الدرس في كتاب الحدود 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل حكم قتال أهل البغي وأحكامه، مشيراً إلى الشروط الثلاثة لقتالهم وعدم جواز قتل أسيرهم أو غنم مالهم. يُستدل على ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
يتناول هذا الفصل ضوابط قتال البغاة والفرق بينهم وبين الكفار، مشدداً على ضرورة وجود تأويل سائغ لهم وتأويلهم يكون مستندًا إلى دليل شرعي. كما يوضح الفروق الجوهرية بين قتال البغاة و قتال الكفار.
يركز هذا الفصل على تحريم قتل المعاهدين وترويع الناس، موضحاً أن قتل المعاهدين محرم حتى وإن كانوا كفاراً، ويعد مرتكبه مرتكباً كبيرة يُعاقب عليها.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. قال القاضي أبو شجاع الأصفاني رحمه الله في كتاب متن الغاية والتقريب المشهور متن أبي شجاع: فصل، ويقاتل أهل البغي بثلاثة شرائط: أن يكونوا في منعة، وأن يخرجوا عن قبضة الإمام، وأن يكون لهم تأويل سائغ. ولا يقتل أسيرهم، ولا يغنم مالهم، ولا يذفف على جريحهم. هذا الفصل في حكم قتال أهل البغي، والبغاة هم قوم يجتمعون فيخرجون عن الإمام، يخرجون على الإمام يعني عن طاعته، ويمنعون عن أداء ما يجب عليهم من الطاعة والسمع له، وربما قاتلوا جماعة المسلمين، ويكون لهم تأويل سائغ في ذلك. يكون لهم تأويل سائغ في خروجهم عليه، وسموا بغاة لعدولهم عن الحق وخروجهم عن ما عليه عامة المسلمين، لعدولهم عن الحق وما عليه أئمة المسلمين. والأصل في قتال أهل البغي قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. فدلت الآية على أن الطائفة والفئة الباغية تقاتل تقاتل بأمر الإمام وبإذنه. وهذا البغي هو بغي طائفة على طائفة، فكيف إذا كان البغي على إمام المسلمين نفسه؟ فلا شك أن قتالهم من باب أولى. وكذلك أيضا ما ثبت في السنة من أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتال من خرج على ولي الأمر، كحديث عرفجة: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه». وفي رواية: «فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان». فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتال من خرق الفئة والطائفة التي تخرج على الإمام وتريد نزعه أو قتاله وتفريق جمع المسلمين، فإنها تقاتل، لكن لقتالهم شروط. قال رحمه الله: بثلاثة شرائط، يعني يقاتل أهل البغي وقتالهم واجب كما سمعنا في الآية أو في الحديث. الله عز وجل يقول: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، أي ترجع إلى أمر الله وتطيع وتترك ما عليه من المعصية ونزع يد الطاعة. قال: بثلاث شرائط. قال: أن يكونوا في منعة، أن يكونوا في منعة، معنى منعة يعني شوكة، يكون لهم شوكة وقوة، أن يكون لهم شوكة وقوة يمنعون بها من طاعة الإمام وبها يقاومون الإمام ومن معه من أهل العدل. قال: أن يكونوا في منعة، وأن يخرجوا عن قبضة الإمام، أن يخرجوا عن قبضة الإمام، يعني يخرجوا عن سلطانه وولايته، كأن ينفردوا عن بلده في قرية أو في مكان يتجمعون فيه. أما إذا كانوا في بلد الإمام فلا يعدون بغاة، إذا كانوا في بلد الإمام ولم ينفردوا ويخرجوا إلى الصحراء مثلا أو قرية منفصلة عن ولاية الإمام، فهنا لا يكون بغاة. وقيل: إن هذا لا يشترط، هو الصحيح أن هذا الشرط ضعيف، وصحيح في المذهب أن هذا الشرط لا يشترط، أي أن يخرجوا عن قبضة الإمام، بل ولو كانوا يعيشون في مدينة الإمام بلده واستعصوا عن طاعته والاستجابة لأمره، فإنهم يعدون بغاة. هذا الذي حققه المحققون في مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، كالإمام النووي رحمه الله. قال: وأن يكون لهم تأويل سائغ، هذا الشرط الثالث، أن يكون لهم تأويل سائغ، يعني لهم شبهة محتملة من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثل هؤلاء ما حصل من أولئك الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه بتأويل، فقالوا: كيف لا يقتل علي؟ قتل عثمان، وهم معه، والله عز وجل أمر بالقصاص وبقتل القاتل، هذا تأويل، يعني شبهة. وكذلك أيضا ما حصل من مانع الزكاة بزمن أبي بكر رضي الله عنه، لما امتنعوا من أداء الزكاة واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، قالوا: فنحن لا ندفع الزكاة إلا لمن صلاته سكن لنا، وهو النبي عليه الصلاة والسلام، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم، فبهذه الشبهة أرادوا أن يمنعوا الزكاة، فهذا تأويل سائغ، له يعني دليل وشبهة من كتاب الله أو من سنة رسوله. أما إذا لم يكن لهم تأويل سائغ، فاعتبرون قطاع طرق، يعتبرون قطاع طرق، ليسوا ببغاة، إذا اختل الشرط من هذه الشروط، فإنهم لا يعتبرون بغاة، وإنما يعتبرون معاندين وعصاة ومتمردين. قال: ولا يقتل أسيرهم، ولا يغنم مالهم، ولا يذفف على جريحهم. قبل القتال يسعى في الصلح، يسعى في الصلح، فإن كان لهؤلاء القوم يعني شبهة، فيبعث لهم الإمام والحاكم من عنده علم وفطنة، فيذهب يجادلهم ويناظرهم ويفند شبههم ويبين لهم الحق من الباطل قبل القتال، ويدعو إلى الصلح ويحذرهم من الاستمرار على بغيهم، وأن ذلك سيؤدي إلى قتالهم، كما فعل علي رضي الله عنه لما بعث ابن عباس إلى الخوارج الذين خرجوا على علي، فناظرهم وبيّن شبههم، فرجع منهم أربعة آلاف، وبقي ألفان، فقاتلهم علي رضي الله عنه. ودليل ذلك قول الله عز وجل: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، أمر الله عز وجل بالإصلاح، فإن أمكن الإصلاح فهو المطلوب، وإن لم يمكن فأبوا إلا البغي والاستمرار على ما هم عليه، فحينئذ يقاتلهم الإمام ومن معه من المسلمين، فإنهم يقاتلون معه لأن الله عز وجل أمر بذلك، فقال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، الخطاب للإمام ولي الأمر ومن معه من المسلمين. ولأن أبا بكر رضي الله عنه لما قاتل مانع الزكاة، قاتل معه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. نعم، لكن قبل القتال كما سمعنا يسعى في الصلح إن أمكن ذلك، فإن لم يمكن فالقتال بعد ذلك. فإن قوتلوا، فإن قاتل ولي الأمر ومن معه هؤلاء البغاة، فإن قتالهم يختلف عن قتال الكفار، يختلف عن قتال الكفار. ومن ذلك قال: لا يقتل أسيرهم، إذا أمسك الواحد منهم أسرى، فإنه لا يقتل، وإنما يحبس ويعني ينظر في أمره حتى يرجع عما وقع فيه وتزول الشبهة من عقله فيترك بعد ذلك، بخلاف الكافر، فإنه يجوز للإمام أن يقتله. قال: ﴿وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ وَلَا يُغْنَمُ مَالُهُمْ﴾، لأنهم مسلمون، لأنهم مسلمون، وإنما لهم شبهة جعلتهم يقعون في هذا الأمر. ونقل الإجماع في ذلك أن مالهم لا يغنم لأنهم مسلمون، والمسلم معصوم المال. وهكذا أيضا ذريتهم معصومة، فلا تسبى نساؤهم ولا أطفالهم كحال الكافر، بخلاف الكافر يغنم ماله وتسبى ذريته، أما هؤلاء فلا. قال: ﴿وَلَا يُغْنَمُ مَالُهُمْ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ﴾، معنى يذفف على جريحهم، أن يأتي على الجريح فيتمم عليه الموت والقتل، لا ما يفعل هذا إذا جاء إلى الرجل منهم ممن هم من البغاة وقد جرح