الدرس في آداب الرؤى والأحلام 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش هذا الفصل مفهوم الرؤية الصادقة أو الصالحة وتفسيرها وأهميتها في حياة المسلمين. يقدم أمثلة من السلف الصالح وتفسيرًا لبعض الآيات والأحاديث ذات الصلة.
يتناول هذا الفصل الفوائد والفضائل المرتبطة بالرؤية الصالحة، حيث تثبت المؤمن على إيمانه وتمنحه الراحة وانشراح الصدر وتعتبر بشارة بخير قادم.
يبحث هذا الفصل في علاقة الرؤية الصالحة بالنبوة، حيث تعتبر جزءًا من النبوة وتشبه الأنبياء في اطلاعهم على بعض الأمور الغيبية، ويتم تسليط الضوء على الأحاديث النبوية ذات الصلة.
يتناول هذا الفصل أهمية اكتساب الرؤية الصالحة والصفة التي يمكن من خلالها الحصول عليها، مع الإشارة إلى أنه سيتم التطرق لبعض مسائلها في دروس قادمة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا، إخواني في الله، في هذا الباب، في باب الرؤى والمنامات والأحلام، وما يتعلق بها من أقسام وتفريعات. وذكرنا أن الرؤى، وما يراه النائم، على ثلاثة أقسام. مر معنا القسم الأول، وهو حديث النفس، وعلمنا ما هو الضابط في ذلك، وما هي دلالته، وأنه لا حكم يتعلق به. والأمر الثاني ما كان من القسم الثاني من المنامات، ما كان من رؤى الشيطان أو من حلم الشيطان، وذكرنا الأمارات والعلامات والدلالات التي تدل على أنه من الشيطان، ما كان فيه تخويف، ما كان فيه تحزين، ما كان فيه تلاعب، ما كان فيه تشهير، كل ذلك إنما من فعل الشيطان. وننتقل، إخواني في الله، إلى القسم الثالث من أقسام المنامات، وهو ما يراه النائم في نومه، وما يسمى بالرؤية الصادقة، والرؤية الصادقة، إخواني في الله، هي الرؤية الصالحة، كما جاء تفسيرها في بعض الأحاديث، وهو أن ينام النائم فيرى في نومه منامًا يسره، ما يكون فيه التبشير، ما يكون فيه الخير، ما يكون فيه راحة البال. وهذه الرؤية الصالحة، إخواني في الله، إنما يراها النائم لعدة أمور، منها أنها تأتي بشارة للمسلم، يبشر بأمر خيري، قد يكون هذا الخير فيك أو يكون في أهلك أو يكون في عيالك أو لمن تحب، فيه بشارة. ولهذا وجد من بعض السلف أنهم ذكروا في قوله سبحانه وتعالى ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، جاء عن بعض السلف، كما نقل ذلك عن عروة بن الزبير وعن غيره، أن البشرى هي الرؤية الصالحة، هذه بشرى من الله سبحانه وتعالى يجعلها لعباده الصالحين. ومن ذلك، مثلًا، من هذه الرؤى الصالحة، ما وقع لأم العلا الأنصارية رضي الله تعالى عنها، عندما مات زوجها حزنت عليه حزنًا شديدًا، فلما نامت رأت في منامها أنها رأت زوجها وله عين تجري، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر هذا المنام، والحديث في البخاري، فلما أخبرته بهذا المنام، قال عليه الصلاة والسلام: «ذلك عمله»، فهذه بشارة خير، وأن هذا الصحابي مات على خير، وأن له الأعمال تجري بين يديه، دلالة على أن عمله الصالح يجري له بعد موته، فهذا دلالة على كثرة أجره عند ربه سبحانه وتعالى. فهذه تبشير، بشرى لهذه المؤمنة أنها بشرت في زوجها عن طريق ماذا؟ عن طريق المنامات، وما تسمى بالرؤية الصالحة والرؤية الصادقة. وهذا الحديث كذلك فيه إشارة إلى أن الرؤية الصالحة ليست خاصة بالرجال، بل هي عامة، يدخل في ذلك الرجل ويدخل في ذلك المرأة، الذكر والأنثى. وما تأتي به بعض الأحاديث التي فيها أن الرؤية الصالحة يراها المسلم، إنما هذا جاء مخرج التغليب، خرج مخرج الغالب والتغليب، وإلا المرأة كهذا الحديث، فلقد رأت رؤية صالحة صادقة. ومن ذلك كذلك من فوائد الرؤية الصالحة أن يكون فيها تحذير من شر، تحذير من خطر لربما أنت ستقع فيه، فتأتي هذه البشارة أو هذه الرؤية المنامية فيها التحذير لك، أو كذلك تأتي هذه الرؤية الصالحة والصادقة فيها تثبيت لك، تثبتك على الخير الذي أنت فيه. ومن هنا جاءت الأحاديث التي ثبتت في البخاري ومسلم، عما يكون في آخر الزمان، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤية المؤمن تكذب»، هذا متى؟ إذا اقترب الزمان. وأنتم تعلمون هذه اللفظة «اقتراب الزمان» دلالة وإشارة إلى هذه الحقبة الزمنية التي ستأتي وهي مليئة بالشرور، مليئة بالشبهات والشهوات والضلالات. فلماذا في هذه اللحظات رؤية المؤمن لا تكذب تكون صادقة؟ قال العلماء: لأن فيها تثبيتًا له، تثبيتًا له على إيمانه، تثبيتًا له على منهاجه، تثبيتًا له على ما كان من تمسكه بشريعة ربه، فهذا، إخواني في الله، من فوائد الرؤية الصالحة أنها تأتي تثبيتًا لعباده الصالحين. نأتي إلى مسألة كذلك مهمة في هذا المبحث، مبحث ما هي الفضائل التي يجدها المسلم من هذه المنامات، والتي فيها ما يسر الحال، وما يسمى بالرؤية الصالحة أو الصادقة. أولًا، إخواني في الله، أن تعلم أنها من عند الله، وقد مر معنا في أوائل هذا المبحث قوله عليه الصلاة والسلام: «الرؤية من الله والحلم من الشيطان»، مر معنا الحلم من الشيطان، وكيف أن الشيطان يأتي إليك في منامك فيفزعك ويهول عليك المنامات ويضيق عليك الحال ويكدر عليك النوم، هذا فعل الشيطان. لكن ما ظنك بفعل الرب سبحانه وتعالى؟ فإن الله يجعل لك من الرؤية ما فيه الراحة لك. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «الرؤية من الله»، قال العلماء: إشارة إلى أنها حق، لأن ما عند الله جل وعلا غير قابل لا للتشكيك ولا للتكذيب ولا للرد. وقد جاءت بعض روايات التي فيها وصف نبينا صلى الله عليه وسلم بأن الرؤية الصالحة حق، بمعنى أنها واقعة، فهي تقع بأمر من الله جل وعلا، فمن رأى رؤية صالحة ففيها يعتقد ويعلم أنها من عند الله، وأن الله اصطفاك بها، وكفى أن الله أضافها إليه، أضاف الرؤية إليه «الرؤية من الله» سبحانه وتعالى، فهذه من أعظم فضائلها. والأمر الثاني، وقد مر معنا أنها بشارة، تبشرك يا عبد الله، تبشرك بخير ستأتي إليه، إما فيك أو في أهلك أو في عيالك. كذلك أنها مما تعجب الرأي، تعجب الرأي، بخلاف ما مر في حلم الشيطان، فإن فيها التكدير والتخويف والتفزيع والتهويل، لكن في حق الرؤية الصالحة للمؤمن، فإن فيها الراحة وانشراح الصدر، فهو يعجب بها. ولهذا أخبر نبينا بمشروعية أنك تفشيها، أخبر من تحب، قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى رؤية تعجبه فليحدث بها، فإنها بشرى من الله»، هذا بخلاف ماذا؟ بخلاف حلم الشيطان، فإنك لا تخبر بها أحدًا، لا قريب ولا صديق، لكن ما كان من البشرى، ما كان من الذي أنت قد أعجبك رؤياك في منامك، فهذا من الله، ولك، يا عبد الله، أنك تحدث بها من تحب. أكذلك من فوائد الرؤية الصالحة، إخواني في الله، أنها جزء من أجزاء النبوة، جزء من أجزاء النبوة، فقد ثبت ذلك في الصحيحين، عن جمع من الصحابة، جاء من حديث أبي سعيد الخدري، وجاء من حديث عبادة، ومن حديث أنس، وجاء كذلك من حديث ابن عمر، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرؤية الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»، الرؤية الصالحة. وحديثنا عنها يعتبر، قال عليه الصلاة والسلام: «جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»، هذا العدد، إخواني في الله، نعم، جاءت ألفاظ أحاديث: ستة وأربعين، خمسة وأربعين، تسعة وأربعين، سبعين، أربعين، وعشرين جزءًا من النبوة، على روايات كثيرة. أكثر الروايات، كما ذكر ذلك المحققون، أكثر روايات على ستة وأربعين جزءًا من أجزاء النبوة، هذا إذا أردنا الترجيح. وإن أردنا الجمع، قال العلماء: أن هذا العدد يختلف باختلاف الرائي. وما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «الرؤية الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»؟ قال علماء: مفاد هذا الحديث على أن الله جل وعلا يطلع النائم على بعض الأمور التي غيبت عنه، كحال الأنبياء، فإن الأنبياء من صفاتهم ومما حباهم الله جل وعلا أن الله يطلعهم على أمور قد غيبت عليهم. وأنت، أيها النائم، في مثل هذه الحيثية شابهت الأنبياء في جزء من أخلاقهم، اكتسبت عندك شيء مما وافقت ما عليه الأنبياء، الأنبياء عليهم أشياء كثيرة، أجزاء كثيرة من النبوة، ما أحد تحصل عليها إلا هم، لكنك بالرؤية الصالحة أخذت شيء منهم. فهل معنى هذا أنك نبي أو رسول؟ لا، وإنما أخذت شيء مثل ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «التؤدة والاقتصاد والسمت الحسن جزء من أربع وعشرين جزءًا من النبوة»، فقول: «السمت، التؤدة، التمهل والتأني في أمورك، والاقتصاد وهو التوسط، والسمت الحسن الهدي الطيب»، هذه أشياء من علامات كانت عليه الأنبياء، فالمسلم يحرص عليها. وهكذا الرؤية الصالحة مما كان عند الأنبياء، إذ أن الأنبياء رؤياهم حق، فالرؤية الصالحة، إخواني في الله، هي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهذا، يا عبد الله، فيه بيان لفضيلة هذا المنام، فضيلة لهذه المنامات الصالحة والتي يراها المؤمن في منامه. فهذا، إخواني في الله، ما يذكر ببعض فضائلها. طبعًا بقيت هناك مسائل متعلقة بالرؤية الصالحة، ومنها كيف يتحصل المؤمن على الرؤية الصالحة؟ فذكر العلماء أن هناك أشياء، صفات وأعمال، يمكن عن طريقها أن تكتسب هذه الرؤية الصالحة، وما يتعلق بشيء من مسائلها، يترك هذا بإذن الله في دروس قادمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.