الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 82، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المؤلف يختم كتابه بقصة عن السلف الصالح تتعلق بالتحذير من البدع، حيث روى الدارمي والطبراني وغيرهم قصة تتعلق بالصحابي عبد الله بن مسعود وطلابه.
يظهر المقطع أدب الصحابة في التعامل مع بعضهم البعض وتوقير العلماء من خلال قصة بين أبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود حول حلقات الذكر في المسجد.
ابن مسعود يحذر مجموعة من الناس يستخدمون الحصى للتكبير والتهليل والتسبيح، وينصحهم بعدّ سيئاتهم بدلاً من ذلك، مشيراً إلى أن هذا الفعل قد يكون بداية ضلالة.
المؤلف يبرز خطورة البدع على المسلمين وتأثيرها على سيرهم مع الله وفي الإسلام، ويطلب من الله أن ينفعنا بما قلنا ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: وقال الدارمي في هذا الباب، وهو الباب الأخير في هذا الكتاب وفي هذه الرسالة فضل الإسلام، بواب المؤلف رحمه الله تعالى باب التحذير من البدع، وذكر الآيات والأحاديث أو الروايات المعين لفهم هذا الباب، ثم ختم هذا الباب، وهو الختم لهذه الرسالة بأكملها، ختمه بهذه القصة والتي وقعت لسلفنا الصالح، وفيها ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى من التحذير من البدع. قال رحمه الله تعالى: وقال الدارمي: وهذه القصة أوردها الدارمي، وهكذا ذكرها الطبراني اختصارًا، وقد ذكرها شيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة، فهي قصة ثابتة، ولا معنى لمن حام حول تضعيفها وحول إعلالها حتى لا تكون حجة عليه، بل هذه القصة ثابتة، ورواها كذلك ابن بطة في الإبانة، وهكذا الشاطبي في الاعتصام، وبن وضاح في التحذير أو في كتاب البدع والنهي عنها، فأئمة السنة على تلقي هذه القصة بالقبول. قال الدارمي رحمه الله تعالى: أخبرنا الحكم بن المبارك، قال: أنبأنا عمر بن يحيى، قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه، قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد. وانظر إلى دأب السلف، كان من شأن طلاب العلم أنهم يزاحمون العلماء في مجالسهم، مع أن أهل العلم كابن مسعود له مجالس تعقد في بيوت الله يدرس ويحفظ ويعلم، ومع ذلك كان الطلاب يتزاحمون بهذه المقامات حتى أنهم لو ربما جلسوا عند باب بيته حتى إذا خرج هذا العالم كعبد الله بن مسعود اجتمع حوله الطلاب ويسألونه فيما أشكل عليهم. قال رحمه الله تعالى: فجاءنا أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: لا، قال: فجلس معنا أبو موسى الأشعري، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن مسعود كذلك من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، أبو موسى عنده مسألة أراد أن يطرحها على عبد الله بن مسعود، لكن لما وجدوه ما خرج، كان بإمكانه أن يطرق الباب يقول: يا عبد الرحمن أريدك بحاجة، لكن انظر من كمال الأدب مع من هو أعلم منه جلس كجلوس الطالب عند باب بيته. قال: حتى خرج، قال: فلما خرج قمنا إليه جميعًا، قال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته، ولم أر -والحمد لله- إلا خيرًا، قال: فما هو؟ هنا ابن مسعود عالم، وأبو موسى الأشعري كذلك من فقهاء الصحابة، لكن كما يقول علماء عبد الله بن مسعود أرفع درجة في العلم، فكان من أمر أبي موسى الأشعري لما رأى هذه المسألة أحب أن يستشير من هو أعلم منه. قال أبو موسى رضي الله تعالى عنه: أرأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصًا، فيقولوا: كبروا مئة، فيكبرون مئة، فيقولوا: هللوا مئة، فيهللون مئة، فيقولوا: سبحوا مئة، فيسبحون مئة. هذه الهيئة حق لأبي موسى الأشعري أن يستغربها، لماذا يستغربها؟ ما هكذا تعلم، وما هكذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ربه. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: فماذا قلت لهم؟ ماذا كان ردك على هذا الفعل؟ قال رضي الله تعالى عنه: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك أو انتظار أمرك، أي ما أحببت أن أنهي وأني آمر وأنت موجود، لا أنتظر رأيك وأنتظر أمرك، وهذا الأدب الذي سار عليه السلف رضي الله تعالى عنهم في توقير من هم أكبر منهم علمًا. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، لو قلت لهم ذلك لكان أنفع في تذكيرهم، يعني ما الفائدة من العد هذا؟ ما الذي تريدون أن تعدوا به؟ يعني تريدون أنكم تحسبوا بمئة حصاة بمئة تهليلة، أي هذا أجر عند الله مئة، أنت تعد بعد عد الله جل وعلا، ما في داعي لهذا العد أصلا، هذا تحصيل حاصل. قال: ثم مضى، قال: ومضينا معه، أي ذهب ابن مسعود إلى هذا المكان الذي فيه التجمع، قال: حتى أتى حلقة من تلك الحلقات، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ أحب أن يتثبت ويتأكد مما هم عليه، لعل في الأمر لبس، لعل في الأمر شيء. قال: فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصًا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. فقال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، أي إن كان من عد تريدون أن تعدوا شيئًا، عدوا سيئاتكم حتى تكون مدعاة لأن تتذكروا فعل ما يجلب عليكم سخط الرب عز وجل، فتأتون بالتوبة والاستغفار. قال: ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم! هؤلاء الصحابة هؤلاء صحابة محمد صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذا هو الشاهد، هؤلاء أصحاب محمد متوافرون، أي صحابة عندكم، ما الذي أراد ابن مسعود؟ يعني يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أين ذهبتم عن التأسي بأصحاب رسول الله؟ فهم خير عليكم لأن الصحابة ما فعلوا هذا. قال: هؤلاء صحابة محمد المتوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة. خيرهم بين أمرين، هذا الصنيع منكم، وأنكم ابتدعتم هذه البدعة مع وجود أصحاب رسول الله، فأنتم بين أمرين: إما أنكم أهدى من أمة محمد، من هؤلاء الصحابة، أنتم أهدى منهم، وهذا لا شك باطل، فما هناك أحد أهدى من أصحاب محمد الذين قد رضي الله تعالى عنهم وشهد لهم القرآن بالسنة والإيمان. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا ﴿أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يَجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ﴾، وأيم الله لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، أي ذهب عنهم بعدما حذرهم من أن يكونوا من الفرق الضالة. قال عمر بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلقات يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج. وصدق ما أخبر به ابن مسعود، إذ تفرس في هؤلاء أن هؤلاء سيكونوا من الفرق الضالة، هل ابن مسعود عنده علم الغيب؟ لا، ليس عنده علم الغيب، لكن عنده من علم النبوة ما جاءت به الأدلة الدالة على أن من فتح باب الضلالة سينجر إلى الضلال. فالحاصل إخواني في الله أن المؤلف رحمه الله أورد هذه القصة وختم بها هذه الرسالة العظيمة، وهي فضل الإسلام، وهي واضحة الدلالة بينة المعالم على أن من أخطر ما يكون في حق المسلم والمسلمة البدع، فإن تلبس بها فإن ذلك سيؤثر على سيره مع الله وكذلك سيره في الإسلام. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.