شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 68

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 68، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الإيمان بالقدر

الإيمان بالقدر هو ركن أساسي من أركان الإيمان، يشمل الإيمان بأن الله يحدث كل شيء بمشيئته. يُعد الإيمان بالقدر خيره وشره أساسًا في العقيدة الإسلامية.

تفاصيل الإيمان بالقدر وأركانه

يتضمن الإيمان بالقدر الإيمان بالمراتب الأربع: العلم والكتابة والخلق والمشيئة، كما يشمل التفريق بين الإرادتين الشرعية والكونية لله عز وجل. يُؤكد على أن للعبد مشيئة وإرادة ضمن إطار مشيئة الله.

أثر الإيمان بالقدر على الإيمان والرد على الشبهات

عدم الإيمان بالقدر يؤدي إلى إحباط الأعمال، وقد استشهد بآثار النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة. كما تم الرد على شبهة عبد الله بن الديلمي بنسب الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: باب ما جاء في منكري القدر. قال ابن عمر: والذي نفسي بيده، لو كان لأحد مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم استدل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» رواه مسلم. هذا الباب جعله المؤلف رحمه الله تعالى في القدر خاصة، في منكري القدر، فالقدر من أركان الإيمان، الإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام: «أن تؤمن بالقدر خيره وشره». فالإيمان بالقدر من الأركان العظيمة والأساسيات. وقد ذكر المؤلف رحمه الله بعض ما يدل على القدر، لكن هنا أراد الإنكار على من أنكر القدر، لأنه وجد من البدع من ينكر القدر، ينكر إثباته، ومنهم من يغلو في الإثبات. فالمعتزلة القدرية ينفون القدر، وهم على صنفين: غلاة الذين ينفون الأربع المراتب - مراتب القدر الأربع: العلم والكتابة والخلق والمشيئة - فهؤلاء ينكرون المراتب الأربع، وهؤلاء غالبًا أنهم قد انقرضوا، وحكم عليهم العلماء بأنهم كفار. الذين ينكرون العلم ينكرون العيات، والله بكل شيء عليم. وهؤلاء الذين أول ما ظهر القدر قالوا بهذه المقالة: أن القدر مستأنف، أي أن الله عز وجل لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، لا يعلم الأشياء قبل وقوعها. وهذا إنكار للآيات: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. لهذا الإمام الشافعي رحمه الله قال: «جادل القدرية في العلم، فإن هم أثبتوه خصموا، وإن أنكروه كفروا». إن أثبتوا العلم لله عز وجل، فهذا يبطل قولهم كله. فمعلوم أن القدر فيه ثلاث مسائل مهمة، لا بد على المسلم أن يعرفها: أولًا الأربع المراتب - مراتب القدر الأربع: العلم والكتابة والخلق والمشيئة - هذه مراتب القدر الأربع. ومن ثم أيضًا يؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. والمراد أن القدر: أن ما قدر عليه فقد قدر عليه، ليس أن هذا القدر أريد به آخر. فما أصاب الإنسان من مصيبة في الأرض أو في نفسه، إنما هذا في كتاب، قال الله عز وجل: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ من قبل أن تحدث، هي في كتاب مكتوبة. هذه المصيبة فكل شيء في كتاب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». وأيضًا مسألة الإرادات، إرادة الله عز وجل، هذه مسألة مهمة في القدر، والتفريق بين الإرادتين: الإرادة الشرعية والإرادة الكونية. الإرادة الشرعية التي بمعنى المحبة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾، هذه إرادة شرعية. يريد الله أن يتوب على عباده، وأن عباده يتوجهون إليه. وهؤلاء أهل الشهوات يميلون إلى الله ويتوبون من هذه الشهوات، فهذا إرادة شرعية. وهناك إرادة كونية وهي المشيئة: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، هذه إرادة كونية، أي ما يحصل هذا ما يحصل شيء في هذا الكون إلا بإرادته، إذا أراده الله عز وجل حصل، فهذا بمعنى مشيئة. فهذه أيضًا مسألة، والمسألة الثالثة وهي مسألة مشيئة العبد وإرادته، أيضًا هذا حصل فيها خلاف بالفرق: هل العبد له مشيئة وإرادة أو ليس له مشيئة وإرادة؟ والآيات والحديث أثبتت أن للعبد مشيئة وإرادة، وأنه يفعل بمشيئته وإرادته. قال: وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحد مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. لأن الإيمان بالقدر كما قلنا من الأركان الستة: يؤمن بالقدر خيره وشره، أنه من الله. قالوا: عن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: «يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». هذا من قدر الله عز وجل، أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، بل ما أصابك أراده الله عز وجل عليك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. قال: وفي رواية لابن وهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فمن لم يؤمن بقدر خيره وشره أحرقه الله بنار». قال في المسند والسنن، عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي. فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار. قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني مثل ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فيه مسائل: بيان فرض الإيمان بالقدر، بيان كيفية الإيمان به، أن الإيمان بالقدر على ما جاء من المراتب الأربع وغيره، إحباط عمل من لم يؤمن به، أن من لم يؤمن بالقدر فهو ليس بمسلم، وعمله محبوط. قال الرابع: لإخبار بأن أحدًا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به. أن القدر له أثر على النفس، وكلما رضي الإنسان بقضاء الله وقدره، كلما أثر في إيمانه، ووجد حلاوة وطعم الإيمان. قال الخامسة: ذكر أول ما خلق الله، يعني إذا كان المراد أول مخلوق، فهو ليس صحيحًا. وإن كان هذا الظاهر كلام المؤلف، وهذا كما قلنا، وإن كان قال به بعض أهل السنة كالإمام بن خزيمة، ووافقه الشيخ الألباني أيضًا، لكن هذه المسألة غير صحيحة. قال السابع: براعته من السادسة، أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة. معنى هذه المقادير إلى لما خلق الله القلم، كتب جميع مقادير الخلائق إلى يوم القيامة. قال الثامنة: عادة السلف في إزالة شبه بسؤال العلماء. وهذا أمر عظيم عند الله، وهذا أمر أيضًا يبين وضوح المسلم ووضوح المنهج، أن الإنسان يرجع إلى العلماء، وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاع به. قال التاسع: أن العلماء أجابوه بمزيل الشبهة، أي أجاب من أجاب عبد الله بن الديلمي، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط. أجابوه بجواب يزيل الشبهة عن قلبه.