الدرس في كتاب الحدود 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل الشروط اللازمة لقطع يد السارق وفقًا للشريعة الإسلامية، وهي أن يكون السارق بالغًا عاقلًا وأن يسرق نصابًا من حرز مثله. يُوضح أيضًا تفاصيل حول كيفية تحديد النصاب والحرز.
يتناول هذا الفصل تفاصيل تطبيق حد السارق وتكرار قطع الأطراف، حيث تقطع اليد اليمنى أولًا ثم الرجل اليسرى وهكذا. كما يشير إلى التعزير في حالة التكرار الخامس.
يناقش هذا الفصل إمكانية استخدام بدائل حديثة للزيت مثل الكاوي أو مواد حارة أخرى في العلاج، لتحقيق أغراض علاجية مشابهة.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال القاضي أبو شجاع الأصفهاني رحمه الله في كتابه متن الغاية والتقريب المسمى بمتن أبي شجاع: فصل، وتقطع يد السارق بثلاثة شرائط: أن يكون بالغا عاقلا، وأن يسرق نصابا قيمته ربع دينار من حرز مثله، لا ملك له فيه ولا شبهة في مال المسروق منه. وتقطع يده اليمنى من مفصل الكوع، فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثا قطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعا قطعت رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك عزر، وقيل: يقتل. هذا الفصل في ذكر حكم السارقة والسرقة. لغة: أخذ المال خفية، ومنه استراق السمع، يعني الاستماع له خفية. وشرعا: أخذه خفية ظلما من حرز مثله. والسرقة محرمة، وهي كبيرة من كبائر الذنوب. قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ورتب على السرقة حد القطع، مما يدل على أنه كبيرة من الكبائر؛ لأنه أخذ لمال غير بغير حق. قال رحمه الله: وتقطع يد السارق. عرفنا أن السارق من أخذ المال خفية ظلما من حرز مثله، فغير السارق لا تقطع يده، كالخائن والمنتهب والمختلس. هؤلاء وإن أخذوا المال ظلما بغير حق، لكن ليسوا في حكم السارق، فلا تقطع أيديهم. لا تقطع إلا يد السارق فقط. قال: بثلاثة شرائط. نعم، المنتهب الذي يأخذ المال على جهة القهر والقوة، يأخذ المال على جهة القهر والقوة. المنتهب ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه الناس أبصارهم إليها، ينتهبها، وهو ممن ينتهبها بالصياحين، يعني يفعل ذلك من كان ناقص الإيمان، ضعيف الإيمان. والاختلاس: أخذ المال على سبيل الخفية والسرعة، أخذ المال يعني على سبيل الخفية والسرعة، كمن يأخذ مثلا نقودا من جيب الإنسان، هذا يسمى مختلسا. نعم، أو يأخذ المال من غير حرزه، من أخذ المال من غير حرزه خفية، هذا مختلس. نعم، والخائن الذي يؤمن على مال ثم يخون وينكر أن عنده شيئا. قال: وتقطع يد السارق بثلاثة شرائط: أن يكون بالغا عاقلا. أن يكون بالغا، هذا الذي سرق بالغا، فإن كان صبيا فلا تقطع يده، نعم؛ لأن الصبي غير مكلف، لكن يعزر ويؤدب. وهكذا إذا كان مجنونا، لا بد أن يكون عاقلا، فالمجنون لا قطع عليه؛ لأنه غير مكلف، لكنه كذلك يعني يحبس ويمنعه أهله من الوقوف مثل ذلك. قال: وسرق نصابا. قالوا: أن يسرق نصابا قيمته ربع دينار، نعم. لا بد أن يكون المال المسروق قد بلغ النصاب، ليس كل مال يسرقه الإنسان فيه القطع، لا بد أن يكون هذا المال بلغ النصاب الذي حدده الشرع، وهو ربع دينار. أن يكون قيمة هذا المال ربع دينار من الذهب. ما هو الدليل؟ حديث عائشة رضي الله عنها بالصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا». لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا، يعني ربع دينار فأكثر. وجاء في صحيح عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في ميجن قيمته ثلاثة دراهم. الميجن يعني الترس الذي يترس به المقاتل. وهذا على أن قيمة الربع دينار ثلاثة دراهم. وجاء هذا صريحا في عائشة في خارج الصحيح أن قيمة الثلاثة دراهم كانت تساوي ربع دينار، نعم. فربع الدينار: الدينار أربع جرامات وربع، أربع جرامات وربع. فربع الدينار كم جرام؟ وربع الربع جرام. وربع الربع الآن جرام الذهب اليوم رأيت تقريبا قيمته أربع وأربعين ألفا، أربع وأربعين ألفا. يعني قيمة الجرام وربع الربع ستة وأربعين ألفا وسبعمائة وخمسين من ريال اليمني. ستة وأربعين ألفا وسبعمائة وخمسين يكون هذا نصاب السرقة. من سرق هذه القيمة أو ما يعادلها سواء من المال أو ثياب أو طعام أو شيء، يعني من المركوبات أو غير ذلك، ما يعادل هذه القيمة أو أكثر، فيكون قد سرق نصابا يوجب القطع. فإن سرق أقل من ربع دينار فلا قطع عليه، فلا قطع عليه، لكن يعزر. قال: من حرز مثله. طيب، مرة معنا في باب الديات أن قيمة اليد إذا اعتدي عليها كم فيها؟ اليد إذا جني عليها كم لها فيها من الدية؟ نصف الدية، خمسون مئة، لها فيها خمسون مئة. وهنا إذا سرقت ربع دينار قطعت. أبو العلاء المعري هذا الزنديق، يعني لما جاء إلى هذا الموضع في الأمر بقطع يد السارق في ربع دينار شكك في الشريعة، وقال: كيف تقطع اليد في ربع دينار وقيمتها إذا جني عليها في الديات نصف الدية، يعني نصف الدية خمسون مئة. هذا التناقض. ولهذا قال: «يد بخمسمئين عسجدا وديت، ما بالها قطعت في ربع دينار؟» تناقض. ما لنا إلا السكوت له، وأن نعوذ بمولانا من النار. يقول: «يد بخمسمئين عسجدا وديت»، يعني يد بخمسمئة من الذهب، خمسمئة من الذهب؛ لأن ما يعادل الإبل من الذهب ألف دينار، يعني خمسمئة من الذهب قيمة اليد الواحدة في الجناية عليها. يقول: «يد بخمسمئين عسجدا وديت»، يعني ذهب. «وديت ما بالها قطعت في ربع دينار؟» كيف تقطع إذا سرقت ربع دينار؟ تناقض. يقول هذا تناقض. فرد عليه بعض أهل السنة منهم أبو العلاء، فقال: «قل للمعري عار، أي ما عار جهل الفتاة، وهو عن ثوب التقى عار، صيانة النفس أغلاها وأرخصها صيانة المال، فافهم حكمة الباري». نعم. وقال بعض أهل العلم: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت. فلما خانت هانت، فلا تناقض أبدا في الشريعة. فاليد لما كانت أمينة وكانت يعني غير خائنة، كانت ثمينة إذا اعتدي عليها، كانت لها نصف الدية. فلما اعتدت هي وخانت، صارت لقيمة لها قطعت في ربع دينار، فلا تناقض أبدا. قال: من حرز مثله. أن يكون يعني السرقة، وهذا الشرط الثالث: أن يكون من حرز، أن يسرق المال من حرز مثله. ما معنى حرز مثله؟ أي أن يكون محفوظا فيما يحفظ مثله، فيما يحفظ هذا المال في مثله. أن يكون هذا المال محفوظا فيما يحفظ في مثله. فالحرز هو الموضع أو المكان الذي يحفظ فيه المال الذي يحفظ فيه المال، يرجع في تحديد الحرز إلى العرف. يرجع في تحديد الحرز إلى العرف. فما عد عرفا أن هذا حرز لهذا المال، كان المال محروزا. مثل مثلا الذهب والأموال تحفظ في الصندوق في الصندوق داخل البيت في غرفة النوم، هذا حرزها. البهائم تحرز في زريبتها. السيارة مثلا إما داخل الحوش أو تحت البيت، هذا يعتبر حرزها في العرف. طيب، وهكذا أيضا الكتاب مثلا في المكتبة، الثياب كذلك في موضعها التي توضع فيه. وهكذا كل على حسبه، سواء كان يعني إذا كان الشيء في المدينة فله حرزه، وإذا كان في البادية فله حرزه. يعني مثلا الغنم في الحضر في المدينة تحرز في الزريبة، وفي البادية قد تكون حرزها تحت الخيمة، تكون موجودة عند الخيمة، هذا حرزها. نعم، أو تكون مع راعيها الذي يرعاها، فهي محروزة معه. فإذا أخذ هذا المال الذي بلغ النصاب من حرز مثله، فحينئذ يجب القطع. ما هو الدليل على. أحاديث وردت في ذلك. ومنها ما رواه أبو