الدرس في التعليق على الجواب الكافي 98، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أصل الذنوب هو ترك المأمور وفعل المحظور، وتنقسم إلى أربعة أقسام. يشرح ابن القيم هذه الأقسام ويبين أمثلة عليها مثل الشرك بالله والتعاظم والكبرياء.
يناقش المقطع الشرك في الربوبية والاعتقاد في قدرة الأموات على النفع أو الضرر. كما يتطرق إلى الشيطانية ويصفها بالتشبه بالشيطان في أفعال مثل الحسد والخداع ودعوة الناس إلى البدع والمعاصي.
الذنوب تنقسم إلى سبعية وبهيمية وملكية وشيطانية وتجر الإنسان إلى مزيد من الذنوب. المعاصي تعتبر مدخلاً للشرك والكفر وتوصل إلى منازعة الله ربوبيته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل في أصل الذنوب. قال: ولما كانت الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها، تفاوتت عقوباتها في الدنيا والآخرة بحسب تفاوتها. ونحن نذكر فيها - بعون الله - فصلًا وجيزًا جامِعًا. على أن للذنوب درجات ومفاسد تختلف وتتفاوت، ولهذا تفاوتت أيضًا عقوباتها في الدنيا والآخرة. وذكر هنا الشيخ رحمه الله أصل هذه الذنوب، قال: أصلها نوعًا ترك المأمور وفعل المحظور. أن هذا أصل الذنوب: إما أن يترك مأمورًا أمر الله عز وجل به، أو نهي عن شيء فلا ينتهي فيفعله العبد. قال: وهما الذنبان اللذان ابتلى الله سبحانه بهم أبوي الجن والإنس. وكلاهما ينقسم - باعتبار محله - إلى ظاهر على الجوارح وباطن في القلوب، وباعتبار متعلقه إلى حق الله وحق خلقه. وهما الذنبان اللذان ابتلى الله سبحانه بهم أبوي الجن والإنس، معناه آدم عليه السلام والشيطان لعنه الله. قال: وإن كان كل حق لخلقه فهو متضمن لحقه، لكن سمي حقًا للخلق لأنه يجب بمطالبتهم، ويسقط بإسقاطهم. ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية وشيطانية وسبعية وبهيمية، لا تخرج عن ذلك. فهذه الذنوب أقسام: الذنوب إما أن تكون ملكية، أو شيطانية، أو سبعية، أو بهيمية. قال: فالذنوب الملكية أن يتعاطى ما لا يصلح له من صفات ربوبية، كالعظمة والكبرياء والجور والعلو بغير الحق، واستعباد الخلق ونحو ذلك. فهذه الذنوب الملكية التي يتعاطاها من يظن نفسه أنه يهيمن على الخلق، ويقهر الخلق، ويظلمهم، ويتجبر عليهم. قال: يدخل في هذا الشرك بالرب تعالى، وهو نوعان: شرك به في أسمائه وصفاته، وجعل آلهة أخرى معه، وشرك به في معاملته. وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار، وإن كان قد أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره، وهو الرياء أو ما يشابهه. قالوا: هذا القسم أعظم أنواع الذنوب، ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه وأمره. فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه ربوبيته وملكه، وجعل له ندًا. وهذا أعظم الذنوب عند الله، ولا ينفع معه عمل؛ لأنه شرك بالله في أسمائه وصفاته، فتصرف هذه الأفعال التي لله عز وجل خالصة له لمخلوق، فهذا الشرك في الربوبية: أن يعطى مخلوق ما هو لله، أنه ينفع ويضر، وأنه يفعل ويخلق، فيكون الخلق له عبيدًا أو مستعبدين بسبب خوفهم من هذا المخلوق، سواء كان ميتًا أو حيًا. كفرعون لما كان يعتقد فيه الناس أنه هو ربهم، وهو الذي بيده الأمر. وكذلك من اعتقد أيضًا