الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 81، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُناقش أهمية اتباع سنة الصحابة ومخالفة البدع، مستدلًا بآثار حذيفة بن اليمان وآيات قرآنية تُشدد على اتباع سبيل المؤمنين. الاقتداء بالصحابة هو المعيار لتمييز البدع.
استدل ابن كثير بأقوال الصحابة في فهم السنة، وقال إن كل قول أو فعل لم يثبت عنهم فهو بدعة. استشهد بآية من سورة الأحقاف وقول النبي عن الفرق الضالة.
اتباع منهج الصحابة هو السبيل للنجاة من الفتن، والدليل أن الخوارج لم يكونوا بينهم صحابي واحد. الصحابة تعاملوا بحكمة وعلم مع الفتن التي وقعت في عهدهم.
ينبغي اتباع سنة النبي والخلفاء الراشدين لتحصيل الخير والنجاة من الفتن. أمر النبي باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تتعبدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا، فاتقوا الله يا معشر القُرَّاء وخذوا طريق من كان قبلكم. رواه أبو داود. وهذا الأثر كذلك رواه ابن بطة في الإبانة، وإسناده حسن. وهذا الأثر هو أثر حذيفة أورده المؤلف رحمه الله تعالى بعد تبويبه للباب السابق، ومن تعلق بقوله باب التحذير من البدع، ثم استدل بحديث العرباض بن سارية والذي فيه قال عليه الصلاة والسلام: «وإياكم ومحدثات الأمور»، ثم ثنى رحمه الله تعالى بهذا الأثر عن حذيفة رضي الله تعالى عنه. وهذا الأثر من الأمور العظيمة، ويناسب ذكر هذا الأثر؛ لأن بعض الناس يقولون: أين وجه الشاهد من هذا الباب فيه التحذير من البدع؟ وهنا أمر المؤلف رحمه الله تعالى باتباع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو الرابط يا عبد الله، وهو أن من المعيار والميزان الذي به تتعرف على البدعة أن تتمسك بهذا الضابط، وهي: إذا رأيت عبادة لم يتعبدها أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام فاحكم على هذه الفعلة بالبدعية، أحكم على هذا الفعل من قول أو فعل أو حال على أنه بدعة من البدع. والأدلة كثيرة إخواني في الله تدل على هذا الباب، وهذه مسألة خفيت على كثير من المسلمين، إذ أن من المسلمين من يرى أن من حق الصحابة علينا أن نوقرهم وأن نجلهم وأن نعظمهم، هذا لا شك ولا ريب، الإجلال والإعظام لجناب أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن ما هو أعظم من ذلك أنك تسير على سيرهم وتأخذ بقولهم وتتأسى بأفعالهم؛ لأن دلالة الشريعة دلت على ذلك. فنصوص الكتاب والسنة أشارت إلى عظم هذا المقام، وهو مقام الاتباع لأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، من ذلكم كقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، فإن آمنوا والخطاب لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإن هؤلاء آمنوا بمثل ما آمن عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا حينها، كتبت لهم الهداية والفلاح والرشد، لكن إن تركوا وتخلفوا عن ركب الصحابة فلم يأخذوا بهديهم ولم يؤمنوا بإيمانهم حينها قد ضلوا سواء السبيل. وهكذا يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المقصود غير سبيل المؤمنين هو سبيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإن لم يكن لهم الأصالة فلا شك ولا ريب أنهم على رأس الهرم من أهل الإيمان الذين وجب أن نتبع سبيلهم. فقال سبحانه: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾، فاستدل العلماء على هذه الآية على وجوب اتباع ما عليه الصحابة رضي الله تعالى عنه من سلوك ومن صراط ومن هدي ومن سمت كانوا عليه. ومن جميل وبديع ما استدل به الإمام الحافظ المفسر المؤرخ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لكتاب الله وفي تفسير القرآن أن استدل بهذه الآية وهي قوله سبحانه وتعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾، ماذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية؟ قال رحمه الله تعالى: وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل قول أو فعل لم يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم فهو بدعة؛ لأنه لو كان خيرًا ما سبقون إليه. انظر إلى استدلاله كيف ميز بين فهم الكفار وبين فهم أهل السنة والجماعة، فقال: فهو بدعة؛ لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه؛ لأنهم لم يتركوا لنا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها، هذا هو الذي عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ما من خير إلا وقد سبقوا إليه، وهذا يتوافق تمامًا مع أثر حذيفة إذ قال: «فإن الأول لم يدع للآخر مقالا»، ما تركوا لنا شيئًا، فمن حيث الواجبات ومن حيث الفرائض قد قاموا بها خير قيام. أما النوافل والندب وما كان من بذل أعمارهم وأموالهم في سبيل الدين فلهم في ذلك القدح المعلى رضي الله تعالى عنهم، فما تركوا لنا شيئًا، فكيف يأتي بعد ذلك من تأخر ممن في مثل هذه الأزمان الغابرة ويرى أنه بإمكانه أن يتعبد الله بعبادة ما تعبدها الصحابة؟! أن لك ذلك؟! كيف وُصِل إلى هذه المرحلة يا عبد الله؟! وهم الذين عاصروا الوحي وشاهدوا التنزيل وكانوا من أعلا من الناس باللغة بلسان القرآن، وكانوا من أعلا من