الدرس في كتاب الطهارة 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن جمهور العلماء يجيزون التيمم لمن خاف من استعمال الماء تلف عضو أو زيادة مرض أو تأخر برء، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾، بينما ذهب مالك وداود إلى جواز التيمم مطلقاً للمريض، والصحيح ما ورد في حديث ابن عباس وجابر أن الصحابة أنكروا التيمم على مجروح فاغتسل فمات، فقال النبي ﷺ: «قتلوه، قتلهم الله».
يناقش المقطع جواز التيمم لمن يخاف من الماء ضرراً بمرض أو تلف عضو، مستدلاً بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة، ويعرض خلاف العلماء: فمنهم من يشترط التلف فقط (رواية عن أحمد)، ومنهم من يجيزه بمجرد خوف الضرر (الراجح)، كما يبين حكم من به جرح في عضو من أعضاء الوضوء: الجمهور على غسل الصحيح والتيمم للجريح، وقول آخر بالاكتفاء بغسل الصحيح وترك الجريح أو التيمم له.
إذا خاف المكلف من استعمال الماء تلف عضو أو زيادة مرض أو تأخر برء، جاز له التيمم وصلى بلا إعادة، ويغسل الصحيح ويترك الجريح. اختلف العلماء في وقت التيمم للعضو المجروح: فالحنابلة يرون التيمم بعد الفراغ من الغسل، والشافعية يرون التيمم في وقت غسل ذلك العضو.
يتناول المقطع الخلاف في كيفية طهارة من به جرح: هل يتوضأ ويغسل الصحيح ويترك الجريح، أم يتيمم فقط؟ ويرجح أنه إذا لم يضر الماء الجرح فالأفضل غسل الصحيح وترك الجريح، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام عليكم، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «من خاف من استعمال الماء لتلف عضو أو زيادة مرض أو تأخير برء، تيمم وصلى، ولا إعادة عليه». وقال عطاء: «لا يستباح له التيمم بالمرض أصلاً، ولا يجوز التيمم بالمرض إلا عند عدم الماء وتعذر استعماله». طيب، هذه المسألة الآن: مسألة من خاف من استعمال الماء لجرح، أو لتلف عضو، أو زيادة مرض، أو تأخير برء، تأخير الشفاء، تيمم وصلى، ولا إعادة عليه. وهذا عند جمهور أهل العلم: أن من خاف من استعمال الماء لهذه الأشياء فإنه يتيمم، واستدلوا بما جاء في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قال هنا: ﴿أَوْ كُنتُم مَّرْضَى﴾، فعلى المريض إذا لم يستطع استعمال الماء فإنه يتيمم. وبهذا قال جمهور أهل العلم، وقال - ونسب إلى مالك، وهو قول داود -: أنه يتيمم مطلقاً من أي مرض، فيه يتيمم سواء كان هذا الاغتسال يضره أو لا يضره. وهذا صرح به داود، أما مالك فقوله يشبهه، يشبه قول داود، على أنه إذا مرض تيمم. لكن الصحيح كما جاء في حديث ابن عباس وجابر: لما كان بعض الصحابة أجنباً وكان عنده إصابة في الرأس، فأراد أن يتيمم، فقالوا: هل تجد رخصة في التيمم؟ قالوا: لا، فاغتسل فمات. فقال: «قتلوه، قتلهم الله». فهذا الحديث حسن المعنى، جاء في شواهد، جاء بالحديث جابر، وحديث ابن عباس، وفيه أن هؤلاء بعض الصحابة أفتوه بأنه يغتسل، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فدل على أنه يتيمم إذا خاف من مرض، أو ذهاب عضو، أو إتلاف نفسه. وهناك قول عطاء: لا يستباح له التيمم بالمرض أصلاً، وهناك رواية عن أحمد أنه لا يتيمم إلا إذا أتلف، أتلف نفسه أو عضوه. ف عنده ليس هناك له تيمم إلا