في الأموات أنهم يفعلون مثل هذه الأمور ويتصرفون حيث شاء. ولهذا تجد بعض الناس من يعتقد فيهم هذا الأمر يخاف منهم، يخاف أن يضروه بشيء. كثير من هؤلاء الذين يعتقدون في الأموات تجد لا يعتقد أنهم ينفعونه أكثر مما يعتقد أنهم يضرونه، فلهذا تجد كثيرًا منهم يخافون أن يفعل كذا فيضره ذلك الميت. ولهذا - كما قلنا - بعض القبور كان يوضع عندها الأموال من الذهب والفضة، فيقولون: لا تسرق. وتجد أن الشخص - حتى السارق - يخاف أنه إذا أخذ شيئًا فإن صاحب هذا القبر يضره. وهذا خوف السر، الذي هو شرك بالله، شرك أكبر. قال رحمه الله: فصل أيضًا. قال: وأما الشيطانية فالتشبه بالشيطان في الحسد والبغي والغش والغل والخداع والمكر، والأمر بمعاصي الله وتحسينها، والنهي عن طاعة الله وتهجينها، والابتداع في دينه، والدعوة إلى البدع والضلال. هذه كلها من أمور الشيطان، هو داعي إلى الضلال، فمن نصب نفسه داعيًا إلى الضلال، ويدعو إلى الشهوات وإلى البدع، فهو مثل الشيطان. قالوا: هذا النوع - وإن كانت مفسدته دون النوع الأول - فهو في المفسدة قريب منه. قالوا: وأما السبعية فذنوب العدوان والغضب وسفك الدماء والتوثب على الضعفاء والعاجزين، ويتولد منها أنواع أذى النوع الإنساني، والجري على الظلم والعدوان. قالوا: هذه الذنوب السبعية شبهت بالسباع؛ لأنها تهجم على الإنسان وتؤذي أيضًا غيرها من الحيوانات، فهي معتدية. وهذا مثل الذي يعتدي على دماء الناس وعلى أموالهم وأعراضهم، فهو داخل في الظلم بأنواعه، على ظلم الاعتداء، الظلم على الغير. قال أيضًا: وأما الذنوب البهيمية فمثل الشره والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج. ومنها يتولد الزنا والسرقة وأكل أموال اليتامى والبخل والشح والجبن والهلع والجزع وغير ذلك. قالوا: هذا القسم أكثر ذنوب الخلق؛ لعجزهم عن الذنوب السبعية والملكية، ومنه يفضُلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرهم إليها بالزمام، فيفضُلون منه إلى الذنوب السبعية. يعني: إذا اعتدى الإنسان على حرمة الله جل وعلا، واتبع الشهوات، فهو لا شك أنه سيظلم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «واتقوا الشح؛ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا». في رواية مسلم: «فاستحلوا دماءهم». فالمراد أن الشح يعتبر من الذنوب البهيمية أصلا؛ أن الإنسان يطمع أو أناني لنفسه كل شيء يريده هو. ولهذا ينهمك في الشهوات، لكن هذه الأمور تجره إلى تلك الأمور، تجره إلى الذنوب السبعية؛ أنه يعتدي على غيره بسبب شهوته، وكذلك إلى الأمور الشيطانية من الغل والحسد وغيرها بسبب هذه الأمور، ثم إلى منازعة الربوبية والشرك في الوحدانية. قال: ومن تأمل هذا حق التأمل، تبين له أن الذنوب دهليز الشرك والكفر ومنازعة الله ربوبيته. أن الدهليز المكان الذي يدخل منه، مكان ضيق يدخل منه. فأيضًا كما قال بعض السلف: أن المعاصي بريد الكفر، وبريد الشرك، عن الذي يوصل إلى الشرك. فلهذا لها مداخل، أي: هذه الذنوب توصل العبد إلى الكفر بالله والشرك به سبحانه وتعالى. فهذا بعض ما ذكره المؤلف هنا في أقسام أصل الذنوب، وأنها أربعة كما ذكر: ملكية وشيطانية وسبعية وبهيمية. إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.