شرح كتاب التوحيد 291

شرح كتاب التوحيد 291

الدرس في شرح كتاب التوحيد 291، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح حديث جبير بن مطعم وتوضيح حكمه ودرجته

يشرح المقطع حديث جبير بن مطعم ويبين ضعف إسناده لكن صحة معناه. يبين المقطع علل ضعف الحديث وأقوال العلماء حوله.

الاستسقاء وحديث الأعرابي مع النبي صلى الله عليه وسلم وتوضيح مفهوم الاستشفاع

يشرح المقطع مفهوم الاستسقاء وحديث الأعرابي مع النبي صلى الله عليه وسلم. يُبين المقطع أن الاستشفاع بالخلق على الله جائز، لكن الاستشفاع بالله على خلقه لا يجوز.

بيان عدم جواز الاستشفاع بالله على خلقه وتوضيح الشفاعة الصحيحة

يناقش المقطع مفهوم الشفاعة وعدم جواز الاستشفاع بالله على أحد من خلقه. يشرح أن الشفاعة الصحيحة تكون بالأحياء من خلال دعائهم.

تعقيب المؤلف على الحديث وتأكيد عدم جواز جعل الله شفيعًا

يعلق المؤلف على الحديث ويشير إلى ضعف إسناده لكن صحة معانيه. يؤكد عدم جواز جعل الله شفيعًا عند أحد من خلقه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فبالأمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن تبويب المؤلف رحمه الله تعالى باب "لا يستشفع بالله على خلقه"، ثم أورد المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا حديث جبير بن مطعم حول هذا الحكم، فقال رحمه الله تعالى: "وعن جبير بن مطعم قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله، سبحان الله"، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: "ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه". رواه أبو داود. هذا الحديث، إخواني في الله، أورده المؤلف رحمه الله تعالى لكي يدلل به على ما جاء في التبويب السابق "باب لا يستشفع بالله على خلقه". أشرنا إلى أن معنى التبويب أي أنك لا تجعل الله عز وجل شافعًا عند خلقه، أي وسيطًا عند خلقه، فإن شأن الله أعظم، فالله عز وجل هو الأكمل وهو المعظم المبجل، وأن درجة الشافع دون درجة المشفوع إليه. فلما كان ذلك الدون موجودًا في هذه الصورة، منع المسلم من أن يجعل الله عز وجل شفيعًا عند أحد من خلقه، فقال المؤلف "باب لا يستشفع بالله على خلقه". وهنا، قبل ذكر هذا الحديث وبيان ألفاظه وأحكامه، نبقى أولًا في بيان درجة حكمه ومرتبته. هذا الحديث، كما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى، رواه أبو داود في سننه، إلا أن هذا الحديث معلّ وفيه ضعف لعدة مسائل وعلل، منها أولًا: أن الطرق التي جاء بها هذا الحديث تدور على محمد بن جبير، ومحمد بن جبير عند عداد المحدثين أنهم من المجهولين، فهو مجهول. أضف إلى ذلك أن مداره على محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى، وهو مدلس وقد عنعن. لو أنه صرح بالتحديث لن تفت العلة، لكن كونه يروي هذا الحديث بالعنعنة، وهو مما علم بالتدليس، جعل هذا الحديث من أوجه الضعف الذي فيه. ولهذا تتابع العلماء على إعلال هذا الحديث، فقد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وهكذا صاحب النهج السديد، وهكذا الإمام الذهبي رحمه الله تعالى، حيث قال: "هذا حديث غريب جدًا"، فردف: "الله أعلم، أقال النبي هذا أم لا؟ الله أعلم، أقال النبي هذا أم لا؟" أي: هل هذا الحديث ثابت من قوله أم لا؟ الله أعلم، وذلك لأن الحديث يدور على هذه العلل. إذا، وهذا الحديث كما قلنا رواه الطبراني في الكبير، بل جاء في بعض نسخ كتاب التوحيد أن المؤلف بعد إيراده لهذا الحديث قال: "رواه أبو داود وضعفه". رواه أبو داود وضعفه، فهذه مجملة في بعض النسخ. المسألة الثانية: مع ضعف هذا الحديث من حيث الإسناد، لكن من حيث المبنى والمعنى والمضمون، فهو صحيح معناه صحيح. ولهذا علق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله رحمة الأبرار، علق على هذا الحديث بقوله: "حديث جبير بن مطعم في سنده بعض الضعف، لكن المعنى صحيح"، لكن المعنى صحيح. إذ أن معاني هذا الحديث والفقرات الموجودة فيه هي معاني صحيحة دلت عليها الأحاديث والآثار. الحديث الذي بين أيدينا، إخواني في الله، فيه كما قال جبير رضي الله تعالى عنه: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا"، إذن دل ذلكم على أن هذا الجهد الذي أصاب جميع الطوائف، أولًا الأنفس بالتعب، وهكذا العيال بما كان من الجوع، وهكذا ما كان منه الهلاك الأموال، كهلاك المزارع والنخيل والأجال، كل ذلك بسبب الجدب والقحط والجفاف، هذه من آثار قلة الأمطار وانعدامها. ولهذا فإن الغيث رحمة يرسله الله جل وعلا بين الفينة والأخرى لعباده، فيرسل رحمته سبحانه وتعالى فيسقي الأراضي والزرائع والأناسي والمخلوقات والهوام والدواب والسباع، فكلها تعيش على القطر، فهي من آثار رحمة الله على خلقه. فلما ذهبت نعمة المطر، ومن ثم ذهبت آثارها، كان المخرج من ذلك بطلب المطر. وكيف يطلب المطر؟ يطلب المطر من عند الله، المطر يطلب من عند الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى الذي يسقي البلاد والعباد. ولهذا أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال هذا الأعرابي: "فاستسق لنا ربك"، أي: اعمل لنا سقيا وسقاية. والاستسقاء في جلب الأمطار له عدة صور، له عدة صور، أحيانًا تكون برفع الأيدي إلى السماء، تكون برفع الأيدي، وقد وقع ذلك في الأحاديث الصحيحة أن يأتي من يأتي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فيقول: "يا رسول الله، استسق لنا"، فنبينا وهو على منبره يرفع يديه إلى السماء فيدعو: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا"، فيغيثهم الله، فيغيثهم الله سبحانه وتعالى. وهذا صور من صور الاستسقاء أن يكون بالدعاء. وأحيانًا بصلاة الاستسقاء، وهي صلاة معروفة مشهورة لها صفة معينة، يكون الخروج فيها إلى المصلى، ويصلي الإمام بالقوم مع خطبة والدعاء، وحينها يخرجون شعثًا غبرًا، يكون بهذه الصورة الدال على فقرهم وذلهم وحاجتهم لله، فلا يزالون يدعون الله عز وجل إلى أن يسقيهم. فالشاهد أن الله عز وجل بيده المطر، فتطلب منه. فقال هذا الرجل: "يا رسول الله، فاستسق لنا ربك، فإننا نستشفع بالله عليك وبك على الله". هنا الوقف الذي لأجله أو الشاهد من هذا الحديث الذي لأجله أورده المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو قول الأعرابي: "فإننا نستشفع بالله عليه". وهنا مكمن الخطأ، هنا