كتاب النكاح من صحيح البخاري 20

كتاب النكاح من صحيح البخاري 20

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب تزويج المعسر: الغنى الحقيقي بالقناعة

يوضح المقطع أن الغنى الوارد في الوعد القرآني للفقراء ليس كثرة المال بل القناعة والرضا بما قسم الله. ويستشهد بأحاديث تجعل القناعة كنزاً لا يفنى وغنى النفس الحقيقي.

قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم

تروي واقعة امرأة عرضت نفسها على النبي فلم يقبل، ثم تزوجها صحابي بأمر النبي بعد تقديم مهر يسير. يدل ذلك على وجوب المهر في النكاح حتى لو كان قليلاً.

زواج المعسر بالقرآن مهراً وحكم طلب العفاف

زوج النبي رجلاً معسراً لا يملك إلا إزاره، فجعل مهرها ما يحفظه من القرآن على أن يعلمه إياها، مما يدل على جواز جعل تعليم القرآن مهراً. الأصل في المعسر الاستعفاف، لكن إذا تيسر له الزواج فهو من العفاف، وقد ورد أن الناكح يريد العفاف من الثلاثة الذين حق على الله إعانتهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب تزويج المعسر»، لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. تزويج المعسر: المعسر الذي لا يجد المال يسمى معسراً، والذي يجد المال يسمى موسراً أو ميسوراً بالواو، ويقال من باب الاشتقاق أيضاً: ميسر له عن المال، ميسر عنده. والله عز وجل قال فيمن عنده دين: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، أي إلى أن يتيسر له المال. فالمعسر الذي أعسر من المال، أي ليس عنده مال يتزوج به، فقال الله عز وجل: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. فربنا جل وعلا يحث على العفة إذا لم يستطع، وإن استطاع وتيسر له الأمر وتزوج، فإن الله عز وجل قد تكفل أنه سيغنيه. وهذا الغنى ليس معناه كما يظنه بعض الناس أنه يتيه المال من كل مكان، وكذا لا. الغنى هنا قد يكون هو القناعة التي يجدها في قلبه، فيقنع بما آتاه الله عز وجل من المال، وبما يسر الله عز وجل له. فقد يمر بحالات فيها عسر، لكن غالباً يأتي بعدها اليسر، وهذا من هذا الباب: ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. فقلنا: فالغنى هنا ليس غنى العرض وكثرة المال، وإنما أن يكون عنده قناعة بما أعطاه الله عز وجل، والقناعة كما يقولون: كنز لا يفنى. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه»، أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر، وأخرجه أيضاً أبو داود عن أبي هريرة: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنع». فالقناعة كنز عظيم، أي أنه غنى عن قلب، ليس الغنى عن كثرة العرض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض»، أي عن كثرة المال وأمور الدنيا، وإنما الغنى غنى النفس. فإذا صار فيه غنى وقناعة، فإنه يقنع باليسير، ويكفيه الله عز وجل باليسير، وأيضاً يبارك الله عز وجل له في ماله. فكم من إنسان عنده أموال ويجد نفسه أن هذه الأموال لا تكفيه، فتذهب هباءً منثوراً، أو يبذر بهذه الأموال. وهناك أناس تجد ما عندهم إلا القليل من المال، لكنه يكفيهم لشهرهم، أو لسنتهم، أو لحياتهم، يكفيهم ولو شيئاً يسيراً، لأنهم قنعوا باليسير. وهناك مقالة وهي أيضاً مقالة صحيحة: «اقنع باليسير يأتيك الكثير»، وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: حدثنا قتيبة، هو ابن سعيد، أبو رجاء، الثقفي، البغلاني، المصري، وكان حافظاً، وهو ليس مصرياً وإنما نزل مصر، وإلا فهو من خراسان، من بغلان، منطقة من مناطق خراسان. قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عبد العزيز بن أبي حازم مدني ثقة محافظ من أهل المدينة، أبوه أبو حازم سلمة بن دينار من فقهاء أهل المدينة. قال: عن أبيه، وهو أبو حازم سلمة بن دينار. وهناك أبو حازم آخر مدني وهو سليمان الأشجعي، لكن يعرف بأن ذاك يروي عن أبي هريرة، وهذا يروي عن سهل بن سعد غالباً. قال: عن أبيه، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، جئت أهب لك، أهب لك نفسي. وهذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، كما قلنا، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. هذا شيء خالص لك، أجازه الله عز وجل لنبيه، أن المرأة تهب نفسها له، أن يزوجها بهذه الهبة بغير مهر. لكن غيره لا يجوز أن تهب المرأة نفسها للرجل، وإنما إن أرادت مثلاً أن يتزوجها رجل وأخبرته بذلك، فأمره جائز، لكن