الدرس في كتاب البيوع 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل أحكام البيع والخيار في الفقه الإسلامي، ويشرح أنواع الخيار مثل خيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب.
يتناول هذا الفصل أحكام بيع الثمار قبل بدو صلاحها، ويشرح جواز بيعها بعد بدو صلاحها أو بشرط القطع، كما يتطرق إلى تحريم بيع ما فيه ربا بجنسه.
يشرح هذا الفصل شروط صحة بيع السلم، ويتطرق إلى تحريم الجمع بين غرر في العقد، مثل عدم جواز تعليق بيع السلم بشروط أو الجمع بين خيار الشرط وغرر آخر.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال القاضي أبو شجاع الأسفاهاني رحمه الله في كتابه متن غاية التقريب: فصل والمتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، ولهما أن يشترط الخيار إلى ثلاثة أيام، وإذا وجد بالمبيع عيب فللمشتري رده. قوله: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، يعني لكل واحد منهما الخيار، يسمى هذا الخيار خيار المجلس ما دام أنهما في المجلس لم يتفرقا بعدهما، فلكل واحد منهما الخيار في رد البيع. ويدل عليه ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار». وقوله: «إلا بيع الخيار» يعني إلا إذا خير أحدهما الآخر، اختار العقد أو فسخه. وهذا الخيار ينتهي بتفرق الأبدان، إذا تفرقا بأبدانهما لزم البيع. وهذا التفرق كل شيء بحسبه، فإن كان في دار كبيرة فالخروج من البيت إلى صحن الدار يعتبر هذا من التفرق. إن كان في السوق أو في الصحراء فإذا ولّى أحدهما ظهره للآخر وذهب يكون بذلك التفرق. إذا كان في سفينة فبالخروج منها أو خروج أحدهما منها، وهكذا. إذا حصل التفرق هنا لازم البيع وينتهي هذا الخيار. أما ما دام في مجلس العقد فلهم الخيار، ولو جلسا أيامًا معًا، مثلا تبايعا وهما في مجلس واحد في مكان واحد، كأن يكون مثلا مسافرين في غرفة، بعد يوم ويوم هم ما زالوا في موضع أو مجلس العقد لم يتفرقا، أراد أحدهما أن يفسخ البيع له ذلك ما دام أنهما لم يتفرقا. قال: ولهما أن يشترط الخيار إلى ثلاثة أيام، يعني يقول: الخيار ثلاثة أيام في إمساك البيع أو رده. وهذا يسمى خيار الشرط. وقوله: ثلاثة أيام، جاء في حديث عمرو بن شعيب في السنن في قصة الرجل الذي كان يخدع في البيوع، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا بايعت فقل: لا خلابة»، يعني لا مخادعة. وجاء عند البيهقي قال: «ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاثة أيام». جعله النبي صلى الله عليه وسلم الخيار ثلاثة أيام، والحديث حسن، معلوم الباني رحمه الله في الصحيحة بطرقه. وهذا قول الشافعية: أنه له أن يجعل له الخيار ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك إذا أراد أن يرد السلعة له أن يردها. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز الخيار أكثر من ثلاثة أيام إذا كانت الفترة معلومة أو محدودة. وهذا قول الحنابلة: إذا كانت الفترة معلومة فلا بأس، ولو أكثر من ثلاثة أيام. وهذا أظهر، الله أعلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع الزيادة على ثلاثة أيام إذا اتفق على ذلك. كان يجعل مثل له الخيار مدة أسبوع، يقلب السلعة ويتفقدها وينظر فيها، إذا اتفق على ذلك فلا بأس. قال: وإذا وجد بالمبيع عيبًا فللمشتري رده. اشترى المشتري من البائع سلعة، ثم وجد فيها عيبًا، فلهذا المشتري أن يرد هذه السلعة، له أن يرد هذه السلعة. وهذا يسمى بخيار العيب. أن يوجد في السلعة عيب، فله أن يردها. وإن شاء أمسكها وأخذ الأرش، يعني الفارق بين ثمن السلعة وهي سليمة وبين ثمنها