الدرس في مسائل في الصيام 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يجب صيام رمضان برؤية هلال رمضان أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما. يثبت دخول الشهر برؤية الهلال لقول النبي صلى الله عليه وسلم «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».
يُقبل شهادة عدل واحد لدخول رمضان بينما يشترط شاهدان عدلان لخروجه. يُناقش حكم صيام من رأى الهلال وحده ولم تقبل رؤيته، وحكم رؤية الهلال قبل وبعد الزوال.
يجب تبييت النية للصيام في رمضان ومحلها القلب، ولا تحتاج إلى التلفظ بها. يجوز نية الصيام لشهر رمضان كله بنية واحدة وتكفي هذه النية لجميع الشهر.
الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا مجلسنا الثالث من مجالس ذكر مسائل في الصيام، وانتهينا بالمجلس السابق في ذكر شروط وجوب الصيام، وأن الصيام يجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم خال من الموانع. تأتي مسألة: وهو متى يجب الصيام؟ متى يجب على المسلمين أن يصوموا رمضان؟ الجواب أنه يجب الصيام بأحد أمرين: الأمر الأول هو رؤية هلال رمضان، والأمر الثاني هو إكمال عدة شعبان ثلاثين. إذا رأى الناس الهلال هلال رمضان في ليلة الثلاثين من شعبان، إذا رأوا الهلال فهنا يلزمهم الصيام، ويثبت بذلك دخول شهر رمضان، لقول الله جل وعلا ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصم﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. إذا رؤي الهلال فهنا يصوم الناس، وإذا لم ير الهلال ترى الناس الهلال فلم يروه، فهنا يكملون عدة شعبان ثلاثين يوما. يكملون عدة شعبان ثلاثين يوما، يعني في يوم الشك أو ليلة الشك الذي هي ليلة الثلاثين من شعبان، إذا لم ير الهلال مثلا نحن في ليلة الاثنين، ليلة الاثنين كانت ليلة الشك لم ير الهلال، فأصبحنا يوم الاثنين مفطرين إكمالا لعدة شعبان لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»، أي عدة شعبان فأكملوا العدة ثلاثين. إذا نكمل عدة شعبان ثلاثين يوما، ثم اليوم الذي بعده يكون هو أول يوم من رمضان. كما كان يوم الثلاثاء هو أول أيام رمضان، لأننا أخرجنا شعبان ثلاثين يوما. إذا كان هنا مسألة تتعلق بالرؤية، هل يفرق بين الرؤية في حال كون السماء صحوا، أي صافية ليس فيها شيء يمنع من الرؤية من سحب أو قطر أو غبار أو نحو ذلك، وما إذا كانت السماء صحوا ليس هناك شيء، أو إذا كان هناك شيء يمنع الرؤية من سحب أو نحوها؟ فإذا كانت السماء صحوا ليس هناك شيء يمنع من الرؤية من سحب أو غبار أو قطر أو نحو ذلك، يعني في ليلة الثلاثين، فإن الناس يصبحون مفطرين إكمالا لعدة شعبان ثلاثين، وهذا باتفاق أهل العلم. لكن إذا كان هناك شيء يمنع من الرؤية كسحب أو قطر أو غبار أو نحو ذلك، فاختلف أهل العلم، اختلف أهل العلم هل يصبح الناس مفطرين أو يصبحوا صائمين؟ من أهل العلم من قال: إذا كان هناك شيء يمنع من الرؤية فإننا نصبح صائمين، أي ليلة يوم الثلاثين، قالوا نصبح صياما لاحتمال أن يكون هذا اليوم من رمضان، واستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن غم عليكم فاقدروا له»، قالوا المراد بالتقدير التضييق، أي ضيقوا على الشهر فأخرجوه تسعة وعشرين. والقول الآخر، وهو الصحيح، أننا إذا لم نر الهلال ولو كان هناك شيء يمنع من الرؤية من سحب أو غيرها، فإننا نصبح مفطرين ونكمل عدة شعبان ثلاثين، وهذا قول جمهور أهل العلم، لقوله عليه الصلاة والسلام: «فأكمل العدة ثلاثين»، وهذه الروايات «فأكمل العدة ثلاثين»، وفي رواية «أكمل عدة شعبان ثلاثين»، تفسر رواية «فاقدروا له» أن المراد بالتقدير هو إكمال عدة شعبان ثلاثين. مسألة: إذا رأى شخص الهلال وحده، طبعا يثبت دخول شهر رمضان، وهذه مسألة نذكرها قبل هذه المسألة، وهو بما يثبت دخول الشهر؟ فالجواب يثبت برؤية عدل واحد، إذا رأى الهلال عدل واحد، فإننا نصوم برؤيته، نصوم برؤيته، لحديث ابن عمر في السنن قال: «ترى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه»، قال: «ترى الناس الهلال» يعني ليلة الثلاثين، وهذا مما يستحب للمسلمين أن يتراؤوا الهلال وينظروا لعل أحدا منهم يرى الهلال. قال: «فأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه»، أي أخذ النبي صلى الله عليه وسلم برؤية ابن عمر، فثبت به دخول الشهر ووجوب الصيام، هذا بالنسبة لشهر رمضان. أما بقية الشهور، فلا بد من شاهدي عدل في دخول الشهر وفي خروجه، لحديث الحارث بن الحاطب رضي الله عنه في السنن: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا»، إن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا، وهذا الحديث عام، لكنه مخصوص بحديث ابن عمر في قبول شهادة العدل الواحد في دخول شهر رمضان، وأما في خروجه، فلا بد من شاهدي عدل. تأتي المسألة هنا: وهو إذا رأى الهلال شخص لكن لم تقبل رؤيته، إنسان يقول: أنا رأيت الهلال لكن لم يأخذ الناس برؤيته ولم يثبت به دخول الشهر، هل هذا الذي رأى الهلال وحده يصوم وحده أم أنه يفطر مع الناس؟ بعض أهل العلم قال: يصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وهذا قد رأى الهلال. وقال جمع آخرون: بل لا يصوم؛ لأن الصوم إنما يكون مع جماعة المسلمين، والهلال يعني لا يستهل إلا إذا ظهر إذا ظهر وبان، فإذا لم نقبل شهادة هذا العدل الذي شهد برؤية الهلال ولم يثبت برؤيته دخول الشهر، فالصحيح أنه لا يصوم وحده، أنه لا يصوم وحده، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس»، والحديث رواه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «فالصوم يوم يصوم الناس»، فما يصوم الإنسان وحده، حتى لو رأى الهلال وحده ولم تقبل رؤيته، فإنه لا يصوم بل يفطر مع الناس ويصوم مع الناس. تأتي مسألة تتعلق برؤية الهلال: وهو إذا رؤيا الهلال قبل الزوال، إذا رؤيا الهلال في النهار قبل الزوال، هل يكون للليلة التي مضت أو يكون للليلة التي ستأتي؟ الآن في النهار مثلا في نهار يوم الاثنين الساعة العاشرة أو الحادي عشر أين الهلال؟ هل يكون هذا الهلال للليلة التي مضت وهي ليلة الاثنين أو تكون للليلة المستقبلة التي هي ليلة الثلاثاء؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، منهم من يقول: إذا رؤيا قبل الزوال فهو للليلة التي مضت، وإذا رؤيا بعد الزوال فهو للليلة التي تستقبل. والصحيح أنه إن رؤيا الهلال قبل الزوال أو بعد الزوال فهو للليلة التي تستقبل، للليلة التي تستقبل، يعني لو رؤيا الهلال يوم الاثنين قبل الزوال، فيكون هو لليلة الثلاثاء، يكون هو لليلة الثلاثاء، سواء رأيناه قبل الزوال أو رأيناه بعد الزوال. أيضا من المسائل المتعلقة برؤية الهلال: هل إذا رآه أهل بلد يلزم جميع الناس الصيام برؤيتهم؟ يعني مثلا رأينا الهلال في اليمن، هل يلزم بقية البلاد وسائر بلاد الإسلام أن تصوم برؤيتنا؟ أو أنه لكل بلد رؤيتها؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. الراجح أنه إذا اتفقت المطالع أي مطالع الهلال، إذا اتفقت فإنه يعمل برؤية أحد هذه البلاد التي تتفق مطالعها، وإن اختلفت المطالع مطالع الهلال، فلكل بلد رؤيتها؛ لأن المطالع لها اعتبار، لها اعتبار وهي تختلف كما هو معلوم عند أهل الخبرة بالواقع، فلكل أهل مطلع رؤيتهم، ولا يلزم أن يصوم المسلمون جميعا في وقت واحد، كما أنهم لا يتفقون في أوقات الصلوات، نحن ربما نصلي الظهر في هذا الوقت، وفي دولة أخرى يصلون الظهر بعد ست ساعات أو قبل ست ساعات، فتختلف أوقات الصلوات باختلاف المواقيت، وهكذا أيضا قد يختلف الصيام باختلاف مطالع الهلال. ويدل على هذا القول ما جاء في صحيح الإمام مسلم في حديث ابن عباس: «أن كريب كان في الشام فرأوا الهلال ليلة الجمعة، فأمر معاوية رضي الله عنه بالصيام، فلما قدم إلى المدينة في آخر رمضان سأله ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ قال: رأيناه ليلة الجمعة، قال ابن عباس: ونحن رأيناه ليلة السبت، قال: أأنت رأيته؟ قال: نعم، رأيته ورآه الناس، وصام معاوية وصام الناس، فقال ابن عباس: أما نحن فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال، قال: ألا تأخذ برؤية معاوية ومن معه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فهذا الحديث دليل صريح في أن العبرة بدخول الشهر برؤية الهلال إذا اتفقت المطالع، وأما إذا اختلفت فلكل بلد رؤيتها. مسألة: الآن رأينا الهلال وجب علينا الصيام، هل يجب علينا تبييت النية للصيام؟ الجواب: نعم، إذا كان الصوم واجبا فلابد من تبييت النية، لقول الله جل وعلا: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وجاء في حديث حفصة وغيرها: «أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له»، والله عز وجل يقول: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، يدل على اعتبار النية في الصيام من أول نهاره إلى غروب الشمس، إذا لابد من تبييت النية. والنية محلها في القلب، النية محلها في القلب، معنى تبييت النية أنك تستحضر في قلبك أنك ستصوم، هذه هي النية، فإذا عزمت على الصيام فقد نويت الصيام، وهذا كافي، وهذا كافي، ولا يحتاج إلى التلفظ بها، ما يحتاج أن تقول: نويت صوم غد عن أداء فرض شهر رمضان هذه السنة لله تعالى إيمانا واحتسابا إلى آخره، هذا التلفظ بها من الأمور المحدثة، ما فعلها النبي عليه الصلاة والسلام ولا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولا أمر بذلك عليه الصلاة والسلام. تأتي مسألة: وهو هل يجزئ أن تنوي نية واحدة لجميع الشهر؟ تنوي نية أن تصوم رمضان كله وتكفي هذه النية؟ أم أنه لا بد من النية في كل ليلة من ليالي رمضان؟ الجواب: أنه يجزئ أن تنوي نية واحدة لجميع الشهر؛ لأن شهر رمضان يعني شهر مضيق، ما يمكن للإنسان أن يصوم صوما غير رمضان، ما يمكن أن يصوم صوما غير رمضان، ولهذا فيجزئ أن ينوي نية واحدة لجميع الشهر. وعلى هذا لو أن إنسانا نام لو أن إنسانا نام مثلا من العصر ولم يستيقظ إلا في الفجر، لم يستيقظ إلا في الفجر، على هذا القول صومه صحيح؛ لأنه تكفيه نية واحدة لجميع الشهر. وأما إن قلنا بأنه لا بد من استحضار النية في كل ليلة، فهنا لا يصح صومه؛ لأنه لم ينو صيام هذا اليوم الذي بعده. لكن الصحيح كما سمعنا: أنه يجزئ، تجزئ نية واحدة لجميع الشهر، والنية كما سمعنا محلها القلب، فلا يكلف الإنسان نفسه أو يتعب نفسه بالتلفظ بها، فهذا الأمر لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن شاء الله سنذكر في المجلس القادم ما يتعلق بمفطرات الصائم، وما الذي يجب على الصائم أن يجتنبه حال صيامه. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد آله وصحبه أجمعين.