يتزوجها بعقد ومهر، يتزوجها بعقد ومهر. قال: فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد النظر فيها وصوبه. صعد النظر: أي نظر فيها، ووقفض: معنى نظر فيها من أعلى إلى أسفل. قال: ثم أطأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه. وهذه المرأة ليست أنها كاشفة، وإنما كانت متحجبة، وقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى شكلها، أو أنه لما قالت هذا الكلام نظر إليها، وليس أنه يريد أن يراها هل هي جميلة أو كذا، لأنها كانت متحجبة. وهذا الأصل، أو أن بعض العلماء قال: يحمل هذا على أنه قبل الحجاب. لكن لم يأتِ أن المرأة كان وجهها كذا وكذا، أو كانت كاشفة، فلذا تحمل على الأصل أنها كانت متحجبة. قال: ثم أطأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقضِ فيها شيئاً جلست. فقام رجل من الصحابة، فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. وقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم ردها ليس لأجل جمال أو غيره، وإنما لأجل أنه لم يكن محتاجاً إلى الزواج في ذلك الوقت. قال: فقال صلى الله عليه وسلم: «وهل عندك من شيء؟» قال: لا والله يا رسول الله. فقال: «اذهب إلى أهلك، فانظر هل تجد شيئاً، اذهب وأتِ بمهر حتى أزوجك إياها». وهذا يدل، هذا الحديث كما تقدم معنا، أن المهر لابد منه، واشترطه المالكية. المالكية عندهم شرط، وهذا صحيح، أن المهر شرط في النكاح، فلا يكون النكاح إلا بمهر، سوى كان مقدماً معجلاً أو مؤخراً، المهم أن يكون مهراً يتفق عليه. لهذا إذا لم يكن هناك مهر أو يتم مهر، فإنها تعطى مهر نسائها، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. وهذا يدل على أنه لابد من المهر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل تجد شيئاً؟» فذهب ثم رجع، فقال: لا والله، ما وجدت شيئاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظر، ولو خاتماً من حديد»، أي شيء بسيط، حتى لو خاتم من حديد، أعطه إياه. فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتماً من حديد، أي الرجل ما عنده شيء. قال: «ولكن هذا إزاري». قال سهل: ما له رداء، فلها نصفه. معناه: ما عنده رداء، الثوب الذي كان يلبسه الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: إزار، معناه يربط تحت الجسد الأسفل، ورداء يربط أو يلبس في الجسد الأعلى. فهو ما عنده إلا إزار، حتى الرداء ما عنده. معناه: عنده ثوب واحد. ولهذا كان أكثر الصحابة ليس عندهم أثواب، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوَلَيْسَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟» ما عندهم إلا ثوب واحد، بل بعضهم كان هذا الثوب قصير جداً، حتى قال أبو سعيد كما في الصحيحين: «كان أحدنا يستتر بأخيه من العري»، ما عنده إلا ثوب ضيق، يخاف أنه إذا سجد يتمزق عليه، فكان يستتر بعضهم بعضاً من العري. فهذا كان حال الصحابة رضي الله عنهم. فقال هذا الرجل: ما عندي إلا إزار. معنى: أعطيها نصفاً، وآخذ نصفاً. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء»، أنه إذا أعطاها النصف، نصف الإزار، حتى لو لبسته فما سيغطي جسدها. «وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء»، أنه أنت أيضاً سينقص عليك الإزار لو نصفته. قال: فجلس الرجل، حتى إذا طال مجلسه قام. والنبي عليه الصلاة والسلام كان كما وصفه الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فما كان يحب أن يكسر جبر أحد أو خاطر أحد، أقصد. فلذا لما رآه مولّياً، كأنه حزن، أو حزن على أنه لم يجد ما أراده، قال: فأمر به فدُعي، قال له: «ادعوه». فلما جاء، قال: «ماذا معك من القرآن؟» قال: معي سورة كذا وسورة كذا، عددها. فقال: «تقرؤهن عن ظهر قلبك، عن تحفظ هذه السور؟» قال: نعم. قال: «اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن»، ملكتكها بما معك من القرآن. وكما ذكرنا قبل، أن المراد أنه يعلمها هذه السور، أو يحفظها إياها، وليس معنى أنه يقرأها عليها. طيب، هذا الحديث في تزويج المعسر. فهذا الرجل معسر، وزوجه النبي صلى الله عليه وسلم. فالمعسر الأصل أنه يستعف، يستعفف كما قال الله عز وجل، لكن إن تيسر له الزواج، فإنه من العفاف أنه يتزوج. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة حق على الله إعانتهم»، ذكر منهم: «الناكح يريد العفاف». فكتبنا هذا، والله تعالى أعلم.