داود في حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق، يعني في الأشجار. فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه». غير متخذ خبنة، يعني لا يحمل شيئا معه، يدخل يأكل هو وجائع محتاج، لا. ليس عليه شيء، يأكل ويخرج. قال: «ومن خرج بشيء منه»، يعني أخذه من الأشجار، قطعه من الأشجار وأخذه، «فعليه غرامة مثليه والعقوبة»، يعني يضمن ما أخذه بالضعف، عقوبة على ذلك على أخذه بغير حق. قال: «ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع». فمن سرق شيئا بعد أن يؤويه الجرين، الجرين هو الموضع الذي يجفف فيه الثمر، يعتبر هذا حرز له، حرز الثمر. فإن أخذه من موضع الجرين، يعتبر ماذا؟ أخذه من حرزه. فحينئذ يستحق القطع. قال: «فبلغ قيمة ثمن المجن». المجن: الترس. وثمن المجن ثلاثة دراهم، كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام يساوي ربع الدينار، يساوي ربع الدينار. قال: «فعليه القطع». والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. فدل هذا الحديث على اشتراط الحرز؛ لأنه لما ذكر: إذا أخذ منه شيئا يعني وهو في الأشجار، لم يجب عليه القطع؛ لأنه غير محروز بعد. فإذا أخذه من الجرين وهو حرزه، وجب حينئذ عليه القطع. وعلى هذا: لو أخذ الإنسان المال من غير حرزه، فلا قطع عليه، ليس عليه قطع. مثال ذلك: أخذ ذهبا وجده في صالة البيت، صالة البيت. الذهب ليس هذا حرزه، أن يوضع في الصالة التي لعب فيها الأطفال. دخل الإنسان فوجد هذا الذهب فأخذه، هنا يعتبر غير محروز، فإنه إذا لا قطع عليه، لكن يعزر. يعزر. وهكذا مثلا لو أخذ شاة من الطريق، يعتبر ماذا؟ غير سارق، يعتبر مختلسا. نعم، أو إذا أخذها بالقوة، فهو منتهب. المهم ليس بسارق؛ لأنه أخذها من غير حرزها. قال: لا ملك له فيه. لا ملك له فيه، يعني اشترط أن يكون هذا المال ليس له فيه ملك. أما إذا كان له فيه ملك، كان يكون شريك مع الإنسان في مال، فأخذ هذا المال، يعني مثلا اثنان مشتركان في أغنام، فأخذ غنمه أحدهم، أخذ غنمه من هذه الأغنام. هل تقطع يده؟ أخذ من الحوش أو الزريبة، هو الآن سرقها. هل تقطع يده؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه ملك في هذه الأغنام، هو شريك مع صاحبه. هذه شبهة تدرأ عنه الحد. أو كذلك مثلا إذا أخذ مالا له عند غيره، مثل الرهن: إذا رهن رهن عند إنسان، أخذ منه دين ووثقه برهن، وضعه عنده، وضع عنده مثلا سيارة، وضع سيارته عنده إنسان مقابل الدين. ثم يعني جاء وتخفى حتى أخذ السيارة، هل تقطع يده؟ الجواب: لا؛ لأن هذه ملكه، هذه السيارة ملكه. وإي كان ليس له حق تصرف فيها ما دامت مرهونة، لكن لا قطع عليه؛ لأنه أخذ شيئا يمتلكه. أو كذلك عين مؤجرة، أجرها عند إنسان، ثم أخذها، فهذا لا قطع عليه، نعم؛ لأنها يعني ملك. ولا فيها ملك لأحد. قال: ولا شبهة في مال المسروق منه. يعني أيضا اشترط أن لا يكون هناك شبهة لأخذ هذا المال. مثل أخذ الولد من مال أبيه، أخذ الولد من مال أبيه. فالولد يقول: لي حق في النفقة من مال أبي، فأخذ شيئا من مال أبيه، لا قطع عليه؛ لأن هنا شبهة شبهة النفقة. أو أخذ الوالد من مال ولده، كذلك يقول: لي حق بمال ولدي، فلا قطع عليه. أخذت الزوجة من مال زوجها، لا قطع عليها؛ لأن لها حق النفقة، هذه شبهة تدفع هذا الحد. أخذ العبد من مال سيده، كذلك لا قطع عليه. أخذ عامل مثلا من مال صاحب العمل، أخذه ويقول: أن لي حقا من هذا المال، أنا أحتاج مثلا إلى شيء من النفقة، وتأخرت الأجرة، هذه شبهة تدفع عنه حد القطع. قال: ولا شبهة في مال المسروق منه. فإذا وجدت الشبهة، فإنه لا يقام عليه الحد. طبعا الحديث الوارد: «إدرءوا الحدود