التعليق على الجواب الكافي 96

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 96، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تأثير الذنوب والمعاصي

الذنوب تؤثر على القلب وتسبب فساد الفطرة وتؤدي إلى حجاب القلب عن الله. تكرار الذنوب يؤدي إلى تراكم الران على القلب ويمنعه من الوصول إلى الله تعالى.

عواقب الإعراض عن الله

الإعراض عن ذكر الله يؤدي إلى المعيشة الضنك في الدنيا والبرزخ والعذاب في الآخرة. المعيشة الضنك تشمل كل ضنك يحسه الإنسان وضنك العيش وضنك القلب.

الحياة الطيبة ونعيمها

الحياة الطيبة وعد الله بها المؤمنين العاملين الصالحات. نعيم القلب وطمأنينته هو النعيم الحقيقي الذي يفوق نعيم البدن.

طرق ورود الحديث النبوي

الحديث مذكور في الصحيحين ورواه البخاري ومسلم من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر. البخاري رواه أيضاً من حديث أبي هريرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلى الله عليه وسلم، وبعد. قال المؤلف رحمه الله: إمام بيقيم في ما ذكره في تأثير الذنوب على القلب، قاله: منها لكس القلب حتى يرى الباطل حقا والحق باطلا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، ويفسد ويرى أنه يصلح، ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها، ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على الهدى، ويتبع هواه وهو يدعي أنه مطيع لمولاه. وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلب. وهذا يدل عليه ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تكون القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر كالكوز مجخيا أو مربادا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه». وهذا الذي فسر هنا لما بالقيم، فقال: «نكس القلب حتى يرى الباطل حقا، والحق باطلا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا»، أن تختلط عليه الأمور وتتغير فطرته؛ لأن قلبه منكوس، وقلبه أسود، فلهذا لا يرى إلا ما يهواه قلبه، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا ما أشرب من هواه»، فالذي تشربه قلبه فهو الذي يهواه. وهذا من أعظم الانتكاسات التي تكون في القلب. قالوا: منها حجاب القلب عن الرب في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة، كما قال جل وعلا: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾، ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. وأيضا مما يغطي القلب ويحجبه بسبب الذنوب والمعاصي: يأتيه الران، والران الذي يرين على قلبه ويغطي قلبه، وهو نفس السواد، لكن الران كما في قول أكثر العلماء هو أقل من الطبع والختم، فالران هو انتشار السواد في القلب حتى يغطيه، لكن لا يختم عليه؛ لأن الختم والإغلاق والقفل غالبا معنى ينجو صاحبه؛ لأنه يكون من الغافلين والذين يردون آيات الله، ولو جاءتهم كل آية لا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، أن ما تنفعهم الآيات ولا النذر، كما ذكر ربنا جل وعلا. وهذا مثاله أو ما يدل عليه حديث أبي هريرة الذي خرجوه أحمد وأبو داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أذنب العبد ذنبا نكتت فيه نكتة سوداء، فإن هو تاب ورجع سقل قلبه، فإن عاد عادت، حتى يعلو على قلبه الران»، أي إن عاد عادت وهكذا حتى تعلو على قلبه. قال: «وذلك الران الذي ذكر الله عز وجل ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾»، قال: «فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبين قلوبهم فيصلوا إليها فيروا ما يصلحها ويزكيها وما يفسدها ويشقيها، وأن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبين ربهم فتصلوا القلوب إليه فتفوز بقربه وكرامته وتقر به عينا وتطيب به نفسا، بل كانت الذنوب حجابا بينهم وبين ربهم وخالقهم». أن حجبتهم الذنوب عن القرب من الله جل وعلا، فازدادوا بعدا، وطالت عليهم المشقة، وطالت عليهم المسافة، فلهذا لم يستطيعوا أن يقطعوها؛ لأنهم ابتعدوا عن ربهم جل وعلا. قال: ومنها المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ والعذاب في الآخرة. قال جل وعلا: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾. قال: فسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، ولا ريب أنه من المعيشة الضنك، والآية تتناول ما هو أعم، ومنه: وإن كانت نكرة في سياق الإثبات، فإن عمومها من حيث المعنى؛ فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، فجاء الضنك نكرة في سياق الإثبات، فهي تعم كل ضنك يحسه الإنسان. وكذلك أيضا عمومها من ناحية المعنى أنها تشمل كل ضنك، ليس عذاب القبر فقط، بل هو من أشد الضنك الذي يجده الإنسان، لكن هناك أيضا كثيرا من الضنك الذي يجده الإنسان في هذه الحياة، منها ضنك العيش، وأيضا ضنك القلب وعدم