وهي معيبة، إذا تصالحا على ذلك فلا بأس. وإن أراد أن يردها له حق أن يردها إلى البائع، والبيع صحيح، وإن كان فيها عيب، هذا لا يمنع من صحة البيع. ويدل على ذلك ما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في بيع المصرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصر الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد، فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر». بيع المصرة هو بيع الناقة أو الشاة بعد أن تمسك أيامًا لا تحلب، فيستكثر اللبن في ضرعها، ثم يخرجها إلى السوق، فإذا رآها المشتري رأى ضروعها مملوءة باللبن، ظن أنها هكذا دائمًا كل يوم تخرج مثل هذا القدر من اللبن، فيغتر بذلك فيشتريها، ثم إذا حلبها نجفت ضروعها ولم يجد هذا اللبن فيها. فإذا اشتراها ثم تبين له أنها مصرة، فهذا يعني عيبًا فيها، واتضح له الغش في ذلك، فهو مخير: إن شاء أمسكها ورضي بذلك، وله ذلك، والبيع صحيح. وإن شاء ردها وصاعًا من تمر مقابل اللبن الذي أخذه منها. وجعل صاعًا من التمر قدره النبي صلى الله عليه وسلم قطعًا للنزاع بين البائع والمشتري، لأنه قد اختلفا في تقدير اللبن الذي أخذه. فجعل يسلم هذا المقدار مقابل ما يأخذه المشتري من اللبن بعد حلبها. فالشاهد قوله: «وإن شاء ردها»، هذا فيه رد السلعة المعيبة. المشتري له حق برد السلعة، وهذا خيار هو مخير في وجود العيب في السلعة، مخير بين إمساكها وبين ردها. وإن اصطلح مع البائع على أخذ الفارق بين كونها معيبة وسليمة فلا بأس. قال: ولا يجوز بيع الثمرة مطلقًا إلا بعد بدو صلاحها. أيضًا من البيع المحرم بيع الثمار قبل بدو الصلاح. بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها هذا لا يجوز، قد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، بأن يراه البائع والمشتري. والحديث في الصحيحين. لماذا؟ لأنها قبل بدو الصلاح معرضة للآفة، معرضة أن تصيبها آفة من الآفات كالأمطار أو رياح شديدة أو سيول، فتتلف الثمرة، فيقع الخلاف بين البائع والمشتري. فيقول المشتري: هي في ضمانتك، هي عندك وأنا لم أستلمها بعد. ويقول البائع: أنا بعتها لك. فيتنازعان ويتخاصمان، وقد يقول البائع: أنا قد بعت، فسأخذ الثمن. والمشتري هنا لم يستفد شيئًا. فلأجل ذلك نهى الشرع عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها. ولهذا جاء في رواية مسلم: «لا تبتاع الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة». تذهب عنه الآفة. كيف يبدو صلاحه؟ بدو الصلاح في الثمر إذا كان يبدو صلاحه بتغير لونه، فيكون هذا بداية الصلاح، كالثمر مثلا إذا صار برتقاليًا أصفر أو أحمر، فهذا بدو صلاحه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في بعض روايات: «حتى تصفار أو تحمار»، يعني إذا صفرت أو احمرت فقد بدا صلاحها. صلاحها وهكذا أيضًا العنب مثلا إذا اسود أو اصفر، هذا علامة على بدو صلاحه. طيب أما الحبوب فبدو الصلاح بالاشتداد، الحب إذا اشتد فهذا بدو صلاحه. وأما ما لا يتغير لونه كبعض أنواع العنب تكون خضراء، وبعض التفاح يكون أخضر وهو ناضج، هذا بدو صلاحه بطيب أكله، إذا طاب أكله فقد بدا صلاحه. وحينئذ يجوز أن يباع إذا بدا الصلاح، جاز أن يباع، لأنه حينئذ تسلم من الآفة التي قد تعرض لها قبل بدو الصلاح. ويجوز بيع الثمر قبل بدو الصلاح بشرط القطع، بشرط القطع يجوز. تشتري بصرًا يعني أخضر على الشجرة، تقول لصاحب النخلة: أريد هذا البصر، تقطعه الآن، يقول: نعم. تشتري ويقطعه، هذا جائز، يعني ما يبقى في النخلة. تشتريه بشرط القطع، هذا جائز. أو بيع الثمرة أو بيع الشجرة