بالشبهات»، فيه ضعف، لكن معناه صحيح، معناه صحيح. يدل عليه قصة ماعز، لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأقر أنه زنى، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لعله قبل، لعلك غمزت، لعلك كذا»، يعني يدرأ الحد، حتى يعني لما أصر. قال: «استنكحوا، شموا فبه، لعله شرب شيئا». نعم، ونحو ذلك. هذا يدل على معنى درء الحد بوجود الشبهة. قال: وتقطع يده اليمنى. وصحة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عند البيهقي: أن غلاما يعني جاء به المسعود، أخذ شيئا من مال سيده. فقال عبد الله بن مسعود: ليس عليه قطع؛ مالك سرق بعضه بعضا. مالك سرق بعضه بعضا، هذا العبد مالك، وهذا المال الذي أخذه هو مالك، هذه شبهة. يقول: مالك سرق بعضه بعضا. نعم. قال: وتقطع يده اليمنى من مفصل الكوع. إذا سرق السارق وتوفرت فيه الشروط، كان بالغا عاقلا، المال بلغ نصابا، وأخذ المال من حرزه، ولا شبهة في هذا المال. فإذا قيم عليه الحد، فإن تقطع يده اليمنى. أول ما يقطع، تقطع يده اليمنى. نعم، هذا يعني ثبت في آثار كثيرة عن الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم، أنها أول ما يقطع، تقطع اليد اليمنى. وفي قراءة: «يقطعوا أيديهما». وإن كان فيها ضعف، رواها البيهقي، وفيها ضعف. لكن بعض العلماء جعلها في حكم الأحاديث، لو كانت قراءة شاذة. لكن هي كالأحاديث في إثبات الحكم، مع ثبوت ذلك كما سمعنا في آثار كثيرة. قال: وتقطع يده اليمنى من مفصل الكوع. تقطع اليد من مفصل الكوع؛ لأن اليد إذا أطلقت، يراد بها الكف، بدليل قول الله عز وجل في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. فلما تيمم النبي عليه الصلاة والسلام، بين للأمة أن اليد تمسح إلى الكف فقط، الكف هو الذي يمسح. فدل هذا عن أن اليد إذا أطلقت، يراد بها الكف. ولما كان الوضوء الواجب إلى المرافق، قيد بذلك: «وأيديكم إلى المرافق». ولهذا ثبت عن النبي في الآثار والأحاديث: أن اليد تقطع من المفصل، يعني تقطع الكف من المفصل الكوع، هذا المفصل. تقطع اليد من هذا المفصل. نعم. وصحة أن أبا بكر أو النبي صلى الله عليه وسلم أو عمر وعثمان جاء فيها حديث عن عمر، قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقطعون من المفصل، كانوا يقطعون من المفصل. قال شيخ البيهقي رحمه الله: رواه أبو الشيخ في كتاب الحدود، وله شواهد ذكرها العلامة البيهقي رحمه الله ما في الإرواء، وصححه بها. نعم. قال: فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى. سرق المرة الأولى قطعنا يده اليمنى، سرق المرة الثانية نقطع الرجل اليسرى، نقطع الرجل اليسرى. نعم، صح هذا أيضا في آثار كثيرة عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فعند الدارقطني عن علي رضي الله عنه قال: إذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى. نعم. قال: فإن سرق ثالثا قطعت يده اليسرى. يعني إن عاد فسرق بعد السرقة الثانية، فتقطع اليد اليسرى، اليسرى، اليد اليسرى. وجاء في آثار عند الإمام مالك في الموطأ: أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل، أن قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، قدم فنزع على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فشك إليه، أي هذا المقطوع شك إلى أبي بكر عامل اليمن أنه قد ظلمه، يعني ظلمه بقطع يده ورجله، وأنه مظلوم ما سرق. فكان يصلي من الليل، يقوم هذا الرجل يصلي عند أبي بكر يصلي من الليل. فيقول أبو بكر: «وأبيك ما ليلك بليل سارق». وهذه اللفظة «وأبيك» لا يراد بها الحلف، لا يقصد بها الحلف، وإنما على تقدير: ورب