الدرس في شرح تعجيل الندى بشرح قطر الندى 88، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس بتعريف عطف النسق وحروفه، مبيناً أن الواو هي أصل الباب الدالة على مطلق الجمع دون ترتيب أو تعقيب إلا بقرينة. تُعرض أمثلة توضح جواز التقديم والتأخير والمعية في العطف بالواو.
ينتقل الشرح إلى حرف الفاء موضحاً أنها تفيد التشريك في الحكم مع الترتيب والتعقيب المباشر. تُقيد الفاء بتقديم المعطوف عليه على المعطوف وعدم المهلة بينهما بحسب السياق.
يفصل المقطع الفرق بين حروف العطف؛ فـ (ثم) تفيد الترتيب مع التراخي الزمني، بينما (حتى) تأتي للغاية والتدريج ولا تفيد الترتيب. تُذكر أمثلة قرآنية ونحوية توضح أثر هذه الدلالات في فهم النصوص وتحديد الأحكام كالتيمم.
يشرح دلالات حرف الغاية (حتى) مبيناً الفرق بين نصب ما بعدها لدخولها في الحكم وكسرها لانتهاء الغاية دون دخول، مع تأكيد عدم إفادتها للترتيب. يستعرض معاني (أو) الأربعة: التخيير، الشك، التقسيم، مع ضوابط التمييز وأمثلة قرآنية.
يختتم المتحدث الجلسة الحالية مؤجلاً استكمال الموضوع للدرس القادم. يختم بالبسملة والتوكل على الله.
طيب، قال: رابع العطف النسق. قولوا: عطف النسق بالواو، وهي لمطلق الجمع. عطف النسق هو التابع الذي يتوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف. وحروف العطف تسعة على الصحيح، سيأتي ذكرها حرفا حرفا. فبدأ أولا بالواو لأنها أم الباب، الواو أم الباب، فلذلك بدأ بها. فقال: بالواو، وهي لمطلق الجمع. والمراد بمطلق الجمع يعني الاشتراك في الحكم دون مراعاة لترتيب ولا تعقيب ولا معية إلا إذا وجدت قرينة. بخلاف بعض أحرف العطف ك "ثم" و "الفاء"، فلا تأتي لمطلق الجمع وإنما تقيد كما سيأتي معنا. قال: هذا النوع الرابع من التوابع وهو عطف النسق. وتعريفه: تابع يتوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف الآتي ذكرها. والنسق بفتح السين مصدر نسقت الكلام أنسقه، أي إذا واليت أجزاءه وربطت بعضها ببعض. يقول لك: شيء منسق، منسق يعني مرتب. وترتيب الكلام يعني أنك توالي بين الكلمات وتربط بعضها ببعض. يقول لك: هذا كلام مرتب، كلام منسق يعني مرتبط بعضه ببعض. والنسق بمعنى المنسوق، أي الكلام المنسوق بعضه على بعض. قال: وحروف العطف هي الواو، وهي لمطلق الجمع والاشتراك في الحكم بين المعطوف والمعطوف عليه لمطلق الجمع، بغض النظر عن ترتيبه أو تعقيبه أو نحو ذلك. ولا تفيد الترتيب ولا المعية إلا بقرينة، لأن الواو قد تكون للمعية. فمتى تكون للمعية؟ للقرينة، قرينة المعية كما سيأتي معنا. وقوله: ولا تفيد الترتيب، يعني سواء وقع الحكم على الأول أولا أو على الثاني أولا لا يرعى في ذلك. فلو جاء زيد ثم عمر، يصح أن تقول: جاء عمر وزيد، مع أن الذي جاء أولا هو زيد ليس عمر، لأن الواو لا تفيد ترتيبا، لا تفيد ترتيبا. قال: فقد يكون المعطوف متأخرا على المعطوف عليه. المعطوف الذي يأتي بعد الواو، والمعطوف عليه الذي يأتي قبل الواو. فقد يكون الذي بعد الواو متأخرا، يعني هو الأخير، والذي قبل الواو هو الأول. فعلى الأصل يكون هنا مرتب. نحو: تولى الخلافة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. فهنا مرتب لأن أول من ولي الخلافة أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر، فجاء بالواو هنا تفيد الترتيب. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾. نوح هو أول الرسل، وأما إبراهيم فهو متأخر. فهنا الواو جاءت ماذا؟ جاءت للترتيب. قال: وقد يكون المعطوف وهو الذي بعد الواو سابقا للمعطوف عليه، يعني سابقا لما قبل الواو. نحو: تولى الخلافة عمر وأبو بكر. هنا يجوز أن تقول هذا، فمن الذي ولي الخلافة أولا؟ أبو بكر. ومع هذا جاء بعد الواو لا قبلها، جاء بعد الواو لا قبلها. قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾. الرسول صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء والمرسلين، فذكر أولا: ﴿كَذَٰلِكَ يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، الذين من قبلي الأنبياء الأولون. فالواو جاءت للترتيب أو لعدم الترتيب؟ لعدم الترتيب. وضع هذا الآن فهي لمطلق الجمع. قال: وقد يكون المعطوف مصاحبا للمعطوف عليه، فلا تفيد ترتيبا لأنها تفيد المعية. لأن الأحوال ثلاثة: إما أن ما بعد الواو تكون بعد ما قبل الواو، وإما أن تكون قبل ما قبل الواو، وإما أن تكون معه. إذن الأحوال ثلاثة: قبل وبعد ومعه. فعرفنا أمثلة قبل الواو وبعدها فجاءت للترتيب ولعدم الترتيب، وقد تكون للمعية أيضا فلا تفيد الترتيب لأنها تفيد المعية. نحو: جاء خالد وعلي معه. الواو هنا للمعية بقرينة لفظ "معه". لفظ "معه" أفادنا ماذا؟ أفادنا أن الواو يراد بها المعية، أن الواو يراد بها ماذا؟ المعية. قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَصْحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ﴾. هذه قرينة لأن أصحاب السفينة كانوا معه، أي نوح، كانوا معه ليسوا قبله وليسوا بعده، كلهم طلعوا في سفينة واحدة وكانوا معه. فالواو هنا واو المعية، الواو واو المعية. فنجاة نوح ومن ركب معه في وقت واحد، في وقت واحد. قال: قوله: "والفاء للترتيب والتعقيب". قال: الفاء وتفيد التشريك في الحكم. ومعنى التشريك في الحكم: لو قلت مثلا: جاء زيد فعمر، فالمجيء وقع على زيد ووقع على عمر، فهذا هو معنى التشريك في الحكم، هذا هو معنى التشريك في الحكم. مع الترتيب والتعقيب. المراد بالترتيب: مجيء المعطوف بعد المعطوف عليه. المعطوف الذي يكون بعد الفاء، والمعطوف عليه الذي يكون قبل الفاء. فلابد في العطف بالفاء أن يكون ما قبل الفاء قبل ما بعد الفاء. قبله يكون مرتبا: أولا الذي قبل الفاء ثم الذي بعد الفاء. فلو قلت: جاء زيد فعمر، الأول من الذي جاء؟ زيد ثم جاء عمر. ولا يصح أن تقول: جاء عمر فزيد، إذا جاء أولا زيد لا يجوز ذلك لأن الفاء هنا تفيد الترتيب، فلابد أن تذكر الأول قبل الفاء والثاني بعد الفاء. بخلاف الواو يجوز هذا وهذا كما تقدم. فهذا هو معنى الترتيب. وأما التعقيب: فالمراد به وقوع المعطوف عقب المعطوف عليه بلا مهلة بسرعة. وهذه عدم المهلة كل بحسبه، كل بحسبه. ما معنى كل بحسبه؟ يعني مثلا تقول: جاء زيد فعمر، بمعنى أنه جاء بعده بخمس دقائق، بعشر دقائق، ما تأخر كثير ساعات ونحوها. واضح؟ فهذا قد يكون خمس دقائق، عشر دقائق. لكن لو قلت: تزوج زيد فولد له، الفاء هنا للتعقيب بمعنى أنه ما تزوج جلس سنتين أو ثلاث سنين أو أربع سنين ثم بعد أربع سنين جاءه مولود، لا. قد يكون سنة أو تسعة أشهر، أقل الحامل ستة أشهر مثلا. واضح؟ فإذن انظر: هناك خمس دقائق وهنا أشهر، كل بحسبه. واضح؟ كل بحسبه. قال: الفاء تفيد التشريك في الحكم مع الترتيب والتعقيب. ومعنى الترتيب: مجيء المعطوف بعد المعطوف عليه. ومعنى التعقيب: وقوع المعطوف عقب المعطوف عليه بلا مهلة، وهو في كل شيء بحسبه. تقول: دخل الخطيب فأنصت الناس. يعني إنصات الناس بعد دخول الخطيب، كانوا يتكلمون، دخل الخطيب سكت الناس. طيب، فهنا يفيد الترتيب والتعقيب لأن أولا تم إدخال أو تم دخول الخطيب ثم تم الإنصات، ثم تم الإنصات وهكذا. كان هذا الإنصات مباشرة، ما دخل الخطيب بقي يتكلمون ثم سكتوا، لا، مباشرة سكتوا. فهذا تفيد التعقيب والترتيب. وتقول: دخلت مكة فالمدينة. يعني أولا مكة وما جلست كثيرا في مكة حتى سافرت إلى المدينة. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾. أولا يكون الموت ثم يكون الإقبار، والإقبار يكون مباشرة عقب الموت، ما يتأخر الميت. ولذلك من السنة التعجيل بدفن الميت وقبره. قال: قوله: "ثم للترتيب والتراخي". ثم تختلف عن الفاء في التعقيب، فالفاء تفيد التعقيب، ثم لا تفيد التعقيب وإنما تفيد التراخي. والتراخي هو عكس التعقيب: انقضاء مدة زمنية طويلة بين وقوع المعنى في المعطوف عليه ووقوعه على المعطوف، فهذا يسمى تراخي ضد التعقيب. وأما الترتيب فكلاهما يفيدان الترتيب. ومثلة معرفة معاني هذه الأحرف هذا حتى يفيد طالب العلم في كثير من المسائل الشرعية. فمثلا جاءت في رواية التيمم وهي في الصحيحين، بل في حديث عمار في الصحيحين، أنه قال له: يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تقول هكذا ومسح يديه ووجهه، فقدم اليدين على الوجه. فبعضهم قال: إذن يبدأ أولا باليدين ثم بالوجه. فرد عليهم أن الواو هنا لا تفيد ترتيبا، الواو لا تفيد ترتيبا، فيؤخذ الترتيب من روايات أخرى ومن عموم آية التيمم. قال الله عز وجل: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾. القرآن جاء بتقديم ماذا؟ الوجه على اليدين. وأما الحديث جاء بتقديم اليدين على الوجه لكن جاء بالواو، والواو لا تفيد ترتيبا. فإذن نبقى على أصل الترتيب كما جاء في الوضوء وكما جاء في الآية. قد يقول: الآية أيضا جاءت بالواو. فنقول: نعم جاءت بالواو على الأصل، على الأصل وهو أن الوضوء يبتدأ فيه أولا بالوجه ثم اليدين، والتيمم إنما هو ماذا؟ إنما هو يكون بدلا من الوضوء، بدلا من الوضوء عند تعذره. وهكذا في غيرها من المسائل الفقهية التي يتحدث فيها العلماء عن الترتيب، فإذا جاء ترتيبها بالواو فيقولون: الواو لا تفيد ترتيبا، لا تفيد ترتيبا. قال: قال قوله: "وثم للترتيب والتراخي". قال: ثم وتفيد التشريك في الحكم مع الترتيب والتراخي. ومعنى التراخي: انقضاء مدة زمنية طويلة بين وقوع المعنى على المعطوف عليه ووقوعه على المعطوف. وبيرجع تقدير المدة للعرف، يعني هل هي طويلة أو قصيرة هذا يرجع إلى العرف، يرجع إلى العرف. فمثلا لو قلت لك: لو قلت لك مثلا: اذهب إلى السوق ثم إلى المسجد. فهنا أولا ستذهب إلى السوق، لكن هل مباشرة بعد ذهابك إلى السوق تذهب إلى المسجد؟ لا، قد تذهب إلى السوق ثم تتأخر في السوق تجلس ساعتين، ثلاث ساعات، أربع ساعات ثم تذهب إلى المسجد، لأنه أتى لك بالفاء... أتى لك ب "ثم" أنا عفوا أريد "ثم" يعني لحنا في "ثم" الآن. اذهب إلى السوق ثم إلى المسجد. ف "ثم" هنا تفيد ماذا؟ تفيد التراخي. بعكس لو قال لك: اذهب إلى السوق فالمسجد. فهنا لا تتأخر في السوق، مباشرة تذهب إلى المسجد. قال: نحو: تولى الخلافة عمر ثم عثمان. فهنا مسافة بينه خلافة عمر وخلافة عثمان. قال تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾. فالنشور بينه وبين الإقبار فترة، فترة زمنية. فلذلك أتى ب "ثم". عند الإقبار بعد الموت أتى بالفاء لأنها تفيد ماذا؟ تعقيبا. أما عند البعث والنشور فأتى بماذا؟ ب "ثم" لأنها تفيد تراخيا، تفيد التراخي. قال: قوله: "وحتى للغاية والتدريج لا للترتيب". الغاية هي النهاية، يعني يؤتى بها في إثبات الحكم إلى النهاية، والتدريج في ذلك. قال: حتى وتفيد الاشتراك في الحكم مع الغاية والتدريج. ومعنى الغاية: النهاية، أي أن ما بعدها غاية لما قبلها، ينتهي الحكم عنده، خلاص بعده ينتهي الحكم. ومعنى التدريج: أن ينقضي ما قبلها شيئا فشيئا، يعني ليس دفع واحدة إلى أن يبلغ الغاية. ولهذا يشترط في المعطوف بها أن يكون بعضا مما قبله. نحو: فر الجنود حتى القائد. فهنا فر الجنود حتى القائد، حتى القائد، فالقائد هنا معطوف على الجنود. ف "حتى" هنا تفيد الغاية، يعني ما يزال الجنود يفرون حتى فر قائدهم، فانتهى الفر من الجميع. ومثله: أكلت السمكة حتى رأسها بالفتح. ف "حتى" هنا ماذا؟ حرف عطف، عطف يعني: أكلت السمكة فانتهى أكل لها عندما أكلت رأسها. فهي للغاية، فهي للغاية. فمعنى ذلك أن رأسها مأكول، أن رأسها ماذا؟ مأكول. وحتى قد تأتي غير عاطفة إنما حرف جر، أو تأتي حرف غاية تؤول مع ما بعده بمصدر. فمثال مجيئها للجر: قوله تعالى: ﴿سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾. فمطلع هنا مجرور ب "حتى". فهنا "حتى" جاءت حرف جر ليس حرف عاطف. واضح. وقد تأتي كذلك مؤولة مع ما بعدها، مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ﴾ أو ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْحَقُّ﴾. تبين، ف "حتى" هنا تؤول مع ما بعدها بمصدر، وليست هنا معطوفة. ولذلك في