راحته. قال: فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم، ولو كانت عنده الأموال كثيرة. قال: ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما يواريه عنه السكوت الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة، وإن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر، فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر؛ أنها تزيده غفلة، سكرات الشهوات من الملذات كذلك، شهوات الفرد والعشق المحرم وحب الدنيا والرياسة، فهذا تجده غافلا ويزيده غفلة وسكرة. قال: فإنه يفيق صاحبه، يصحب السكر الهوى وحب الدنيا لا يصح صاحبه، أن سكر الخمر يصح صاحبه إذا انتهى هذا السكر، لكن سكر الدنيا وسكر الهوى وسكر العشق غالبا لا ينزع صاحبه ولا يصح إلا إذا كان صاحبه في عسكر الأموات. فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم في دنيا وفي البرزخ ويوم معاده. ولا تقر العين ولا يهدأ القلب ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حق؛ فإن هذا هو الحقيقة أن العبد لا يطمئن قلبه إلا إذا كان مع الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، فراحة القلب هي ذكر الله، وكذلك أن يكون مع الله أي دائما في ذكره سبحانه وتعالى ومراقبته وخشيته؛ فإن هذا يطمئن القلب بذلك، وإلا فلا تطمئن النفس ولا القلب إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حق، كما قال هنا الإمام القيم رحمه الله: وكل معبود سواه باطل، فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله لم تقر عينه، معنى لم ترتاح لذكر الله ولسماع القرآن وللصلاة، فمن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، معنى يشغله الله عز وجل بالدنيا، من كان همه الدنيا فرق الله شمله وجعل فقره بين عينيه، بخلاف من كانت الآخرة همه جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه، الراحة الغنى في القلب القناعة التي يجدها، وهذا أطمن ما يكون فيه العبد أن يكون قلبه قانع مرتاح يرضى بكل ما جاءه عن الله. قال: والله تعالى إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن به وعمل صالحا، كما قال جل وعلا: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. قال: فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة والحسنى يوم القيامة، فلهم أطيب الحياتين، فهم أحياء في الدارين. ونظير هذا قوله جل وعلا: ﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين﴾. ونظير هذا قوله جل وعلا: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله﴾. قال: ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة، وحصلوا على الحياة الطيبة في الدارين. فإن طيب النفس وسرور القلب وفرحه وبهجته وطمأنينته وانشراحه ونوره وسعته وعافيته من ترك الشهوات المحرمة والشبهات الباطلة هو النعيم على الحقيقة، ولا نسبة لنعيم البدن إليه، أنا لا يقارن نعيم القلب من ترك هذه الشهوات المحرمة والشبهات الباطلة من نعيم البدن، أنا من الغنى أو ما يعتاده الإنسان لبدنه من الراحة من البيت مثلا الذي فيه أنواع الراحة. قال: فقد كان يقول بعض من ذاق هذه اللذة: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدوا عليه بالسيوف. وهذا ذكره غيره عن إبراهيم بن أدهم: أنه كان يأكل من الفرات معه خبزا يابسا، وكان يضعه في ماء الفرات ويأكله ويجد نفسه في راحة عظيمة، فقال: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه - أي من الراحة - لجالدوا عليه بالسيوف. وتنسى بلا الحسن، لكن لم يثبت في شيء من مصادر عن الحسن. وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. وقال الآخر: إن في الدنيا جنة هي في الدنيا كالجنة في الآخرة، فمن دخلها دخل تلك الجنة، ومن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. وهذا قد ذكره ابن القيم رحمه الله عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه الجنة بقوله: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر». أن هذه الحلق هي رياض الجنة وهي راحة القلب، فمن أحب العلم فهو في روضة من رياض الجنة وطمعنين عظيم. وهذا الحديث خرجه الإمام الترمذي وأحمد من طريق محمد بن ثابت البناني عن أبيه عن أنس، ومحمد متكلم في حفظه، لكن الشيخ يقول أنه حسن جاء ببعض الشواهد له، كما ذكره في الصحيحة برقم 2462. وقد جمع طرق هذا الحديث وحسنه بطرقه الشيخ الفاضل رحمه الله محمد عمر بن عبد اللطيف، ذكره في رسالة في الأذكار وبيّن أنه حديث صحيح. والشيخ محمد بن عمر قوي في علم الحديث وهو مصري قد توفي رحمه الله. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة». وهذا الحديث في الصحيحين، خرجه البخاري ومسلم، الحديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد رضي الله عنه. وجاء كذلك أيضا في البخاري من حديث أبي هريرة.