الدرس في التعليق على شرح القواعد الأربع للشيخ العصيمي 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
المشركون الأوائل كانوا يشركون بالله في أمور الدنيا، بينما المتأخرون يشركون في الدنيا والآخرة، مما يجعل شركهم أشد. كما اختلف تعظيمهم لله وشعائره.
يظهر الغلو في تعظيم الأولياء والصالحين أكثر من الله، والاستغاثة بهم، وتفضيل زيارة قبورهم على العبادة في المساجد، وتشبيه زيارتها بالحج.
المشركون الأولون فرقوا بين سؤال الله والمخلوقات حسب عظمة المطالب، بينما المتأخرون يطلبون المطالب العظمى من آلهتهم، مع عقيدة الحلول والاتحاد لدى بعضهم.
المقطع الختامي يتضمن الدعاء للمؤلف والشارح، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الثناء على الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، ما زلنا بذكر الأوجه العشر التي ذكرها الشارح للقواعد الأربع، العلامة محمد عبدالوهاب النجدي، رحمه الله. ووقفنا عند الوجه التاسع في الفروق بين مشركي الأوائل وبين مشركي هذا الزمان، أو مشركي المتأخرين، وأن شرك المتأخرين أشد من شرك المتقدمين. قال: الوجه التاسع، أن المشركين الأولين كانوا يرجون آلهتهم في قضاء حوائج الدنيا فقط، كرد غائب، ووجدان مفقود، ولا يجعلونهم عدة ليوم الدين؛ لإنكارهم البعث، أو اعتقادهم أن لهم عند الله بعد البعث مالا وولدا؛ لحظوتهم عنده. قال: أما المتأخرون، فيريدون من معظميهم قضاء حوائج الدنيا والآخرة. ذكر معنى هذا الوجه محمد بن ناصر بن معمر، رحمه الله. يعني أن الغالب والأكثر في المشركين الأولين، حين يشركون في عبادة الله جل وعلا، ويلجأون إلى الأنداد والآلهة التي اتخذوها مع الله جل وعلا، يريدون منها قضاء حوائج الدنيا؛ من رد غائب، أو مفقود، أو حصول شيء، يعني يطلبه من ولد، أو زوجة، أو حصول مال، أو غير ذلك من أمور الدنيا. ولا يتقربون إليهم لأجل أن ينفعونهم في الآخرة؛ لأن أكثرهم ينكر البعث، ينكر البعث، ومع ذلك هو يشرك في عبادة الله جل وعلا، ويتخذ أندادا مع الله سبحانه وتعالى؛ أو لاعتقادهم أن لهم عند الله بعد البعث مالا وولدا؛ يعني أن لهم منزلة عند الله جل وعلا، فهم لا يحتاجون إلى آلهتهم فيما يتعلق بأمر الآخرة. أما المتأخرون، المشركون المتأخرون، فإنهم يريدون ممن يعظمونهم، ويلجأون إليهم في قضاء حوائجهم، يريدون قضاء حوائج الدنيا والآخرة؛ يريدون تحصيل الولد، أو الحصول على المال، أو الحصول على الزوجة، أو الشفاء من مرض، أو دفع كرب، أو زوال مصيبة. وأيضا هم يريدون منهم أن يشفعوا لهم في الآخرة، وأن ينجوهم من عذاب الله، ومن دخول النار والجحيم، وأن يدخلونهم الجنة. فكانوا في هذا أشد من المشركين المتقدمين. قال: والوجه العاشر، أن المشركين الأولين كانوا يعظمون الله وشعائره؛ فكانوا يعظمون اليمين بالله، ويعيذون من عاذ بالله وبيته، ويعتقدون أن البيت الحرام أعظم من بيوت أصنامهم. أما المتأخرون، فإن أحدهم يقسم بالله صادقا وكاذبا، ولا يقدم على القسم بمن يعتقد فيه من المعظمين كاذبا. وهذا واقع ومشهور عن أمثال هؤلاء؛ تجده إذا قيل له: احلف بالله، يحلف حتى لو كان كاذبا. لو قيل له: احلف بالولي الفلاني، احلف بالعيدروس، أو احلف بالمحضار، أو احلف بالجيلاني، يتلكأ ويقف. انظروا ما السبب؟ ما الذي يجعله يتساهل في الحلف بالله جل وعلا كاذبا، ويقف عند الحلف بهؤلاء؟ هو التعظيم، هو تعظيمهم، تعظيمه لهم، ويخاف من عقوبة هذا الولي له؛ بما يقع في قلبه من التعظيم والخوف، أشد من تعظيمه وخوفه من الله جل وعلا. ولا شك أن هذا من الشرك والكفر. قال: ولا يعيذون من عاذ بالله ببيته، ويعيذون من عاذ بمعظمهم، أو بتربته. نعم، من عاذهم بالله، إذا قال: عيذك بالله ألا تفعل هذا الشيء، ما التفت. لكن لو قالوا: عيذك بقبر الفلاني، بقبر الولي الفلاني، أو بقبة الولي الفلاني، فتجده يستجيب. وهذا من شدة تعظيمهم لهؤلاء الأموات، وهؤلاء الأولياء. قالوا: يعتقدون أن العكوف عند المشاهد أعظم من العكوف في المساجد. ولهذا يجعلون لهذه المشاهد والقباب زيارات، ويجعلونها مغاهات لحج بيت الله الحرام، رغم أنهم يسمونها الحج الأصغر؛ كزيارة قبر نبي الله يهود في هذا الشهر، في شهر شعبان من كل سنة، يجعلون لها مناسك كمناسك الحج؛ من وقوف، ورمي، وطواف، ونحو ذلك. بل يسمونها الحج الأصغر في بعض مؤلفاتهم. لا شك أن هذا من الغلو في الأولياء والصالحين، الذي أوقعهم في مثل هذا النوع من الشرك؛ فجعلوا العكوف عندها أعظم من العكوف في بيوت الله جل وعلا. قال: وأكثرهم يرى أن الاستغاثة بإلهه الذي يعبده عند قبره أنفع وأنجح من الاستغاثة بالله في المسجد. نعم، يرى أن الاستغاثة بصاحب هذا القبر أفضل من أن يستغيث بالله جل وعلا في بيت من بيوت الله. وأن هذا الميت الذي يزعم أنه ولي من أولياء الله، إذا استغاث به، أنه سيغيثه، وسيكشف كربته؛ فلهذا يلجأ إليه دون اللجوء إلى الله جل وعلا. قالوا: هذا الوجه مستفاد من كلام متفرق للعلامة سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد، وبعضه في كلام ابن تيمية الحفيد، والمصنف الصنعاني، وحمد بن ناصر بن معمر، وعبد العزيز بن حسين، وعبد اللطيف، وعبد الرحمن بن حسن، من علماء الدعوة الإصلاحية، رحمهم الله. ثم زاد الشارح، حفظه الله، وشيخ صالح الفوزان، وجهين آخرين. قال: الوجه الحادي عشر، أن المشركين الأولين لم يكونوا يطلبون من آلهتهم كل ما يطلبونه من الرحمن. فلهم مطالب يطلبونها من آلهتهم، ولهم مطالب لا يطلبونها إلا من الله؛ تعظيما لله سبحانه وتعالى. فيجعلون الأعلى مطلوبا من الله. يعني أن المشركين الأولين يجعلون من مطالبهم الأشياء العظيمة والأشياء العالية، يسألون الله عز وجل فيها. وما كان دون ذلك، طلبوها من آلهتهم. فيفرقون في مطالبهم بين سؤال الآلهة وبين سؤال الله جل وعلا؛ الأمور العظيمة. قالوا: أما المتأخرون، فيطلبون من آلهتهم ما لا يطلبونه من الله؛ فيجعلون المطالب العظمى من مألوهاتهم، ولا يطلبونها من الله. ذكر ذلك ابن تيمية الحفيد. يعني أنهم يطلبون الأشياء العظيمة من آلهتهم، ولا يطلبونها من الله؛ كدخول الجنة، والنجاة من النار، وكذلك أيضا كشف الكربات، والنجاة من المهالك، ونحو ذلك؛ يطلبونها من غير الله جل وعلا، من هذه الآلهة التي اتخذوها مع الله سبحانه وتعالى. قال: والوجه الثاني عشر، أن في متأخري المشركين من زعم أن الله يتجلى في صور معبوداته من المخلوقات؛ فهو يعبدهم لأن الله يتجلى فيهم. ولم يكن أحد من المشركين الأولين يعتقد أن الله يتجلى في صورة غيرهم من المخلوقات. ذكر معناه ابن تيمية الحفيد أيضا، نقله عنه صاحبه من القيم في روضة المحبين. هذا الوجه الثاني عشر، أن في متأخري المشركين من زعم أن الله يتجلى في صور معبوداته من المخلوقات. وهي عقيدة الحلول والاتحاد، الذي يعتقدها غلاة المتصوفة؛ كالحلاج، وابن عربي، ونحوهم. هؤلاء يعتقدون أن الله عز وجل يتجلى في صور مخلوقاته، بل أن الله عز وجل حل في كل شيء. يقول ابن عربي: «وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، وما الله إلا راهب في كنيسة». نعم، ويقول: «عبد رب والرب عبد، يا ليت شعري من المكلف؟ إن قلت رب فذاك حق، وقلت عبد أن يكلف. إن قلت عبد فذاك حق، وقلت رب أن يكلف». يعني: الله عز وجل حل في العبد، فصار العبد ربا، وصار الرب عبدا. بل كما سمعنا أشد من ذلك، أن الله عز وجل حل في الكلب والخنزير، عياذا بالله. هذه عقيدة أهل الحلول والاتحاد، ولا شك أن كفر قائل ذلك، ومعتقد ذلك، لا شك فيه ولا ريب. وبهذا نكون انتهينا من قراءة هذه القواعد النافعة، وقراءة شرحها. نسأل الله جل وعلا أن يغفر لمؤلفها ولشارحها، وأن يجزيهما خير الجزاء، وأن ينفعنا بما سمعنا. وصلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.