أبيك. نعم، فهي لفظة تطلق يعني لتعظيم الأمر، ولا يقصد بها اليمين. قال: «ما ليلك بليل سارق»، يعني تقوم الليل ما شاء الله، تصلي وتتهجد بالسرقة، ليست وجهك وجه السارق. قال: ثم إنهم فقدوا عقدا لأسماء بنت أبي بكر، لأسماء بنت عميس، امرأة أبي بكر الصديق. فقدوا عقدا لأسماء بنت عميس. فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: «اللهم عليك بمن أخذ أهل هذا البيت الصالح»، يعني الذي سرقهم. عليك به. يدعو الله سبحانه وتعالى أن يفضحه. فوجدوه، وجدوا هذه الحلي عند صائغ، يعني من يعمل بالذهب والفضة. فزعم أن الأقطع جاءه به، هذا الذي يدعى أنه بريء، ويقوم الليل وهو الذي جاء به لهذا الصائغ. فاعترف، اعترف به الأقطع، وأشهد عليه به. فأمر أبو بكر رضي الله عنه فقطعت يده اليسرى، يعني بعد قطع اليد اليمنى والقدم اليسرى. وقال أبو بكر: «والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته». نعم. وجاء عند الدارقطني عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله». وهذا الأثر صححه الشيخ الألباني رحمه الله بطرقه. قال: فإن سرق رابعا قطعت رجله اليمنى. هذه المرة الرابعة إذا سرق، قطعت رجله اليمنى، يعني تقطع الأطراف الأربعة. جاء عند الشافعي رحمه الله عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله». نعم، هذا الأثر يذكره الآن. جاء أيضا من حديث جابر عند أبي داود والنسائي والبيهقي، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. إذا في أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقطع الأطراف الأربعة: اليد اليمنى، ثم الرجل اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى. وجاء في حديث جاء ببعض رواياته الأمر بقتله في الخامسة، يعني إن سرق وقد قطعت أطرافه ويسرق أيضا، أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتله. من هذا قال هنا: فإن سرق بعد ذلك، يعني بعد أن قطعت الأطراف الأربعة. قال: عزر، يعني يحبس أو يضرب أو نحو ذلك من التعزير بما يراه مناسبا. وهذا القول الجديد عند الإمام الشافعي رحمه الله: أنه يعزر ولا يقتل. وقيل: يقتل، وهذا القول القديم للإمام الشافعي رحمه الله: أنه يقتل. وهذا الوارد في بعض الأحاديث. فبعض أهل العلم قال: بأنها منسوخة، بأنها منسوخة بترك قتله. ومنهم من يرى بأنها محكمة، وتكون إلى اجتهاد الحاكم، إن رأى في ذلك مصلحة وزجرا بذلك، فلا بأس. وهذا أظهر. والله أعلم: أن القتل ليس بمنسوخ، وإنما هو يرجع إلى اجتهاد الحاكم، إن رأى المصلحة في التعزير بذلك، فلا بأس بقتله في الخامسة. طيب، مما ينبه له: أن المال الذي تقطع فيه اليد المال المحترم، المال المحترم. المال الذي لا حرمة له، فلا تقطع فيه اليد، مثل آلات اللهو والطرب، هذه لا حرمة لها. لو سرقها الإنسان ما تقطع يده فيها. كذلك الخمر أو الخنزير، ونحو ذلك من أشياء المحرمة، هذه التي جاء الشرع بتحريمها أو إتلافها. إذا سرق شيئا من ذلك، لا تقطع يده فيه. إلى هنا، صلى الله عليه وسلم، نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين. نعم. هنا أمر ما يتعلق بحسم اليد، اليد إذا قطعت. فإن تحسم توضع في الزيت الحار حتى تنسد العروق؛ لأن إذا تركت سينزف ويموت ويهلك. نعم، وهذا ثابت في آثار عن الصحابة، عن علي رضي الله عنه وغيره: أنهم أمروا بذلك، يعني أن قطعوا اليد ثم حسمت في النار، وضعت في الزيت الحار حتى تنسد العروق؛ لأن إذا الموسوع قتله، لو ترك سينزف حتى يموت، سينزف حتى يموت. وقد يوجد مثلا الآن في عصر الحديث شيء آخر قد يستغنى به عن الزيت، كالكاوي مثلا أو شيء كذا حار يسد العروق ويحصل به المقصود.