مكمن الخطأ، هنا سيأتي التوبيخ من رسول الله عليه الصلاة والسلام والتأنيب على هذه العبارة التي لا تجوز في حق الله عز وجل. فإننا نستشفع بالله عليه، قد أذكرنا موضوع الشفاعة، وكيف أن الشفاعة تقوم على وجود شفيع وهو الوسيط، وأن الغالب في الشفعاء أن يكون دون مرتبة المشفوع إليه. فلما يقول هذا الأعرابي: "فإننا نستشفع بالله عليك"، أي: نجعل الله بيننا وبينك هو الشفيع، فغضب نبينا صلى الله عليه وسلم من هذه العبارة. وأما العبارة الثانية، قال: "وبك على الله"، لا غبار عليها، وأننا نستشفع بك على الله، لا غبار عليها، فيجوز الشفاعة بالخلق على الله عز وجل، أن تجعل بينك وبين الله خلقًا يشفعون لك عند الله، هذا لا شيء فيه، كما فعل هذا الأعرابي في طلب السقيا، هي عبارة عن نوع شفاعة، جعل رسول الله هو بينهم وبين الله في طلب السقيا، هذا نوع من أنواع الشفاعة، بدل أنهم دعوا الله مباشرة، قال: "لا، أنت يا رسول الله أن تكون بيننا وبين ربك فاستسقي لنا"، فهم جعلوا نبينا واسطة. هنا الاستشفاع بالخلق على الله جائز، لكن لا تعكس. وهنا الخطأ الذي وقع فيه الأعرابي في لفظه، وهذا الذي نبه عليه المؤلف في بابه، وهو أنك لا تستشفع بالله على خلقه، تجعل الله واسطة ووسيطًا بينك وبين الخلق، تسترضيهم بالله، لا، هذا لا يجوز، هذا من قلة الأدب والجرأة على الله سبحانه وتعالى. فقال هذا الأعرابي: "فإننا نستسقي"، قال: "فاستسقي لنا ربك، فإننا نستشفع بالله عليك وبك على الله". فقال عليه النبي صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله، سبحان الله"، كررها. والإتيان بالتسبيح، والإتيان بالتسبيح، قال العلماء: للاستنكار، لأن معنى التسبيح التنزيه، "سبحان الله" أي: أنزه الله، لأن هذه العبارة فيها الغض من مقام الرب سبحانه وتعالى، أي: نزه الله عن هذا، نزه الله عن هذا أن تجعل الله عز وجل وسيطًا بيننا وبينك، أو بين الخلق بعضهم بين بعض. فقال: "سبحان الله، سبحان الله"، فأنكر نبينا صلى الله عليه وسلم هذه العبارة بأن نزه الله سبحانه وتعالى. إذن، فقول القائل: "نستشفع بالله عليك وبك على الله"، علمنا مكمن الخطأ، أن الخطأ في العبارة الأولى، أما العبارة الثانية، ليس فيها خطأ. ولهذا الاستشفاع، وهو أنك تجعل وسيطًا بينك وبين الله بأحد من خلقه، ليس فيه شيء، وقد أشرنا إلى أن هذا بشروطه، بقيوده، أن يكون هذا عند الأحياء، يكون بدعائهم، كما فعل الصحابة في وقت حياة رسول الله، كانوا يلتمسون دعاءه: "استسقي لنا ربك يا رسول الله"، هذا موجه من أوجه الشفاعة بالأحياء في دعائهم. لكن إذا ماتوا، يغلق هذا الباب، ويغلق هذا الباب، كما يفعل ما عليه عباد القبور ممن يجعلون الشفاعة تجري حتى مع الموت، الميت ميت، ما ينتفع منه. ولهذا في باب الاستسقاء مثلًا، كما جاء في الصحيح أن عمر رضي الله تعالى عنه لما كانوا في المدينة وأصيبوا بالقحط والجدب وأرادوا الاستسقاء، بين عمر هذا الحكم، قال: "إنا كنا نستسقي برسول الله"، كنا متى كانوا لما كان حي، كهذا الحديث عليه الصلاة والسلام. فلما مات نبينا، ذهب والتمس قبره، الجواب: "لا"، وإنما قال: "قم يا عباس"، فكان العباس من قرابة رسوله وكان