إذا كان فيه تلف، أما إذا كان زيادة مرض أو تأخير برء فإنه يتيمم، هذه رواية. وأنه لا يتيمم، هذه رواية جاءت عن أحمد. الصحيح أنه جائز لهذه الأدلة العامة، ولقول الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وأيضاً جاء في حديث عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل: أنه صلى وهو جنب، صلى وهو جنب، أي تيمم وصلى، تيمم وصلى. فهذا الحديث أيضاً يدل على أنه من خاف البرد أنه يؤثر عليه ويضره فيتيمم، أو لم يستطع أن يمس الماء لشدة البرد، أو أن يغتسل لشدة البرد، فإنه يتيمم كذلك. وعما إذا كان فيه جرح: إذا كان فيه جرح، هذا الجرح في شيء من أعضاء الوضوء، فقال الشافعي وأحمد: يغسل الصحيح، ويتيمم للجريح. يغسل الصحيح، ويتيمم للجريح، أن المكان الصحيح يغسله، الأعضاء التي صحيحة، والعضو الذي فيه الجرح فإنه يتيمم له. هكذا قالوا. وهناك قول الشعبي، والحسن، وابن سيرين، وهو قول داود الظاهري أيضاً: أنه يغسل الصحيح ويترك الجريح، أو يتيمم إذا كان يرى أنه سيضرر بغسله في الجرح مثلاً، يتيمم. وقال الإمام النووي رحمه الله في مذهب الشافعية: أنه كذلك. والإمام ابن قدامة: أنه إذا كان هذا الماء سيضر العضو إذا اغتسل، أو إذا مس الماء سيجري الماء في مكان الجرح ويضر عليه، فهنا له أن يتيمم، له أن يتيمم لأنه سيطرق عضواً كاملاً، وليس هناك شيء مثلاً يستدل به على هذه المسألة، لكن يقال بالتخيير، يقال بالتخيير: إن شاء رأى أنه لا ضرر عليه فإنه يغسل، أو يغسل الصحيح ويترك الجريح، وإن رأى أنه سيتضرر، ولعل الماء يصيب، مثلاً أحياناً يكون مثلاً في رجله الإصابة، قد يشق عليه أنه يغسل، ورجله مثلاً فيها جرح قد يسيل إلى الجرح الماء، فإن لم يستطع لذلك فإنه يتيمم ويترك الغسل، يتيمم ويترك الغسل. وأما إذا كان الجرح فيه جبيرة، سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليها، مسألة الجبيرة سيأتي الكلام عليها. لكن خلاصة هذه المسألة الآن: إذا كان الإنسان خاف من استعمال الماء تلف عضو، أو زيادة مرض، أو تأخير برء، تيمم وصلى، ولا إعادة عليه. لكن إن كان كما قلنا هذا العضو، أو هذا الجرح مثلاً في عضو من الأعضاء، فإنه يترك ذلك المكان الذي فيه الجرح، ويغسل ما سواه، إن كان غسلاً أو كان وضوءاً. وهل يتيمم؟ فلم يأتي ذلك، لم يأتِ أنه يتيمم للجريح، ليس هناك ما يدل عليه، وإن تيمم احتياطاً ما فيه شيء. واختلف العلماء: متى يتيمم؟ فهل في وقت العضو، في مكان العضو، أو بعد أن ينتهي؟ فعند أحمد أنه بعد أن ينتهي يتيمم للعضو، وعند الشافعي يتيمم في نفسه وقت غسل العضو. عن الآن يقتسل، فإذا جاء مكان اليد مثلاً الجرح في اليد، يتيمم له، أنه بدل أن يغسل يده اليمنى يتيمم لها، ثم يكمل باقي غسله أو باقي وضوءه. طيب، وكما قلنا أنه لا دليل على ذلك على أنه يتيمم ويتوضأ، إما أنه يتوضأ ويغسل السليم ويبقى الجرح، وهذا معنى هو ظاهر، قول الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، أو أنه يتيمم فقط. لكن الأفضل أنه ما دام أنه لا يخشى على نفسه شيء من الماء، والجرح بعيد مثلاً، معنى ما يسيل إليه الماء وكذا، فيغسل الصحيح ويترك الجريح. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.