وهو يتألم من الجرح، ما يأخذ سيفه أو رمحه ويجهز عليه يقتله ويميته، وإنما يترك ليعالج، بخلاف الكافر، الكافر يجوز أن يجهز على الجريح. وهكذا أيضا من هرب منهم ترك، من هرب ترك، بخلاف الكافر، أنه يتبع يتابع حتى يقتل، هذا مما يختلف فيه قتال البغاة عن قتال الكفار. استدل أهل العلم بأثر عبد الله بن عمر عند البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتبع مدبرهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يذفف على جريحهم». وفي رواية: «ولا يقسم فيئهم»، أي ما يغنم منهم. لكن هذا الحديث فيه ضعف. الحديث رواه البيهقي والحاكم من طريق كثير بن حكيم عن نافع عن ابن عمر، وكثير بن حكيم هذا قال فيه الذهبي: متروك. فليس بصحيح. لكن صح عن علي رضي الله عنه عند ابن أبي شيبة بإسناد حسن، أن عليا رضي الله عنه أمر مناديا ينادي يوم الجمل، فنادى: «لا يتبع مدبر، ولا يذفف على جريح، ولا يقتل أسير، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن». وأيضا روى ابن أبي شيبة عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: شهدت صفين، فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يطلبون موليا، يعني من ولّى وهرب، فإنه يترك. قال: ولا يسلبون قتيلا، أي لا يأخذون سلبته، ما معه من عتاد أو سلاح أو مال أو غير ذلك. هذا الأثر صحيح، أثر أبي أمامة: شهدت صفين، فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يطلبون موليا، ولا يسلبون قتيلا. فدل هذا على أن قتال البغاة يختلف عن قتال الكفار. من هم البغاة؟ ليس كل بغاة خوارج، لا، قد يكون ليس خوارج، يعني يخرجوا على ولي الأمر لشبهة، لكن ما يكفرون ولي الأمر ولا يكفرون المسلمين ولا يكفرون الصحابة، وإنما لهم شبهة يعني جعلتهم يخرجون عليه وينزعون يد الطاعة. أما الخوارج في الغالب هم يستبيحون دماء المسلمين، ويستبيحون دماء المسلمين، وبعضهم يكفرون الصحابة ويكفرون ولي الأمر بتأويل. هؤلاء الخوارج حكمهم يختلف، حكم البغاة والخوارج في قول جمهور أهل العلم يختلفون. أن حكم البغاة ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال الخوارج، أمر بقتالهم، قال: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم». نعم، وقال: «يقرون القرآن لا يجاوز حناجرهم». وقال عنهم: «كلاب أهل النار»، كلاب أهل النار، حتى ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنهم كفار، استدلوا بهذه الأحاديث على كفرهم، وإن كان جمهور أهل العلم على أنهم فسقة وظلال. وكذلك الصحابة لم يختلفوا في قتال الخوارج، مختلفوا في قتال البغاة، بخلاف ما حصل في قتال علي رضي الله عنه في الصفين والجمل، فجماعة من الصحابة اعتزلوا القتال من كبار الصحابة، كعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، نعم، وسعد بن وقاص، وجماعة. لهذا هناك فرق يعني بين الخوارج والبغاة. وإذا صنع تفجير، تفجيرات مثلا في كنيسة، وكان التفجير كبيرا حتى يصيب المسلمين بعد المسلمين في الطريق، يعتبر هذا حصل. هذا يعتبر أفعالا محرمة، هؤلاء وإن كانوا كفار، لكن ربما لهم عهد أو لهم أمان، لا يجوز قتل المعاهد، ولو كان كافر، لكن ما دام أن له عهد من جهة ولي الأمر، فلا يجوز قتله. من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة. مع ما في هذه الأعمال يعني من الترويع والتخويف وأذية الناس، وما يترتب عليها من مفاسد وتشويه صورة الإسلام إلى آخر ذلك من أمور كثيرة مفاسد عظيمة، لا شك أن مثل هؤلاء يستحقون القتل نعم.