حيًّا، قال: "قم يا عباس واستسقي لنا ربك"، فقام العباس وأخذ يدعو ويصلي بالناس، فدل ذلكم على أن الشفاعة اتخاذ الحي شفيعًا بينك وبين ربك، ليس فيه شيء. مثال آخر: أنت بإمكانك أن تدعو ربك: "يا الله، اللهم أعطني، اللهم ارزقني، اللهم قر عيني بذريتي، اللهم استرحمني"، لكن أحيانًا تطمع بحي، تقول: "يا أخي، اسمع، لا تنسى، إزاك الله، اليوم جمعة وآخر ساعة، إذا دعوت الله لا تنسيني من دعائك، حفظك الله، أعطيني بشارة، سأدعو لك بما أدعو لنفسي"، هذا ماذا؟ هذا من باب الشفاعة، فتجعل هذا وسيطًا بيني وبين الله في دعائه. وهكذا قس، فهذا يجوز، فاستشفاع الإنسان بالأحياء إلى الله بدعائهم، هذا لا شيء فيه. ولهذا إنما الإنكار في هذا الحديث على الأمر الأول، فقال: "يا رسول الله، فإننا نستشفع بالله عليك وبك على الله". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله، سبحان الله". قال: "فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه"، أصحاب النبي الذي يلازمونه، علموا أن ما قام به هذا الأعرابي خطأ فادح، بماذا علموا؟ بتصرفات رسول الله عليه الصلاة والسلام، لربما الأعرابي قد لا يتفطن لهذا لأنه حديث عهد بلقاء برسول الله، لكن الصحابة لشدة احتكاكهم برسول الله ومعرفتهم ما الذي يرضيه وما هي علامة السخط، علموا أن هذا مما أثر في نبيهم، فعرف هذا في وجوههم، يعني مثل واحد كما يقال في مجلس، لما تعرف أن صاحبك قد زعل، فتجد أنك ماذا؟ تطأطئ برأسك وتحرك برأسك. فالصحابة علموا أن هذا الذي قاله الأعرابي قد أثر في رسول الله، وأن التسبيح من رسول الله إنما خرج مخرج ماذا؟ الغضب والاستنكار. قال: "حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه"، ثم قال: "ويحك، ويحك"، لم يقتصر نبينا فقط على ماذا؟ على الإشارة، بل صرح. والويح كلمة عتاب وكلمة توبيخ وتأنيب. قال: "ويحك، أتدري ما الله؟ أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك"، أي: لو أنت تعرف وتتأمل في ألفاظك لما وصلت إلى هذه الحالة أن تجعل الله عز وجل وسيطًا بيني وبينك. فإن شأن الله أعظم. وفي هذا بيان على أن الإنسان ينبغي أن يجعل لعظمة الله محلا في لسانه، وقبل ذلك في قلبه. فإن الإنسان كلما كان لله أعرف، كان منه أخوف. وما جر الناس إلى المخالفات على مستوى كل المخالفة، سواء كانت من الصغائر أو كبائر أو عظائم أو جرائر أو كانت من البوائق أو كانت من الكفريات، ما أوقعهم في ذلك إلا عدم التعظيم لجناب الرب سبحانه وتعالى، وما قدر الله حق قدره. فلو أن الإنسان أعطى لله جل وعلا قدره الذي يستحقه رب الأرباب جل وعلا، لما توصل الناس إلى هذه الأفعال من الخروج والعصيان لدينه والتمرد على شريعته. فقال عليه الصلاة والسلام: "أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه". وهذا والشاهد الذي أراده المؤلف من هذا الحديث، وكما أشرنا، وإن كان هذا الحديث فيه الإسناد فيه إعلال وضعف، لكن المعاني التي مرت فيه صحيحة، وخاصة حكم الباب، فإن هذا مما لا يجوز أن يكون به الخطاب، فضلًا أن يكون به الاعتقاد، أن تجعل الله عز وجل شفيعًا عند أحد من خلقه. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.