المثال المتقدم يجوز في "حتى" المعاني الثلاثة أو المعنيين: أما بالرفع فأيضا "حتى" قد تكون ابتدائية، ومعنى ابتدائية يعني تفتتح بها جملة جديدة، جملة جديدة. فإذن "حتى" الآن ذكرنا لها أربع معاني: قد تكون حرف عطف، قد تكون حرف جر، قد تكون حرف بعدها الفعل يؤول بمصدر لأن الفعل ينصب بأن مضمر وجوبا بعدها، وقد تكون ابتدائية بمعنى أن ما بعدها جملة مستأنفة جديدة. ويمثلون على ذلك بما تقدم: أكلت السمكة حتى رأسها. "حتى" هنا ماذا؟ حرف عطف. وحتى رأسها باعتبار "حتى" ماذا؟ حرف جر. وحتى رأسها باعتبار "حتى" هنا ماذا؟ ابتدائية. واضح؟ فعلى تقدير: أكلت السمكة حتى رأسها، تقول: حتى حرف غاية وعطف، ورأس معطوف على السمكة وهو منصوب مثله. وعلى هذا فالرأس مأكول، والرأس ماذا؟ مأكول، بأن ما بعد "حتى" يدخل فيما قبله، يدخل فيما قبله. وأما على الكسر: أكلت السمكة حتى رأسها، أي توقفت عند الرأس. وقالوا: "حتى" إذا جاءت جارة ما بعدها لا يدخل فيما قبلها، لا يدخل فيما قبلها. نعم فهي بمعنى "إلى"، بمعنى "إلى". ولذلك في قولي: ﴿حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾، فمطلع الفجر ما يدخل في ليلة القدر. فليلة القدر متى تنتهي؟ تنتهي قبل طلوع الفجر. فإذا طلع الفجر انتهت ليلة القدر. وهكذا في قولك: أكلت السمكة حتى رأسها. فهنا جاءتك سمكة فأكلت، أكلت إلى أن وصلت إلى الرأس، توقفت، خلاص، الرأس ما أكلته. فالرأس هنا غير ما أكل، الرأس غير ما أكل. وأما قولك: حتى رأسها، فرأس هنا مبتدأ والخبر محذوف دل عليه المعنى المتقدم، فيكون التقدير: أكلت السمكة حتى رأسها مأكول، فيكون هنا الرأس مأكول. ففي هذا المثال معنيان: فيهما الرأس مأكول، ومعنى فيهما الرأس غير مأكول. واضح هذا الآن؟ قال: ولا تفيد الترتيب بل هي كالواو للجمع والاشتراك في الحكم كما تقدم. لأنك تقول: حفظت القرآن حتى سورة البقرة. فهنا قد يكون سورة البقرة حفظتها قبل سورة مثلا آل عمران أو قبل سورة النساء، وإنما ذكرت ذلك من باب أن سورة البقرة مثلا من أفضل السور أو من أطول السور أو نحو ذلك، فلا يفيد ترتيبا. قال: لأنك تقول: حفظت القرآن حتى سورة البقرة، وإن كانت أول ما حفظتها فهي لا تفيد الترتيب. قوله: "وأو لأحد الشيئين أو الأشياء". مفيدة بعد الطلب: التخيير أو الإباحة. وبعد الخبر: الشك أو التشكيك. أو أيضا من أحرف الجر ولها معاني، لها معاني. فذكر هنا أربع معاني من معانيها وسيزيد الشارع. فذكر من معانيها التخيير، وذكر من معانيها الإباحة، وذكر من معانيها الشك، وذكر من معانيها التشكيك. والفرق بين الشك والتشكيك: فالشك من المتكلم، وأما التشكيك فهو إيقاع السامع في الشك، إيقاع السامع في الشك، مع أن المتكلم لا يشك، المتكلم لا يشك، فهو يشكك السامع، يشكك السامع. وكيف تعرف معانيها؟ لها ضوابط، لها ضوابط. فمن ضوابطها: أولا تكون للطلب أو التخيير إذا كانت مسبوقة بأمر قبلها أمر. وكيف تميز بين التخيير والإباحة بالمعنى؟ مثال التخيير: مثلا: تزوج هذا. "تزوج" فعل أمر، صح؟ فإذا "أو" أتت بعدها إما أن تفيد الطلب، وإما أن تفيد التخيير، وإما أن تفيد الإباحة. وما الفرق بين التخيير والإباحة؟ التخيير: تختار واحد، إما المعطوف أو المعطوف عليه. وأما الإباحة: فلك أن تختارهما جميعا، يباح لك هذا وهذا، ولا تخير بين أحدهما. سيأتي بالمثال. فقولك مثلا: تزوج حفصة أو أختها. فهنا ليس للإباحة وإنما هنا أتى للتخيير، فليس لك أن تجمع بينهما لأن لا يجوز الجمع بين المرأة وأختها. فهنا "أو" أتت لماذا؟ للتخيير: تزوج حفصة أو أختها. ومثال الإباحة: اقرأ النحو أو البلاغة. فيجوز لك هنا أن تجمع بين القراءة في النحو والقراءة في ماذا؟ في البلاغة. لا ينهاك ولا يخيرك. وتقدمه أمر وهو "اقرأ"، وهو "اقرأ"، "اقرأ" فعل أمر. وأما الشك: مثل قوله تعالى: ﴿حَضَرَ صَالِحٌ أَوْ عَلِيٌّ﴾، إذا كنت لا تعلم من حضر منهما، وأنت المتكلم، وأنت المتكلم. نجي أقول لك: حضر صالح أو أحمد، أنا لا أدري من هو، تشكك في ذلك، أريدك أن ترفع عني ذلك الشك. وضابط مجيئها للشك والتشكيك أنها تأتي... يأتي قبلها خبر، ليس أمر، خبر. فقول مثلا: حضر صالح أو علي. "حضر" هنا فعل ماض، ليس فعل أمر. تمام. ومنه قوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. لأن "لبثنا" هنا خبر وليس أمر، فهم تشككوا، فهم شكوا في ذلك: هل لبثنا يوم أو بعض يوم؟ فاضح هذا وقع من المتكلم. وأما التشكيك: كي يقع إيقاع السامع في الشك، والمتكلم على يقين من أمره. ومنهم من يعبر عنه بالإبهام. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. فهذا تشكيك في السامع، وأما المتكلم وهو الله عز وجل فهو يعلم بمن هو على هدى ومن هو في ظلال مبين. طيب. قال: "أو وهي لإحدى الشيين أو الأشياء". فإن كانت مسبوقة بأمر فهي للتخيير أو الإباحة. مثال التخيير: تزوج حفصة أو أختها. ومثال الإباحة: اقرأ نحو أو البلاغة. والفرق بينهما: جواز الجمع بين المتعاطفين في الإباحة دون التخيير. الجمع بين المتعاطفين في الإباحة: لك أن تجمع بينهما، دون التخيير يعني ما يجوز لك أن تجمع بين ما جاء للتخيير. وإن كانت مسبوقة بخبر فهي للشك أو التشكيك. فالشك من المتكلم في الحكم، نحو: حضر صالح أو علي، إذا كنت لا تعلم من حضر منهما. ومنه قوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. والتشكيك: يقع السامع في الشك، ويعبر عنه بالإبهام كما في المثال السابق إذا كنت تعلم الحاضر منهما، أنت عندك علم لكن تريد أن تشكك بالسامع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ وَإِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. وتفيد أيضا التقسيم، هذا معنى رابع أضافه الشارح، وهو أن "أو" قد تفيد التقسيم. فتقول: الاسم نكرة أو معرفة. وتقول: الكلمة اسم أو فعل أو حرف. فأو هنا تفيد ماذا؟ التقسيم. ليست للإباحة ولا لكذلك التخيير ولا للشك ولا للتشكيك، وإنما هي للتقسيم. طيب، لكم الماباق إن شاء الله في درسنا قادم. إلى هنا والله أعلم.