحرصون على هذا الأمر، فلا يعطون الطالب الحديث أو المسألة إلا إذا رأوا أنه استحقها وأهلا لها، وخاصة الفوائد العزيزة التي قد لا يلقاها الإنسان. فلهذا ينبغي ألا تضيع هذه الفائدة عند من ليس بأهل. والأمر الثاني أيضا أن كثيرا من العلماء يجعلون هذه الفوائد لمن يفهمها، أن لا يعطونها لكل أحد، وإنما من يفهم هذه القواعد أو هذه الفوائد يعطونها إياه. ولهذا قال علي رضي الله عنه: «حدث الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله». وقال ابن مسعود كما في البخاري: «لعلك تحدث قوما يكون لهم فتنة أو ما أنت بمحدث قوما حديثا إلا كان لهم فتنة». أنا لا تحدثهم إذا كان سيتفتن بهذا. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تحدثهم إذن يتكلوا». فقد يكون أحيانا بعض العلم يكون فتنة لبعض المتعلمين أو بعض الآخذين. فلهذا المعلم يكون يعطي الفائدة لمن يستحق ومن هو أهلا لها ومن يضعها في مكانها. قال: «ولا يلقي إليه شيئا لم يتأهل له». ولهذا كان بعض السلف بعض الأحاديث ما يحدثون بها، ليس لأنهم يخفون العلم، وإنما لئلا تفهم خطأ. فيحدثون بعض من يعرف هذه الأحاديث. مثلا كان الإمام محمد بن الحسن لا يحدث بحديث ابن مسعود في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من جاهد بيده فهو مؤمن، ومن جاهد بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهد بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان». وإنما لم يحدث به حتى لا يفهم خطأ، حتى لا يقال أنه بهذا استدل به الخوارج والمعتزلة على الخروج على الحكام؛ لأن هؤلاء لا ينظرون إلى نصوص الشريعة كلها، وإنما إذا أخذوا شبهة تؤيد ما هم عليه أخذوها وظنوا أنها تؤيدهم. قال: «لئلا يفسد عليه حاله، فلو سأله المتعلم عن ذلك لم يجبه، ويعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه». وهذا أيضا من حكمة المدرسين والمعلمين أنهم لا يجيبون على كل سؤال، أو أنهم إذا أجابوا على السؤال يعطونه بقدر ما ينتفع به، يعطون الطالب قدر ما ينتفع به من هذا السؤال. قالوا: «أنه لم يمنعه ذلك شحا، بل شفقة ولطفا». فالمعلم والمدرس يحرص على أن يوصل العلم إلى الطالب ما استطاع، لكن الشيء الذي يحتاج إليه الطالب وهو أهل له فيعطيه، وأما إذا كان يضره ولا ينفعه فإنه لا يعطيه. والله تعالى أعلم.