الدرس في كتاب الطهارة 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف الفقهاء في صحة الصلاة بدون استنجاء، ويُشترط لصحة الصلاة طهارة الجسد والثياب والمكان.
اختلف الفقهاء في عدد الأحجار المطلوبة للاستنجاء، حيث رأى البعض وجوب ثلاثة أحجار بينما أجاز البعض الآخر استخدام أقل من ذلك.
استدل المالكية بحديث ابن مسعود على جواز الاستنجاء بحجرين، واتفق الفقهاء على أهمية الإنقاء في الاستنجاء.
يتم الإشارة إلى اكتفاء المؤلف بالمسألة المطروحة، مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال رحمه الله تعالى: وقال مالك، إن صلى ولم يستنجِ، صحة صلاة. قال مالك: إن صلى ولم يستنجِ، صحة صلاة، وهي أيضا الرواية المشهورة عن أحمد. وقال الشافعي: إنها لم تصح. وصحيح أنه لا علاقة، كما قلنا، بالاستنجاء بالصلاة، لا علاقة. أكثر بالوضوء، وكذلك بالصلاة. وكذلك بالصلاة إذا صلى ولم يستنجِ، صحة صلاة. والمراد: انقطع البول، انقطع هذا النجس، وليس لا أثر. وهنا إن صلى، فصلاة صحيحة. وقال الشافعي: إنه يجب أن يستنجي، لكن الأدلة دلت على جواز هذا الأمر؛ لأن الاستنجاء شيء، والصلاة شيء آخر، لا تتعلق بالصلاة، وإنما يتعلق بالمحل نفسه. لكن اشترط كثير من العلماء أن الجسد لابد أن يكون نظيفا من النجاسة، أن الجسد المصلي، وكذلك مكانه، وكذلك ثيابه. وهذا لابد أن ينظف المصلي هذه الثلاثة الأشياء من النجاسة. فالثياب يدل عليها قول الله عز وجل: ﴿وثيابك فطهر﴾. وإن كان حملت أيضا على القلب، فقال كثير من المفسرين، منهم ابن عباس: «وقلبك فطهر». لكن حملها أيضا كثير من المفسرين والفقهاء على أيضا تطهير الثياب، أي من النجاسة. وأما تطهير الجسد، فبحديث النعل: إذا صلى أحدكم، فلينظر في نعليه، فإن رأى فيهما قذرا، فليمسحهما. وكذلك أيضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عائشة: «إذا جاء أحدكم أو إذا أراد إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء، ليستطب بثلاثة أحجار»، إنه يجعل نفسه طاهرا حتى يكون يأتي إلى الصلاة. لكن كما قلنا: في هذا الحديث ليست فيه دلالة صريحة ألا تعلق الاستنجاء بالصلاة. وقد مرت هذه المسألة. ولا يجوز الاستنجاء بالأحجار على أقل من ثلاثة عند الشافعي وأحمد، وإن حصل الإنقاء بأقل منها. والمراد: ثلاث مسحات، ولو بثلاثة أطراف حجر واحد. وقال مالك: الاعتبار بالإنقاء، فإذا حصل بحجر واحد، كفى. وقال أبو حنيفة: السنة إنقاء المحل، والعدد في الأحجار من باب ما لا سنة. وهذه مسألة أخرى، وهي مسألة الثلاثة الأحجار. معنى هل يجوز الاكتفاء على أقل من ثلاثة أحجار؟ فالشافعي يقول: لا يجوز. وأحمد كذلك، لا يقولون: يجوز، وإن حصل الإنقاء، ولو حصل مثلا الإنقاء بحجر واحد، لا يجوز الاكتفاء على أقل من ثلاثة أحجار. ويدل على هذا القول ما ذكرناه قبل حديث سلمان الفارسي في صحيح مسلم، لما قال له رجل يهودي: «إن نبيكم قد علمكم كل شيء حتى الخراءة». قال: «أجل، فقد نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط، ونهانا أن نستنجي باليمين، ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار». وكذلك جاء في حديث أبي هريرة وعائشة، وكلاهما يشهد بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ذهب أحدكم للغائط، فليستطب بثلاثة أحجار». فدل