الناس بمراد الله ورسوله. فالمعطيات التي عندهم ليست عند من جاء من بعدهم، فكيف يأتي من تأخر بعد ذلك؟! وأيضًا دلالة السنة إخواني في الله فيها الإشارة إلى وجوب اتباع ما عليه الصحابة، كما قال عليه الصلاة والسلام عندما ذكر أحوال الفرق: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»، ولما سئل عنها قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، يحسن ذلك جماعة من العلماء. ما أنا عليه اليوم وأصحابي، فذكر عليه الصلاة والسلام أن الزمان والعلامة في عدم الوقوع في الفرق الضالة أن تستمسك بهديه وتستمسك بهدي أصحابه رضي الله تعالى عنهم؛ لأن هديهم من هديه، فما خالفوه حاشا وكل، وإنما ساروا على سيره عليه الصلاة والسلام. وأيضًا من دلالة السنة في تعظيم مقام الصحبة ما كان من أمره صلى الله عليه وسلم عندما خرج فنظر ذات يوم إلى السماء فقال: «النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وإني أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وإن أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعد»، وما الذي يوعد به؟ الفتن المتلاطمة التي لا تكاد تنتهي أو تفتر لحظة من اللحظات، هذا متى؟ فإذا ذهب الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فهم صمام أمان، هم بوابة أمام الفتن، فبذهابهم ستأتي الفتن تترى وتتوالى على الأمة المحمدية، فما هو الواجب؟ الواجب أن نبقي الصحابة نبقيهم بيننا حتى نكون في مأمن من الفتن، قد يقول قائل: وهل هذا بالإمكان؟ نعم هذا بالإمكان، إبقاء الصحابة بإبقاء منهجهم، نبقي منهجهم حيًا بيننا، نسير على هديهم وعلى سيرهم في معتقدات وفي عبادات وفي معاملات وفي أحوالهم في كل شيء. فإذا أبقينا منهج الصحابة بيننا كأننا أبقينا الصحابة عندنا، فحينئذ سنأمن، ولهذا انظر يا عبد الله إلى الواقع عندما خرج ناس وتخلوا عن منهج الصحابة وأخذوا باجتهادات سموها اجتهادات وخرجوا بأنفسهم، ما الذي جر عليهم؟ الويلات، بينما الذي تمسك لمنهج الصحابة واعتصم به كفاه الله شر تلك الفتن؛ لأنه أبقى الصحابة بينه في ظهره في صدره باتباع لمنهجه. ولهذا قال نبينا: «وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعد»، فالسلام يا عبد الله من الفتن أن تعتصم بما كان عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. وتأمل يا عبد الله لحديثي أو لأثر ابن عباس من الفتن التي وقعت في عهد الصحابة، فتنة الخوارج ظهرت في منتصف خلافة علي رضي الله تعالى عنه وكان الصحابة متوافرون، ظهرت الخوارج وكانت أعدادهم ستة آلاف خارجي، ذهب إليهم حبر الأمة ابن عباس رضي الله تعالى عنه ترجمان القرآن، استأذن من علي في مناقشة هؤلاء فأرسله، فكان نقاشًا طويلا بينهم. لكن الشاهد بماذا استدل ابن عباس على ضلال هؤلاء؟ بماذا استدل؟ قال لهم: «لقد جئتكم من عند أصحاب رسول الله وليس فيهم منكم أحد»، سبحان الله! ستة آلاف خارجي وليس فيهم ولا معهم صحابي واحد، فكانت هذه ماذا؟ أمارة على ضلالهم وعلى زيغهم، ولهذا قال: جئتكم من عند أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وليس فيهم منكم أحد، ما أمنكم وأحد محسوب صحابي، إذا ماذا هذا؟ تفكروا: إذا أنتم على ضلالة أنتم على زيغ. فكان هذا معيار إخواني في الله عند السلف الصالح في معرفة ضلال الناس أو ضلال الفعل أو ضلال القول أن تعلم أنه ليس له من اتباع السلف بشيء بحال. وسيأتي معنا في أثر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قصة الذين أتوا بهذه الحلق وهو الذي ختم به المؤلف رحمه الله تعالى رسالته. الشاهد إخواني في الله في أثر حذيفة فيه ما يدل عليه من الكتاب والسنة على أن الاعتصام بمنهج الصحابة رضي الله تعالى عنهم ينبغي أن يكون في فهم النصوص. ولله الحمد يا عبد الله أنك لو تلاحظ أن الله جل وعلا أوقع وقائع في الصدر الأول، وهذه الوقائع ما الذي يطلب منها؟ يطلب منها أنك تنظر كيف تعامل الصحابة فيها، ثم أن تقوم بالتعامل في هذا الزمن كما تعاملوا، مثاله: ابتلانا عباد الله بأئمة الجور بأئمة ظلم هم كذلك ابتلوا بهذا، فلننظر كيف تعاملوا. هذه من سنة الله جل وعلا في المجريات، ابتلانا الله نحن في هذه الأزمنة بالفرق الضالة والاختلافات والتنازع، كيف نتعامل؟ ننظر كيف تعاملوا، هم كذلك ابتلوا، ابتلاهم الله بالخوارج ابتلاهم الله بالمرجئة ابتلاهم الله بالرافضة هذا في زمن الصحابة، كيف تعاملوا؟ نتعامل كما تعاملوا. وهكذا في قضايا ما تسمى بالحاكمية وما يسمى بالتعامل مع أهل الكتاب وما يسمى بالتعامل مع أعداء الله، هم ابتلوا في أزمانهم بمثل ما ابتلينا به، تعاملوا معهم بعلم وحكمة بتزكية من الله جل وعلا، إذا ما علينا إلا أن ننظر كيف تعامل الصحابة فلنعامل كما تعاملوا، هذه هي النجاة. وهذا هو الذي ينبغي أن نسير عليه والذي سار عليه أهل السنة والجماعة، نقول: كل خير في اتباع من سلف، في اتباع من سلف، هذه الخيرية لا نخرج عنهم، وهذا الذي مضى في قول نبينا صلى الله عليه وسلم عندما قال: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، فأشار إلى صحبه الكرام، فهم صمام أمان من الفتن. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.