الدرس في كتاب الحدود 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
قطاع الطريق يختلف حكمهم باختلاف أفعالهم، وقد يتعرضون لعقوبات مختلفة مثل القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل أو النفي من الأرض. الحكم مبني على الآية الكريمة التي تنص على هذه العقوبات.
العقوبات للمحاربين تتراوح بين القتل والصلب وحتى الحبس والعزل، وتسقط الحدود عنهم إذا تابوا قبل القدرة عليهم. كما تتناول الأحكام الخاصة بالصغار والنساء في هذا السياق.
الحدود لا تسقط بالتوبة في حالة المحاربة إلا إذا تمت التوبة قبل القبض عليهم. يجوز للمسلم الدفاع عن نفسه وماله وعرضه، ولا ضمان على المدافع إذا قتل المعتدي.
إذا لم يكن هناك تفريط أو تعد من الشخص أثناء الدفاع عن نفسه أو ماله، فلا ضمان عليه. هذا الحكم يستند إلى الشريعة الإسلامية.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي حكم السارق، وعلمنا أن السارق تقطع يده بثلاث شروط: أن يكون بالغا عاقلا، وأن يسرق لصابا قيمته ربع دينار فصاعدا، وأن يسرق من حرز مثله، وأن لا يكون له ملك في هذا المال ولا شبهة في هذا المال المسروق. وعلمنا أن تقطع يده اليمنى من مفصل الكوع، ثم إن سرق تقطع رجله اليسرى، ثم إن سرق تقطع يده اليسرى، ثم إن سرق تقطع رجله اليمنى. نعم، تقطع أطرافه الأربع. فإن عاد فسرق، قيل يعزر، وقيل يقتل. قلنا هذا هو المشهور، أي الذي دلت عليه الأدلة. هنا قول آخر بأن تقطع يعني من أطرافه يد ورجل فقط، تقطع اليد اليمنى، ثم إن سرق تقطع اليد اليسرى، ثم لا يقطع شيء بعد ذلك، وإنما يعزر ويحبس. لكن القول الأول أظهر. وعلمنا أن اليد تقطع من مفصل الكوع. وأما بالنسبة للقدم، فجاء عن عمر رضي الله عنه أنها تقطع من المفصل كذلك، وصح عن علي رضي الله عنه أنها تقطع من شطر القدم، تقطع من شطر القدم، أي من نصف القدم حتى يبقى له عقب يمشي عليه. قال رحمه الله: قال القاضي أبو شجاع الأصفهاني رحمه الله في كتابه غاية التقريب، فصل: وقطاع الطريق على أربعة أقسام. إن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا، فإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا ولم يقتلوا حبسوا وعزروا. ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه الحدود وأخذ بالحقوق. هذا الفصل في ذكر حكم قطاع الطريق، وهم المحاربون. الأصل في هذا الفصل هو قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقطاع الطريق هم الذين يعرضون للناس بالسلاح، فيقيفونهم ويأخذون أموالهم. واختلف العلماء هل يشترط في قطاع الطرق أن يكونوا في الصحراء؟ نعم، قال بهذا جماعة من أهل العلم، قالوا: يشترط في قاطع الطريق أن يكونوا في الصحراء، وهو قول أبي حنيفة وأحمد. والقول الآخر: أنه لا يشترط ذلك، لا يشترط في قطاع الطريق أن يكونوا في الصحراء، بل ولو كانوا حول المدن والقرى، فإنهم يعتبرون قطاع طرق إذا تعرضوا للناس وأخافوهم، فقتلوا مثلا أو أخذوا المال إلى آخره، فيعتبرون قطاع طرق. وهذا قول الإمام الشافعي رحمه الله، وهو قول كثير من الحنابلة؛ لأنه يصدق عليهم ما أخبر الله عز وجل في هذه الآية. وكذلك أيضا هل يشترط في قطاع الطرق أن يكون معهم سلاح؟ الجواب: نعم، يشترط أن يكون معهم سلاح، وهذا قول عامة أهل العلم. قول عامة أهل العلم: أن قاطع الطريق لا يكونوا كذلك إلا إذا كان معهم سلاح. أما إذا كان من غير سلاح، فهذا لا يسمى قاطع الطريق. نعم، فإن كان معهم ما هو دون السلاح، يعني كالحصى أو العصى، فالجواب كذلك يعتبرون، يكون هذا منزلة السلاح. قال: وقطاع الطريق على أربعة أقسام. وهذه الأقسام التي سيذكرها صحت عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. ذكر هذه الأقسام في تفسير الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. ذكر هذه الأقسام، وهذا قول ابن عباس، وكثير من العلماء: أن هذه الآية إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله نزلت في قطاع الطريق. وبه يقول الشافعي وأحمد. قال: إن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا. هذا أول قسم من هذه الأقسام. إذا أخذ قطاع الطرق وقتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا، من قطعوا عليهم الطريق وقتلوهم ولم يأخذوا مالهم، فما جزاؤهم؟ عقوبتهم؟ قال: إن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا. إذا قتلوا ولم يأخذوا المال فإنهم يقتلون. فإنهم يقتلون. وهذا من باب يعني المحاربة، وليس قصاصا. يعني لو أن أولياء هؤلاء المقتولين عفوا، فإن الحد لا يسقط. هذا يختلف عن حد القصاص. القصاص إذا عفى أولياء المقتول سقط، لكن هذا الحد، حد المحاربة، هو حد لله، حتى لو عفى أولياء المقتول، فإن الحد لا يسقط، يقتلون لا بد من قتلهم. قال: وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا. إن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا. نعم، هنا الآن تعدت الجريمة قتل وأخذ مال، فتعددت العقوبة قتلوا وصلبوا. الصلب: أن تنصب خشبة ويعلق فيها هذا المقتول، يعلق فيها هذا المقتول. نعم، لماذا؟ من باب التنكيل والتشهير بهم والتحذير من مثل فعلهم. لما يراهم الإنسان قد علقوا، يقول: ما شأن هؤلاء؟ هؤلاء قطعوا الطريق، قتلوا وأخذوا المال، فيكون فيه زجر أن يفعل الإنسان مثل فعلهم. فالمقصود من صلبهم التشهير بهم والتحذير من فعلهم والتنكيل لعظم الجريمة التي فعلوها، قطعوا طريق الناس وقتلوا سفك الدماء المحرمة وأخذوا الأموال بغير حق. فلأجل هذا فإنهم يجازون بهذا الجزاء. أيهما أول؟ اختلف العلماء: هل يقتلون ثم يصلبون أو يصلبون ثم يقتلون؟ منهم من قال: أنهم يصلبون أولا ثم يقتلون مصلوبا. ومنهم من قال: بل يقتل ثم يصلب، وهذا هو الأصح: أنه يقتل ثم يصلب؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ فبدأ بالقتل، بدأ بالقتل. إذن يقتل أولا ثم يصلب؛ لأن المقصود من صلبه هو إشهاره، إشهار أمره والتنكيل بهم، فهذا حاصل وواقع إذا حصل بعد القتل، فيقتل ثم يصلب. قال: وإن أخذوا المال ولم يقتلوا تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإن أخذوا المال ولم يقتلوا، يعني أخافوا الناس وأخذوا أموالهم ولم يقتلوا، قال: تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أن يعتبرون في حكم السارق، في حكم من سرق، لكن هذه السرقة -يعني- أعظم من سرقة المال خفية؛ لما فيها من محاربة الله ورسوله والتخويف للآمنين وترعيبهم. نعم، تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، يعني اليد اليمنى مع القدم اليسرى واليد اليسرى مع القدم اليمنى. قال: فإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا ولم يقتلوا مجرد تخويف الناس بتقطعهم هذا، ولم يأخذوا مالا ولم يقتلوا نفسا، قال: حبسوا وعزروا. حبسوا وعزروا، عزروا بما يعني يراه ولي الأمر أو الحاكم من ضرب أو جلد أو نحو ذلك. وحبسوا طبعا يحبسون في غير بلادهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بنفيهم، قال جل وعلا: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال ابن عباس: إذا يعني لم يأخذوا المال ولم يقتلوا نفسا فينفوا من الأرض. قيل: النفي من الأرض أن يطاردوا، لا يجعلونهم يستقرون في بلد من البلاد، كلما جاءوا إلى بلد طاردوهم، كلما جاءوا إلى بلد طاردوهم وهكذا. وقيلا: النفي من الأرض أن ينفى من أرضه إلى أرض أخرى، أن ينفى من أرضه إلى أرض أخرى، كحال الزاني غير المحصن فإنه يغرب عن بلده. قالوا: فهكذا أيضا يفعل بهؤلاء، يغربون، يخرجون إلى غير بلدهم. وقيل: أنه