على وجوب الثلاثة أحجار. وجوز أحمد في رواية عنه، وكذلك هو قول الشافعي: يجوز أن يكون حجرا واحدا، لكن له ثلاثة أطراف، حجر واحد له ثلاثة أطراف. ولهذا تجد بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة ما يعبرون بالاستنجاء بثلاثة أحجار، وإنما يقولون بثلاث مسحات، ثلاث مسحات، معنى أن يمسح بهن بحجر، ولو واحد، لكن له ثلاثة أطراف. وهذا الأفضل أن لا يكون كذلك، وإنما تكون ثلاثة أحجار كما جاءت بها الدليل. ولأن العدد ذكر العدد هنا يدل على الاختصاص، يدل على أن الشرع أراد ذلك العدد، وإلا فما فائدة ذكر العدد هنا إلا لأنه أراد أن يكون هذا العدد هو الأصل. وأما قول أبي حنيفة، فاستدل بقول في حديث أبي داود، حديث أبي هريرة: «من استجمر فليوتر، ومن فعل فلا حرج، ومن لم يفعل فلا حرج». قال: «من استجمر فليوتر». لكن هذه الزيادة لا تصح، والحديث أصله في البخاري. وقال بعض العلماء من يقول كمالك، والحنفي يقولون: إنه أجاز الواحد؛ لأن الواحد يعتبر وترا على الحجر الواحد يعتبر وترا. وكذلك في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين، أنه قال: «النبي صلى الله عليه وسلم أتني بثلاثة أحجار». قال له: «أتني بثلاثة أحجار». قال ابن مسعود: «فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورد الروثة، وقال: إنها ركس». فاستدل المالكية بهذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم استنجى بحجرين. لكن هذا الحديث لا يدل على المقصود؛ لأنه لم يكن أو لم يأت فيه هل أنه أخذ حجرا ثالثة أو لم يأخذ، فمحتمل أنه لم يأخذ، ومحتمل أنه أخذ. فلهذا ما دام أن هذا الاحتمال في هذا الحديث، فلا يصرف ما كان صريحا. لا يصرف ما كان صريحا عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث سلمان. وقد جاء عند أحمد في نفس الحديث بإسناد صحيح: «أنه قال: أتني بغيرها». قال: «أتني بغيرها»، معنى لما رماها قال: «هذه ركس وأتني بغيرها». فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم هنا على هذه الرواية لم يعتد بالحجرين. لكن قلنا: ولو لم تصح هذه الزيادة، فإنه لا يستدل بهذا الحديث؛ لأنه محتمل. ولا يكون المحتمل يعارض ما كان صريحا. وهناك قاعدة عند الفقهاء تستعمل في بعض المواضع: «إذا ورد الاحتمال سقط الاستدلال». فاستدلال المعارضة هنا لدليل المعارضة لحديث سلمان ليس لا يقاوم بأن هذا فيه احتمال، وذاك صريح ومنطوق، وهذا مفهوم، والمنطوق مقدم على المفهوم. ولا شك أن كلهم اتفقوا على الإنقاء. كلهم يتفقون على الإنقاء. لكن الشافعي وأحمد يجبون الثلاثة الأحجار، أو عند الشافعي، وكذلك رواية عن أحمد: أنه يكون حجرا كبيرا ذات الثلاثة أطراف، أي يستنجي بهذا الحجر. ولكن إذا لم ينقِ، إذا لم ينقِ هذه الثلاثة الأحجار، إذا لم تنقِ، فإنه يأخذ أكثر من ذلك، يأخذ أكثر من ذلك حتى ينقي. فتنقيته شرط عند جميعهم، شرط عند جميع الفقهاء، كما ذكر ذلك الإمام ابن المنذر. وأيضا قد ذكروا ذلك في كتبهم، أي الفقهاء في جميع المذاهب: أن الإنقاء لابد منه، لابد من الإنقاء. وكذلك لابد أن يكون هذا الذي يستنجى به طاهرا، ليس فيه نجاسة. وسياتي إن شاء الله تعالى معنا أيضا بعض المسائل التي سيذكرها المؤلف. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذه المسألة، والله تعالى أعلم.