مع ثمرتها تبعًا، هذا جائز. تبيع نخلة فيها بصر أخضر، هذا يجوز، لأن البصر هنا تبع، البصر الأخضر هنا تبع لأصله، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالا. طيب لكن ظاهر قول المؤلف هنا: لا يجوز بيع الثمرة مطلقًا، يعني حتى لو كان بشرط القطع. حتى لو كان بشرط القطع، لكن الصحيح أنه يجوز إذا كان الشرط قطعه، فإنه يجوز، لأنه حينئذ تنتفي العلة التي لأجلها نهى الشرع عن بيعها قبل بدو صلاحها. والحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. قال: إلا بعد بدو صلاحها. وهذا لا ينافي أن تشتري الثمرة في السوق وهي خضراء، ليس هذا المراد. أن نهى عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح، تأتي إلى رجل في السوق يبيع بصرًا أخضر، هل يجوز أن تشتري منه؟ الجواب: نعم يجوز. أو يبيع تفاحًا أخضر، يعني ما زال مثلا حامضًا لم ينضج بعد، هل يجوز؟ الجواب: نعم. المنهي عنه أن تشتري الثمرة وهي في شجرتها، وتبقيها في الشجرة، هذا الذي لا يجوز. قال: ولا بيع ما فيه الربا بجنسه رطبًا بيابس. ولا بيع ما فيه الربا بجنسه رطبًا، يعني تبيع ثمرًا من جنس واحد، بعضه رطب وبعضه يابس، كتمر مثلا يابس برطب، أو زبيب بعنب، أو حب مثلا برّ مكيل ببر في سنبله في الشجر، هذا لا يجوز. هذا يسمى بيع المحاقلة والمزابنة. وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع المحاقلة والمزابنة، كما في البخاري من حديث أنس، وجاء في الصحيحين من حديث جابر رضي الله تعالى عنه: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المحاقلة والمزابنة. المحاقلة: بيع الزرع في سنبله بحب كيلا، يعني من جنسه. بيع الزرع في سنبله بجنسه كيلا. والمزابنة: بيع الثمر كالنخل مثلا، ثمر النخل في شجره بثمر، أو بأوساق من الثمر. بيع النخل أو التمر بيع التمر بأوساق من الثمر. بيع التمر في نخله، أو الرطب في نخله بأوساق من التمر. لماذا؟ لأن شرط صحة بيع الجناس الربوي إذا بيعت بجنسها، لا بد أن يتوفر فيها شرطان: وهما المماثلة والتقابض، التساوي والتقابض. فإذا بيع الرطب باليابس هنا لم يحصل التماثل وتساوي الوزن، لأن الرطب إذا يبس قلّ وزنه، فيختلف حينئذ الوزن. إذا بعت رطبًا بتمر، هنا الآن لم تتساويا في الوزن. وبيعت مثلا حب رطب لم ينضج بعد بحب يابس، فيختلفان في الوزن. أو لا يعلن مقدار الوزن كل منهما. أو لا يتساويان في الوزن، لأن الحب في سنبله لا يدرى كم مقداره. فحينئذ يحصل الجهل بالتساوي، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. فلأجل هذا نهى الشرع عن هذا النوع من البيع لما فيه من الوقوع في الربا. والنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن بيع الرطب بالتمر قال: «لا ينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم. قال: «فلا إذن». قال: «فلا إذن»، يعني لا يباع الرطب باليابس، لأنه حينئذ لا يتساويان. قال: إلا اللبن، يعني يجوز أن يباع اللبن بلبن، لأن اللبن سائل، ويمكن حصول التماثل، تتحقق فيه المماثلة، على أن اللبن على الصحيح من أصناف الربوية. قال: فصل ويصح السلم حالا ومؤجلا فيما تكاملت فيه خمس شرائط: أن يكون مضبوطًا بالصفة، وأن يكون جنسًا لم يختلط به غيره، ولم تدخله النار إلا إحالته، وأن لا يكون معينا ولا من معين. بيع السلم ويقال السلف، بيع السلم والسلف يقال: السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق. وسمي سلما وسلفا لتقديم رأس المال في مجلس العقد وتأخير السلعة. تقديم رأس المال في مجلس العقد وتأخير السلعة. والدلالة على جوازه قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:282]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أراد به السلم. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم». وأجمع أهل العلم على جواز بيع السلم. وصورة بيع السلم: أن يقول شخص لآخر: أريد مثلا عشرة أوسق من التمر، عشرة أوسق من التمر من نوع كذا. وأريدها مثلا بعد سنة، أريدها بعد سنة. ثم يدفع له قيمتها مقدما. قد يكون مثلا هذا البائع هو صاحب مزرعة، طيب رغم أنه يحتاج إلى ثمن ليزرع، يحرث المزرعة ويزرعها. وقد لا يكون عنده مال، فيأتي من يشتري هذا النوع من البيع السلم، فيقدم الثمن فيستفيد صاحب المزرعة أن يحرث مزرعته ويزرعها بهذا المال الذي يأخذه من المشتري. ويستفيد المشتري أن يتحصل على هذه الثمرة بثمن أقل، يتحصل عليها بثمن أقل. ففيه منفعة لكل من البائع والمشتري. لكن جعل الشرع له شروطًا حتى يسلم من الوقوع في الغرر والجهالة. قال: ويصح السلم حالا ومؤجلا، مؤجل هذا هو الأصل في السلم أن يكون مؤجلا، أن يقدم الثمن وتؤخر السلعة إلى أجل معلوم. وقوله: حالا، يعني في الحال. وهذا قول الشافعية: على أنه يصح كذلك بيع السلم في الحال، قالوا: إذا صح مؤجلا فحالا من باب أولى، لبعده عن الغرر. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يصح حالا، بل لا بد أن يكون مؤجلا، لأن هذا الذي أجازه النبي عليه الصلاة والسلام في بيع السلم، قالوا: مؤجلا فيما تكاملت فيه خمس شرائط. أولا: أن يكون مضبوطًا بالصفة، لا بد أن يكون هذا البيع مضبوطًا بالصفة، أن يصفه بصفة تميزه عن غيره، يقول: أريد مثلا سيارة، سيارات مثلا. أو أريد ثمارًا، أريد تمرًا أو عنبًا، صفته كذا وكذا، نوعه كذا وكذا. شيء موصوف، ليس شيئا مجهولا. لا بد أن يكون موصوفا. ولهذا قالوا: السلم هو بيع موصوف في الذمة، بثمن مقدم في مجلس العقد. فإذا لم يصفه صار مجهولا، وإذا لا يجوز بيع المجهول كما مر معنا، فيكون موصوفا إما بكيل أو بوزن أو بعدد أو بأذرع. قالوا: أن يكون جنسًا لم يختلط به غيره، ولم تدخله النار إلا إحالته. لا يسلم في شيء حصل فيه خلط، كبرّ مثلا خلط مع لحم كالهريش، هذا شيء مخلوط، ما يصلح فيه السلم. يقول: أنا أسلم في هريش قدرها كذا وكذا، هذا لا يصلح. لا بد أن يكون جنسًا لم يختلط به غيره، كما ذكرنا من برّ مثلا أو حب أو ثمر أو سيارات أو دراجات أو أدوات كهربائية أو نحو ذلك. قالوا: أن لا يكون معينا ولا من معين. لا يكون معينا، ما يقول: أنا أسلم في هذا التمر، عنده تمر، يقول: أنا أريد أن تسلمني في هذا التمر، أو تسلفني في هذا التمر، هذا لا يجوز، لأن السلم بيع شيء موصوف في الذمة، دينا، شيء غير موجود. أما إذا كان موجودا فأنت تشتريه مباشرة بعينه. فالسلم بيع موصوف، ليس بيع سلعة معينة، ليس بيع سلعة معينة، فلا يكون معينا. طيب ولا من معين، يعني لا يشتريه من شخص معين، هو يبايع شخصًا على أنه يأتي له بهذه السلعة من أي مكان ومن عند أي أحد، يعني ما يقول: أريد أن أسلم في ثمر من عند فلان. لا، لا يشتريه من معين. تكون الصفة للسلعة معينة موصوفة، الصفة معينة موصوفة. والبائع يعني يدبرها من عند أي أحد في الوقت المحدد. قال: ثم لصحة المسلم فيه ثمانية شرائط، وهي: أن يصفه بعد ذكر جنسه ونوعه، ذكر الجنس كالحب مثلا، جنس اللحم، جنس طيب. فإذا ذكر الجنس، كذلك يميز النوع، يعني لو قال: أريد تمرًا طيبا، إيش من أنواع التمر؟ تمر برني، تمر برحي، تمر سكري، يذكر النوع. لا بد إذا أراد لحما، يعني كذلك يميز يذكر نوع هذا اللحم: لحم عربي، لحم صومالي، لحم أسترالي. طيب بالصفات التي يختلف بها الثمن، لا بد يميزها بالصفات التي يختلف بها الثمن. فثمن اللحم العربي ليس كثمن اللحم غير العربي، غير كالصومالي مثلا أو غيره، الثمن يختلف. إذا لا بد أن يميزه بما يختلف به الثمن، وهكذا إذا كان الثياب مثلا يميزها بذلك. الأنواع الثياب التي يريدها، إذا كانت أخشابًا أو أحجارًا إلى آخره، لا بد أن يميزها بعد أن يذكر جنسها ونوعها، يذكرها بالصفات التي تميزها عن غيرها. يعني قد يكون جنس مثلا الثياب، النوع نوع كذا وكذا من الثياب، لكن الصفات تختلف من حيث القماش، من حيث التفصيل أو نحو ذلك. فلابد يكون الوصف وصفًا دقيقًا حتى تخرج من الجهالة. قالوا: أن يذكر قدره بما ينفي الجهالة عنه، يذكر قدره، كم المراد؟ إذا كان مثلا ثمرًا، ثمر مثلا كذا كيلو، أريد عشرة أوسق، أو خمسين وسقًا، أو مئة وسق مثلا، يذكر القدر المطلوب. وهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم»، لا بد يكون الكيل والوزن معلومًا، المقدار معلوم. قال: وإن كان مؤجلا ذكر وقت محله، يعني بعد سنة، بعد سنتين، بعد ستة أشهر، طيب الوقت الذي يحصل فيه تسليم السلعة. وأن يكون موجودًا عند الاستحقاق في الغالب، يعني يغلب على الظن وجود هذه السلعة، يغلب على الظن وجود هذه السلعة. فلا يكون المسلم فيه غير مقدور على تسليمه لكونه نادرًا، لكونه شيء نادر، مثل الآلات والجواهر، هذه أشياء نادرة. هذا قال أهل العلم: يجوز السلم فيها، أنه يغلب على الظن أنه لا توجد. فأو كذلك مثلا ما يكون وقت الحلول بفاكهة غير موجودة، يغلب على الظن أنه لا توجد في هذا الوقت، بل يكون هذا وقت وجودها. لهذا قال: لا بد أن يكون موجودًا عند الاستحقاق في الغالب، تكون موجودة في هذه الفترة، وفي وقت حلول تسليم المثمن. وإن كانت عند البيع غير موجودة، يعني أنا أسلف، أردت أن أسلف في تمر، التمر أنا غير موجود حاليًا، لكن بعد سنة سيكون موجودًا، لا بأس، هذا جائز. قالوا: أن يذكر موضع قبضه، يعني المكان الذي سيتم فيه تسليم المسلم فيه. وأن يكون الثمن معلوما، أن يكون الثمن معلوما، أي لا يكون شيء مجهولا، لا يكون شيئا مجهولا. بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بكيل المعلوم، وزن المعلوم، إلى أجل المعلوم». واستنبط أهل العلم من هذا الحديث بقية الشروط: أن يكون كذلك الثمن معلوما، حتى لا يحصل الجهالة في هذا البيع. كذلك يكون الثمن معلوما: دراهم، دنانير، ذهب، فضة، سيارات، أو غير ذلك، لا بد يكون الثمن معلوما. وأن يتقابض قبل التفرق، يعني عند عقد بيع السلم، المشتري يقدم الثمن، يسلمه للبائع في مجلس العقد، يدفع الثمن في مجلس العقد. ولهذا سمي هذا البيع بيع السلم والسلف، لأن البائع يستلم رأس المال، والمشتري ينتظر متى تأتي السلعة. وإذا تأخرت أسلم الثمن، صار من بيع الدين بالدين، وهذا منهي عنه، بيع الدين بالدين لا يجوز أن فيه جهالة. قال: وَأَنْ يَكُونَ عَقْدُ السَّلَمِ نَاجِزًا لَا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ. أن يكون عقد السلم ناجزا، يعني غير معلق بشرط، ما يقول: أنا أسلم في ثمر كذا وكذا كيلو مثلا إلى سنة، بشرط كذا وكذا، لا، ما يعلق بشرط، بل يكون ناجزا. متى ما جاءت الفترة المحددة يدفع البائع هذه السلعة للمشتري، يأتي بها للمشتري، لا يعلق بشرط. لماذا؟ قال العلماء: أن عقد السلم فيه غرر من وجه، يعني حيث أن العقد على معلوم على معدوم غير موجود. وفي خيار الشرط غرر، في خيار الشرط غرر من وجه، حيث أن العقد على خطر الإمضاء أو الفسخ، فلا يجمع غررًا إلى غرر، لا يجمع غررًا إلى غرر. فحينئذ لا يعلق بيع السلم بشيء من الشروط. صلى الله وسلم على نبينا محمد وصحبه أجمعين.