يحبس كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: أنه يحبس، يكون نفيه بالحبس، يعزر ويحبس، لكن يحبس بغير بلده؛ لأن هذا أبلغ في الإبعاد، وفيه شيء من معنى النفي، يعني ينفى من بلده إلى بلد آخر. وهو أيضا قول الإمام مالك رحمه الله: أنه يحبس بغير بلده، فيكون فيه شيء من التنكيل بهم والزجر لهم. ويبقى على هذا الحال حتى يستقيم حالهم وتظهر توبتهم، فحينئذ يخرجون بعد ذلك. قال: ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه الحدود. نعم، ومن تاب منهم قبل القدرة عليه، قطع الطريق وقبل أن يقبض عليه جاء تائبا، قال: أنا تبت إلى الله، هنا يسقط عنه الحد، حد المحاربة يسقط عنه حد المحاربة. ما الدليل؟ قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. نعم، إذا تاب قبل القدرة عليه فإنه يسقط عنه الحد. قال: وأخذ بالحقوق، يعني يسقط عنه حد المحاربة، لكن يبقى إن كان هناك قتل فيقتل قصاصا، يقتل قصاصا إن لم يعفو أولياء المقتول. إن أخذ المال فإنه يعني يعاقب ويؤمر برده، يؤمر برده. نعم، فيضمن المال الذي أخذوه. وإن قتلوا نفسا فالقصاص، وإن جرحوا كذلك القصاص بالجروح، إلا إن عفى أولياء المقتول، حينئذ يسقط عنهم الحد أو طلبوا الدية بدل القصاص فلهم ذلك. مسألة: إذا كان في المحاربين يعني صغار، من هو دون البلوغ، هل يقتلون هؤلاء إذا قتلوا مثلا وأخذوا المال؟ الجواب: لا، إذا كانوا صغارا فليس عليهم قتل، وإنما يضمنون المال والأنفس، يضمنون المال والأنفس. وإذا وجد مع هؤلاء المحاربين امرأة أو نساء محاربات لفعلهم، هل حكمهن حكم الرجال؟ الجواب: نعم، حكم النساء حكم الرجال، إذا كان في أولئك المحاربين نساء يتقطعن الطريق فهن كالرجال، يعني يقتلن وصلبن إلى آخره. وهذا هو يعني مذهب الإمام الشافعي رحمه الله والإمام أحمد، خلافا لأبي حنيفة. مسألة: علمنا الآن أن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه سقط عنه الحد. طيب غيره ممن وجب عليه حد كالسارق والزاني والقاذف، إذا تابوا قبل إقامة الحد عليهم، هل يسقط عنهم الحد؟ سارق سرق ثم قال: أنا تبت إلى الله. الزاني حصل منه الزنا ثم قال: أنا تبت إلى الله، هل يسقط عنه الحد كما يسقط الحد عن المحارب؟ أم أنه يقام عليه الحد؟ فيه قولان لأهل العلم. منهم من قال: أنه يسقط عنه الحد إذا تاب، فالتوبة تجب ما قبلها، تجب ما قبلها. فإذا سرق أو زنا، نعم، أو حصل منه شيء من كبائر الذنوب التي فيها حد فتاب قبل أن يقام عليه الحد، فإنه يسقط، يسقط عنه الحد. فاستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾. نعم، قالوا: هذه آية تدل على أنه إن تاب سقط عنه الحد. وكذلك أيضا استدلوا بقول الله جل وعلا في السرقة: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾. نعم، وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله. القول الثاني: أن الحد لا يسقط، أن الحدود في غير المحاربة لا تسقط عن صاحبها وإن تاب. نعم، هذا مذهب الإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، يعني يكاد يكون هذا قول الجمهور، قول جمهور أهل العلم. وهو قول للإمام الشافعي: أن الحد لا يسقط. واستدلوا بأدلة من قصة ماعز والغامدية، وفيها أن ماعز لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب إقامة الحد عليه جاء تائبا، هو من توبته أراد أن يطهر، أن يطهر من هذا الذنب. ومع ذلك يعني ما أسقط عنه النبي صلى الله عليه وسلم الحد، بل أمر أن يرجم. والغامدية كذلك التي زنت وجاءت للنبي صلى الله عليه وسلم تطلب إقامة الحد عليها وهي تائبة، ومع ذلك ما سقط عنها الحد. هذا يدل على أن هذه الحدود لا تسقط بالتوبة، لا تسقط بالتوبة، خلافا لحد المحاربة، فهذا الحكم خاص بالمحاربة فقط، إذا تاب قاطع الطريق قبل أن يقبض عليه سقط عنه الحد. وأما غيرها من الحدود إذا تاب صاحبها قبل إقامة الحد عليه، فإنه لا يسقط عنه الحد. قال رحمه الله: فصل: من قصد بأذى في نفسه أو ماله أو حريمه فقاتل عن ذلك وقتل فلا ضمان عليه. وعلى راكب الدابة ضمان ما أتلفته دابته. هذا الفصل في ذكر حكم الصائل، الصائل هو المعتدي الذي يعتدي على غيره، يعني بقتل أو أخذ مال. قال: ومن قصد بأذى في نفسه -يعني- أراد أن يعتدي على نفسه بقتل أو جرح، طيب أو انتهاك عرض، أو ماله أراد أن يأخذ ماله، أو حريمه كزوجته أو بناته أو أمه أو أخواته أو غيره من أقاربه، قال: فقاتل عن ذلك وقتل فلا ضمان عليه. نعم، المسلم له أن يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله ابتداءا، لا يقتل وإنما يقاتل. وفرق بين القتل والمقاتلة. الشرع أذن للإنسان أن يقاتل يعني يدافع عن نفسه. حيث في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أن يأخذ مالي؟ قال: لا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: فقاتله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار. نعم، إذن يجوز له أن يقاتل غيره وإن أدى ذلك إلى قتل هذا المعتدي. فإن قتله فلا ضمان عليه، على القاتل المدافع عن نفسه ليس عليه ضمان، لا قصاص ولا دية ولا حتى كفارة ولا صيام؛ لأن دم المقتول هدر، دم المقتول هذا هدر، فليس على القاتل شيء. قال: وعلى راكب الدابة ضمان ما أتلفته دابته. نعم، هذا فيما يتعلق بالدابة، إذا أتلفت الدابة شيئا فعلى راكب الدابة ضمان ما أتلفته، كحمار مثلا يقوده إنسان أو بعير، نعم، فأتلف شيء من زرع أو ضرب إنسانا فيعني جرحه أو كسره، فالراكب على الدابة عليه الضمان ذلك؛ سواء كان هذا التلف بقدمها أو بفمها، نعم، أو بيدها. وهذا يدل على تقصيره، وكذلك عدم مبالاته، فحينئذ يضمن. وأما إن لم يكن يعني من جهة تقصيره، لم يكن مفرطا، الدابة يعني مثلا مربوطة، فجاء إنسان إليها واقترب منها فرفسنه مثلا فأصابته بشيء من جرح أو كسر، فليس على صاحب الدابة شيء؛ لأنه يقال: والعجماء جبار، أي هدر. العجماء: الدابة، ما أتلفته الدابة من غير تفريط فهو هدر، ليس على الدابة شيء ولا على صاحبها شيء؛ لأنه هنا لا تفريط منه؛ لأنه التفريط من هذا الإنسان الذي جاء واقترب منها فأصابته بسوء. وهكذا إذا أتلفت الدابة شيئا يعني في المزرعة، فكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث سيدنا داود عليه السلام: على أهل المواشي حفظ مواشيهم بالليل، وعلى أهل المزارع حفظها في النهار. فما أتلفته المواشي في الليل فعلى صاحب الماشية، وما أتلفته في النهار فعلى صاحب الزرع؛ لأن في النهار المواشي تذهب يعني ترعى، وصاحب المزرعة هو يراعي مزرعته ويحفظ مزرعته في النهار، بخلاف الليل، فإن صاحب الماشي عليه أن يحفظ ماشيته، وصاحب المزرعة في الغالب يكون في نوم يعني في أمان. فإذا أتلفت شيء في الليل فعلى صاحب الماشية، وإذا أتلفت شيء في النهار فعلى صاحب الزرع، يتحمل ذلك. هكذا قضى النبي عليه الصلاة والسلام. فإن حصل العكس، لو أن الناس يعملون في الليل وينامون في النهار، فالحكم ينعكس. إذا كان يعملون في الليل وينامون في النهار، إذن على صاحب الماشي حفظها في النهار، وصاحب المزرعة يحفظ مزرعته في الليل. واضح أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. لكن هذا الأصل جرى على الغالب، الغالب أن أصحاب البساتين يزرعون في النهار، وأهل المواشي يرعون مواشيهم في النهار ويحفظونها في الليل. وكذلك يقاس على الدابة السيارات، السيارات في هذا العصر، والدراجات. ما حصل منها من تلف، في تفريط من صاحبها فإنه يضمن، فإنه يضمن. وأما إن كان من غير تفريط ولا تعد، فلا ضمان. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، آل وصحبه أجمعين.